إذا كانت الأحاديث النبوية السابقة تؤكد على أن رسول الله ﷺ جرى عليه ما جرى على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمات البشر التى لا ميحص عنها، وابتلى كما ابتلى غيره من الأنبياء بضروب المحن، إلا أنه ﷺ اختص بعصمة بدنه الشريف من القتل بدليل قوله تعالى:
﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (٢) .
وقال سبحانه: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ (٣) .
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٩٩ رقم ١١٩، ٤/٣٤٢ رقم ٧٨٤٨ وصححه على شرط مسلم فى كلا الموضعين، ووافقه الذهبى وقال: وله شواهد كثيرة، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ٢/٥٠٤ رقم ٤٠٢٤.
(٢) الآية ٩١ البقرة.
(٣) الآية ١٨٣ آل عمران.
[ ١٣٢ ]
فتأمل قوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ وقوله سبحانه: ﴿قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم﴾ إن الخطاب فى هاتين الآيتين موجه من رسول الله ﷺ كما أمره ربه ﷿ إلى قتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، وتحدى لهم بأوضح بيان، بأنهم وإن وقع منهم قتل الأنبياء من قبل رسول الله ﷺ بإذن الله تعالى، فهم مع رسول الله ﷺ مهما حاولوا قتله، فلم ولن يفلحوا، لأن الله ﷿ عصم بدنه الشريف من القتل، كما عصم قلبه وعقله وَخُلُقَه من كل ما يمسهم بسوء، وخصوصية عصمة بدنه الشريف من القتل مستفادة من الآيتين السابقتين فى تكرار قوله: "من قبل" و"من قبلى" فتأمل.
وقال ﷿: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) .
روى عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبى ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى ربى ﷿" (٢) وهذه الآية الكريمة، وإن كانت مدنية النزول على قول الأكثرين من المفسرين، إلا أنها لا تعنى أن خصوصية عصمة رسول الله ﷺ فى بدنه من القتل لم تكن إلا بعد الهجرة النبوية، كلا! لما يلى:
_________________
(١) الآية ٦٧ المائدة.
(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة ٥/٢٣٤ رقم ٣٠٤٦ وقال: حديث غريب، وحسنه الحافظ فى فتح البارى ٦/٩٦ رقم ٢٨٨٥، وقال: اختلف فى رفعه ووقفه، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٣٤٢ رقم ٣٢٢١ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٨٤، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٨ رقم ١٥١ من حديث أبى ذر الغفارى ﵁.
[ ١٣٣ ]
أولًا: لاحتمال تكرار نزول الآية مرة بمكة، وبمرة بالمدينة:
ومن تمسك برواية أم المؤمنين عائشة ﵂ السابقة، فلا حجة له فيها لاحتمال أن السيدة عائشة لم تخبر عن أمر شهدته، وإنما حدثت عن من شهد الحادثة، وقت نزول الآية فى مكة من الصحابة ﵃ ويؤيد هذا الاحتمال، الاختلاف فى رفع الحديث ووقفه كما قال الحافظ ابن حجر (١) وأيضًا: اختلاف ألفاظ روايات حديث عائشة تشير إلى أنها حدثت أولًا عن أمر سمعته من غيرها، كما فى حديث الترمذى – وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية، وهو محتمل احتمالًا قويًا أن يكون فى مكة، فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما "لا يخفى ليس بنص فى المقصود" كما قال الإمام الألوسى فى تفسيره (٢) .
وهى ﵂ تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته، وكانت فيه مع رسول الله ﷺ، بدليل رواية الإمام أحمد "وهى إلى جنبه" (٣) .
ثانيًا: يحتمل أن قول رسول الله ﷺ السابق فى حديث عائشة – على فرض أن هذا القول كان بالمدينة، إخبار عن حال ثابتة له ﷺ منذ كان بمكة، ولما رأى حرص أصحابه على حمايته، وانتدابهم لحراسته فى بلد نزل فيه مهاجرًا قبل أن يستقر؛ ذكرهم بأنه لا حاجة له بحراستهم فى المدينة أيضًا، لأن الله تعالى قد عصمه منذ كان فى شدة الأزمات والشدائد بمكة (٤) .
