عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لما بنيت الكعبة ذهب النبى ﷺ وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى ﷺ: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال: "إزارى إزارى" فشد عليه إزاره، وفى رواية: فما رؤى بعد ذلك اليوم عريانًا" (٢) .
_________________
(١) ينظر: فقه السيرة للدكتور محمد البوطى ص٥٠، ٥١.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة ٢/٢٦٨ رقم ٣٤٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها ٣/٥١٣ رقم ١٥٨٢.
[ ٩١ ]
.. وهذه القصة وما فيها من حفظه ﷺ من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى ﷺ قال: "لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك قال: فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى" (١) .
قال الحافظ ابن كثير: "هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة" (٢) .
وقال الإمام السهيلى: "وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان: فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين: مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة" (٣) .
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٩ نص رقم ١٨، وأخرجه من طريق ابن إسحاق البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٠، ٣١.
(٢) البداية والنهاية ٢/٢٦٦.
(٣) الروض الأنف ١/٣١٨.
[ ٩٢ ]
.. قلت: هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سندًا، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو ﷺ فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس ﵄ (١) وهو ﷺ فى حالة صغره، وقال فيها: "النضر أبو عمر الخزاز" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ: فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولًا: أن النبى ﷺ لما بنيت الكعبة كان غلامًا".
ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقبًا على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلًا: "قلت: وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتمادًا على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل ﵁ قال: "فبينما رسول الله ﷺ ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد" (٢) .
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/١٩٩ رقم ٧٣٥٦، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبى: فيه النضر أبو عمر الخزاز ضعفوه، وأخرجه الطبرانى فى الكبير، وفيه أيضًا النضر أبو عمر، وقد أجمعوا على ضعفه كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٥٢، وأخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٠ رقم ١٣٥ من طريق ابن إسحاق، وفيه أيضًا النضر أبو عمر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٥/١٠٣ رقم ٩١٠٦، ومن طريقه الحاكم فى المستدرك ٤/١٩٩ رقم ١٩٩ رقم ٧٣٥٧ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأحمد فى مسنده ٥/٤٥٤، ٤٥٥، وينظر: فتح البارى ٣/٥١٦ رقم ١٥٨٢، ٧/١٨١ رقم ٣٨٢٩.
[ ٩٣ ]
فرية على عصمته ﷺ من التعرى والرد عليها:
رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله ﷿ بحفظ رسوله ﷺ من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى ﷺ: "خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى ﷺ والإساءة لمقامه الأقدس" (١) .
ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أوالخ فى عصمة الله ﷿ لرسوله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟
إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله ﷺ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله ﷺ، وعصمة الله ﷿ منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله ﷺ فى الرواية، وكأنه ﷺ تعمد ذلك أمام الناس.
إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله ﷺ، وأنه كان مصونًا من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس.
يقول متسائلًا: "فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟ " (٢) وأقول له: من أين لك من روايات عصمة رسول الله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة، أنه ﷺ تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك.
_________________
(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/١٦٧، وينظر: الخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة لمحمد بن على الهاشمى ص١٣.
(٢) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/١٧٠ – ١٧٢، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٦٩، ٢٧٠.
[ ٩٤ ]
.. فعن أبى الطفيل ﵁ قال: فبينما رسول الله ﷺ يحمل حجارة من أَجْياد (١)، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك" (٢) .
فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفًا من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى: لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشيًا عليه، وفى الصحيح أيضًا فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلًا بذلك على وضع الحديث (٣) .
وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله ﷿ لرسوله ﷺ إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله ﷺ من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه ﷿ له إذ نودى: "يا محمد خمر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!.
_________________
(١) بفتح الهمزة وسكون الجيم. جبل بمكة، النهاية فى غريب الحديث ١/٣١.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٤٥٥، وعبد الرزاق فى مصنفه ٥/١٠٣ رقم ٩١٠٦ وفيه عبد الله بن عثمان بن خيثم – صدوق كما قال الحافظ فى التقريب ١/٥١٣ رقم ٣٤٧٧ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.
(٣) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٦٩، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٩، ٢٧٠.
[ ٩٥ ]
.. فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله ﷺ، من التعرى حط من كرامته ﷺ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضًا ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه - على حد كذبه - ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟! (١) أهـ.