العصمة التى أوجبها الله تعالى لرسله – عليهم الصلاة والسلام – تتعلق بالاعتقادات، والتبليغ، والأقوال والأفعال، وخُص نبينا ﷺ بعصمة بدنه الشريف من القتل.
فقد عصم الله ﷿ أنبياءه ورسله من الوقوع فى محظور فى الأمور السابقة حتى أدوا رسالتهم ولحقوا ببارئهم ﷿.
وعصمة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فى الأمور السابقة ثابتة لهم قبل النبوة وبعدها فى الكبائر والصغائر، عمدها وسرها على الأصح، فى ظاهرهم وباطنهم ورضاهم وغضبهم، وهو ما أَدين لله تعالى به، لأن حال الأنبياء قبل النبوة يؤثر على مستقبل دعوتهم بعد النبوة سلبًا وإيجابًا.
[ ٢٢ ]
وهذا هو الصحيح عندى ويطمئن إليه القلب، وتستريح إليه النفس وهو مذهب كثير من العلماء المحققين المحقين من أهل الكلام والحديث (١) .
قال تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ (٢) .
فهذه الآية الكريمة كانت جوابًا من النبى ﷺ على ما طلبه مشركوا مكة من رسول الله ﷺ أن يأتيهم بقرآن غير الذى أتاهم به، لا يكون فيه عيب آلهتهم، أو يبدله من تلقاء نفسه على ذلك الشرط، ليقبلوا منه بعد ذلك دعوته للإسلام.
_________________
(١) منهم ابن حزم فى الفصل فى الملل والنحل ٢/٢٨٥، ٣٢١، والأيجى فى المواقف فى علم الكلام ص٣٥٨، ٣٥٩، والجرجانى فى شرح المواقف ٨/٢٨٨ – ٢٩٠، وسعد الدين التفتازانى فى شرح المقاصد ٢/١٤٢، ١٤٣، وفخر الدين الرازى فى المحصل ص٢١٩، ٢٢٠ والقاضى عبد الجبار المعتزلى فى شرح الأصول الخمسة ص٥٧٣، ٥٧٥، والشوكانى فى إرشاد الفحول ١/١٦١، وكثير من المحققين من أهل الحديث منهم القاضى عياض فى الشفا ٢/١٤٥، والقسطلانى فى المواهب اللدنية، والزرقانى فى شرحه على المواهب ٩/٥، ٧/١٤، والأُبى فى إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ١/٣١٥، وابن الوزير اليمانى فى الروض الباسم فى الذب عن سنة أبى القاسم ١/١١٨، وأبو نعيم الأصبهانى فى دلائل النبوة عقد فصلًا بعنوان "ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية ١/١٨٥ – ٢١٢، وكذلك فعل البيهقى فى دلائل النبوة أيضًا فقد عقد عنوانًا لهذا الموضوع فقال: "باب ما جاء فى حفظ الله تعالى رسوله ﷺ فى شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها الخ ٢/٣٠ – ٤٢، ومثلهما السيوطى فى الخصائص الكبرى حيث قال: "باب اختصاصه ﷺ بحفظ الله إياه فى شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية" ١/١٤٨ – ١٥٢.
(٢) الآية ١٦ يونس.
[ ٢٣ ]
قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ (١) .
فكانت حجة رسول الله ﷺ عليهم، أنه عبد مأمور، ورسول مبلغ عن ربه ﷿ وليس إليه تبديل القرآن أو يتقوله من عنده ﴿قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ ثم قال محتجًا عليهم فى صحة ما جاءهم به "قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به" أى هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله عزوجل لا تنتقدون على شيئًا تُعيِّرونى به. ولهذا قال: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ أى: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل.
_________________
(١) الآيتان ١٥، ١٦ يونس.
[ ٢٤ ]
ولهذا لما سَأَل هرقل (١) ملك الروم أبا سفيان (٢) ومن معه، فيما سأله من صفة النبى ﷺ قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق:
والفضل ما شهدت به الأعداء
فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله!! (٣) .
_________________
(١) هو: ملك الروم، وهرقل اسمه، ولقبه قيصر. وكان له علم فى دين النصرانية وهو الذى أرسل إليه النبى ﷺ خطابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، فأراد أن يسلم ولكن الروم أبت عليه فضن بملكه فلم يسلم. ينظر: البداية والنهاية ٤/٢٦٧، وفتح البارى ١/٤٤ – ٥٩رقم ٧.
(٢) هو: صخر بن حرب بن أمية، كان من أشراف قريش، أسلم ليلة الفتح، وشهد حنينًا، والطائف مع رسول الله ﷺ ففقئت عينه يومئذ، وفقئت الأخرى يوم اليرموك، وهو يقاتل تحت ابنه يزيد. يقاتل ويقول: "يا نصر الله اقترب" له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/١٤٤ رقم ٥٩٦٨، والاستيعاب ٤/١٦٧٧ رقم ٣٠٠٥، وتاريخ الصحابة ص١٣٦ رقم ٦٦٨.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منهما كتاب بدء الوحي ١/٤٢ – ٤٤ رقم٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبى ﷺ إلى هرقل ٦/٣٤٦ – ٣٤٨ رقم ١٧٧٣ من حديث ابن عباس ﵄ وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/١٩٠.
[ ٢٥ ]
وإذا كان الوحي الإلهى فى آية يونس السابقة يقدم حياة رسول الله ﷺ وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلًا على نبوته ﷺ (١) وهو ما استدل به هرقل على صدقه ﷺ فى نبوته، دل ذلك كله وأكد ما سبق ذكره أن حال الأنبياء قبل النبوة يؤثر على مستقبل دعوتهم بعد النبوة سلبًا وإيجابًا.
فكيف والحال هكذا يختلف فى العصمة لهم قبل النبوة؟!!
قال سبحانه: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ (٤) .
وقال ﷿: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ (٥) .
ففى هذه الآيات الكريمات كان التعبير فيها "بصاحبكم" تذكيرًا بأن كفار مكة أعرف الناس به، فمحمد ﷺ لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة فى اتهامهم لرسول الله ﷺ بالضلال والجنون، مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم (٦) .
_________________
(١) ينظر: الرسالة المحمدية لسليمان الندوى ص٢٣، والمقدمة لابن خلدون ص١٠٣.
(٢) الآية ١٨٤ الأعراف.
(٣) الآية ٢ النجم.
(٤) الآية ٢٢ التكوير.
(٥) الآية ٤٦ سبأ.
(٦) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لمحمد صادق عرجون ١/٢٩١، ودلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين لعبد الله الغمارى ص١٣٨.
[ ٢٦ ]
وما كان كذلك إلا بعصمة الله ﷿ له قبل نبوته (١) تلك العصمة التى استدل رسول الله ﷺ بحاله فيها على نبوته لما أمر بالبلاغ فى قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) .
٦- فعن ابن عباس ﵄ (٣) قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا!!، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد".
وفى رواية قال لهم: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا!!، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد" (٤) .
فالشاهد من الحديث قوله ﷺ: "أكنتم مصدقى؟ " وقولهم جوابًا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا: ما جربنا عليك كذبًا!!.
_________________
(١) ينظر الأدلة على ذلك فى مبحث "دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن والسنة ص٤٧.
(٢) الآية ٢١٤ الشعراء.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٠ رقم ١٨، وتاريخ الصحابة ص١٤٨ رقم ٧١٧، وأسد الغابة ٣/٢٩١ رقم ٣٠٣٧، والإصابة ١/٣٢٢ رقم ٤٧٩٩.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة المسد ٨/٦٠٩ رقم ٤٩٧١، وباب وأنذر عشيرتك الأقربين ٨/٣٦٠ رقم ٤٧٧٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب وأنذر عشيرتك الأقربين ٢/٨٣، ٨٤ رقم ٢٠٨.
[ ٢٧ ]
.. حيث استدل رسول الله ﷺ بحاله قبل نبوته من صدقه، وعصمة الله ﷿ له من الكذب، استدل بذلك على صدقه فيما يخبرهم به بعد نبوته، فكانت منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه لعلمه ﷺ بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة وصدق رب العزة: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (١) .
وصفوة القول أنه يمتنع وقوع صورة المعصية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل بعثتهم، لا لكونها معصية حقيقية تترتب عليها المؤاخذة والعقاب، بل لأن الله تعالى خلقهم مجبولين على مجانبتها والمنافرة لها، لما علمه جل شأنه من أنهم سيكونون مصابيح الظلام، وهداة الأنام، يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويرشدونهم إلى صراط العزيز الحميد. فلا تمر بهم طرفة عين إلا وهم مراقبون لحضرته، مشاهدون لعظمته كما تشهد بذلك سوابقهم الحميدة، وتواريخهم المجيدة.
وإذا اتضح هنا صحة ثبوت عصمة الله ﷿ للأنبياء وحفظ بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهى عنه، ولو نهى كراهة قبل النبوة وبعدها، فإلى بيان أن تلك العصمة هى سبيل الإيمان بحجية كل ما يبلغه رسول الله ﷺ عن ربه من الوحي قرآنًا وسنةً.
_________________
(١) الآية ٣٣ الأنعام.
[ ٢٨ ]