_________________
(١) ينظر: تخريج حديث عائشة السابق.
(٢) روح المعانى ٦/١٩٩.
(٣) أخرجه أحمد فى المسند ٦/١٤١،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٣٥ فى الصحيح طرف منه، ورواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف أهـ.
(٤) ينظر: محمد رسول الله لفضيلة الشيخ محمد عرجون ٢/٤٧٦.
[ ١٣٤ ]
.. ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبى ﷺ يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالًا من بنى هاشم حتى نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: يا عم إن الله قد عصمنى من الجن والإنس" (٢) وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فذهب ليبعث معه فقال: "يا عم إن الله قد عصمنى لا حاجة لى إلى من تبعث" (٣) .
_________________
(١) الآية ٦٧ المائدة.
(٢) أخرجه الطبرانى وفيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧، وقال ابن كثير فى تفسيره ٣/١٤٥ حديث غريب، قلت: يزيل غرابته ما يعضده من الآيات والأحاديث الصيحة الواردة فى معناه أهـ.
(٣) ذكره ابن كثير والسيوطى فى تفسيرهما عن ابن مردويه، وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية أهـ ينظر: تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٥،والدر المنثور ٢/٢٩٨.
[ ١٣٥ ]
.. وللحديث شاهد ثانى من رواية أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: "كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية، ترك رسول الله ﷺ الحرس" (١) فهذه الروايات السابقة مع معنى الآية الواردة فيها يقتضى أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التى كانت تعترض رسول الله ﷺ وهو يدعو قومه، فقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ أى بلغ أنت رسالتى، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك (٢) والعباس فى حراسته لرسول الله ﷺ على ما جاء فى رواية أبى سعيد الخدرى، هو بلا شك أحد فتيان بنى هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٤/٢١ رقم ٣٥١٠، والصغير ١/١٤٩ وفيه عطية العوفى وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧، ورواه ابن كثير أيضًا فى تفسيره ٣/١٤٤ عن ابن مردويه، والحديث تعضده الآيات والأحاديث.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٣.
[ ١٣٦ ]
.. وذهاب الحافظ ابن حجر فى الفتح (١) إلى أن ملازمة العباس لرسول الله ﷺ إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه – رحمه الله تعالى – عما تلهمه الآية، ويقتضيه حال الدعوة فى مستهلها من حاجة الرسول ﷺ إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه، واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد فى الأخبار من أن رسول الله ﷺ حرس فى بدر، وفى أحد، وفى الخندق، وفى رجوعه من خيبر، وفى وادى القرى، وفى عمرة القضاء، وفى حنين، وهذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن وقعة حنين (٢) غير مسلم به من وجهين:
_________________
(١) فتح البارى ١٣/٢٣٢ رقم ٧٢٣١.
(٢) المصدر السابق فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ١٣٧ ]
الوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول ﷺ ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله ﷺ من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس، فإنه يدل على رسول الله ﷺ بأنه الرجل الذى يجلس مع العباس بن عبد المطلب (١) ومما يؤكد ملازمة العباس لرسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة أيضًا – وهى بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله ﷺ، من أعدائه – أن العباس لم يترك رسول الله ﷺ وحده فى بيعة العقبة الكبرى التى تمت بين رسول الله ﷺ، وبين الأنصار، وكان أول متكلم فى تلك الليلة، وفيما قاله دليل على أنه كان يحرس رسول الله ﷺ ويمنعه من أذى قومه قال: "يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده" (٢) .
_________________
(١) ينظر: من أمثلة ذلك ما رواه أحمد فى مسنده ٣/٤٦٠ – ٤٦٢، والطبرانى فى الكبير ١٩/ ٨٧، ٨٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٤٤ – ٤٤٦، والطبرى فى تاريخه ٢/٣٦٠، ٣٦١، وابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٥٦ نص رقم ٤٤٨.
(٢) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٥٨ نص رقم ٤٥٠، وأحمد فى مسنده ٤٦٠ – ٤٦٢ ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٤٥، وأخرجه الأئمة الطبرانى، والبيهقى، والطبرى، ثلاثتهم من طريق ابن إسحاق، فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ١٣٨ ]
.. فحراسات رسول الله ﷺ بمكة من قبل أهله وعشيرته، كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية سيدنا محمد ﷺ وهو منهم فى الذروة لرد اعتداء قريش عنه، ومنع طغيانها عليه.
الوجه الثانى: أن حراسته ﷺ بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله ﷺ فى المدينة، تراها:
إما فى أول مقدمة المدينة كما فى حديث عائشة ﵂ عند البخارى أنها قالت: "كان النبى ﷺ سهر، فلما قدم المدينة قال: ليت رجلًا من أصحابى صالحًا يحرسنى الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد بن أبى وقاص جئت لأحرسك، فنام النبى ﷺ" (١) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة فى الغزو فى سبيل الله ٦/٩٥ رقم ٢٨٨٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد ٨/١٩٥ رقم ٢٤١٠.
[ ١٣٩ ]
أو أن تكون أسباب حراسته صلى الله عليه وسلمأمورًا داخلية خاصة به، كما فى حراسة أبى أيوب ﵁ (١) لرسول الله ﷺ ليلة بنائة صلى الله عليه وسلمبصفية بنت حى بن أخطب ﵂ (٢) وهو عائد من خيبر، فقد بين أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله ﷺ حين سأله عن حراسته له ﷺ فقال أبو أيوب: "خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها، وزوجها، وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك" فقال رسول الله ﷺ: "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى" (٣) .
أو أن تكون وقائع حربية كما فى حراسته ﷺ فى بدر وأحد والخندق وحنين (٤) وغيرها من المشاهد الحربية.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٢٢ رقم ٥٧١٤، والاستيعاب ٤/١٦٠٦ رقم ٢٨٦٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٣٤ رقم ١٢٠، والإصابة ١/٤٠٥.
(٢) لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٣٩ رقم ٦٨١، والاستيعاب ٤/١٨٧١ رقم ٤٠٠٥، وأسد الغابة ٧/١٦٨ رقم ٧٠٦٣، والرياض المستطابة ص٣١٥، ٣١٦.
(٣) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/٣٤٩ رقم ١٥٧١، والحاكم فى المستدرك ٤/٣٠ رقم ٦٧٨٧ وصحح إسناده، ووافقه الذهبى.
(٤) حديث حراسته ﷺ ليلة حنين أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الجهاد، باب فضل الحرس فى سبيل الله ٢/١٢، ١٣ رقم ٢٥٠١، والنسائى فى سنته الكبرى كتاب السير، باب فضل الحرس ٥/٢٧٣ رقم ٨٨٧٠، والحاكم فى المستدرك ٢/٩٣ رقم ٢٤٣٣ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.
[ ١٤٠ ]
وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله ﷺ كان يعلم قطعًا فى هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم، ولكنه طلبها أو أقرها تشريعًا لأمته لتقتدى به فى ذلك، ولتتعلم الأخذ بالحذر، والاحتراس من العدو، وحراسة السلطان أو القائد خشية القتل، وفى هذا يقول الحافظ ابن حجر: "وإنما عانى النبى ﷺ ذلك مع قوة توكله، للاستنان به فى ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل. وأيضًا فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وهى عمل البدن، وقد قال ﷺ: "اعقلها وتوكل" (١) .
وقال القرطبى: "ليس فى الآية – يعنى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافى الحراسة، كما أنه ليس فى أعلام الله نصر دينه وأظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد" (٢) .
