وهكذا نشأ المصطفى ﷺ، محفوظًا ومعصومًا قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصومًا من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعظمهم حلمًا وأمانة، وأصدقهم حديثًا حتى سماه قومه "الأمين" (٢) .
وهذا الاسم العظيم "الأمين" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٣) .
_________________
(١) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٧١.
(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٢ نص رقم ١٩٧، والروض الأنف ١/٣٤٦، وطبقات ابن سعد ١/١٤٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٥٦ - ٦٢، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٥٢.
(٣) الآية ٤ القلم.
[ ١١٢ ]
.. وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد ﷺ أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى: أن أخلاقه ﷺ كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى ﷿ له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه وهكذا لا تجد له خلقًا فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته ﷺ معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد ﷺ كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله.
وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد ﷺ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنوانًا لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته ﷺ، وهذا من الإعجاز والعصمة.
وإذا أردت مثلًا على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة ﵂ من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح ﷺ بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفًا مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!.
[ ١١٣ ]
.. كلا! إن سيدنا محمد ﷺ ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب.
فحياته ﷺ قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها (١) .
ولا غرو فى أن يكون رسول الله ﷺ بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه ﷿، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به.