_________________
(١) فتح البارى ٦/٩٦، ٩٧ رقم ٢٨٨٠، والحديث أخرجه الترمذى فى سننه كتاب صفة القيامة ٤/٥٧٦ رقم ٢٥١٧ وقال: حديث غريب، وأخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ٨/٣٩٠ من حديث أنس بن مالك ﵁، وله شاهد من حديث عمرو بن أمية الضمرى ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أرسل راحلتى وأتوكل؟ فقال له ﷺ "بل قيدها وتوكل" أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٧٢٢ رقم ٦٦١٦ وسكت عنه، وقال الذهبى: سنده جيد، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٣٠٣ إلى الطبرانى من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية وهو ثقة.
(٢) ينظر الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٢ – ٢٤٤.
[ ١٤١ ]
وبهذين الاحتمالين السابقين تبقى مكية الآية قائمة، ومما يؤكد القول بمكيتها ما قاله ﷺ لابنته زينب ﵂ (١) لما قامت تغسل عنه التراب الذى نثره أحد سفهاء قريش، وهى تبكى؛ خاطبها ﷺ: بقوله: "لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك" (٢) فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه ﷺ كان على يقين من عصمة الله ﷿ له من جميع ما يكيدون ويدبرون.
وأيضًا فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما فى أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ، والتحريض عليه، والتوعد على التقصير فيه، يتنافى مع ما كان عليه رسول الله ﷺ فى المدينة من عزة ومنعة، مكنته من التبليغ ونشر الدعوة بقوة، ونقلها إلى خارج المدينة التى هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها.
بل كيف يتأتى القول أن تنزل عليه آية العصمة من الناس فى المدينة، وهو للعصمة أحوج فى مطلع الرسالة منه عليها فى آخرها؛ وسورة المائدة من آخر القرآن تنزيلًا" (٣) .
_________________
(١) لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/١٣١ رقم ٦٩٦٤، والاستيعاب ٤/١٨٥٣ رقم ٣٣٦٠، والإصابة ٤/٣١٢.
(٢) أخرجه ابن إسحاق مرسلًا عن عروة بن الزبير ﵁، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٩، ٣٠ نص رقم ٤١٤، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٤، والطبرى فى تاريخه ٢/٣٤٤، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٥٠ كلاهما من طريق ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر، وكذا أورده ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٢٠، والسهيلى فى الروض الأنف ٢/٢٢٣ وللحديث شاهد من حديث عائشة ﵂ أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٤٩، ٣٥٠.
(٣) فتح القدير للشوكانى ٢/٢٦.
[ ١٤٢ ]
هذا فى الوقت الذى تأييده ﷺ بالمؤمنين ظاهر فى قوله تعالى: ﴿هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ (١) فلا معنى لأخباره على القول بمدنية آية العصمة – بعصمته من الناس – وقد عَرَفَه قبلًا أنه مؤيد بنصره تعالى، وبالمؤمنين.
وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله فى بعث أبى طالب حُراسًا مع رسول الله ﷺ بأن "هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية" (٢) غير مسلم به لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلًا سوى ما يظهر من أنها موجودة فى نظم التلاوة فى سورة مدنية. ووجود الآية فى سورة مدنية، لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيرًا من الآيات المكية، وضعت توقيفًا منه ﷺ فى سورة مدنية، وكثيرًا من الآيات المدنية وضعت توقيفًا فى سورة مكية.
وبهذا أيضًا يُردَّ على الإمام القرطبى فيما ذهب إليه، من أن حديث ابن عباس – الذى سبق أن سقناه – يقتضى مكية هذه الآية، والسورة مدنية بإجماع (٣) . فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.
ودعوى أبى حيان فى البحر: "أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنها فى قصة اليهود والنصارى" (٤) غير مسلمة أيضًا لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها فى المعنى منسقة فى الربط والتناسب، لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات، إذ كثيرًا ما تكون الآية مكية، لكنها مناسبة لمعانى آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفًا من رسول الله ﷺ (٥) .
_________________
(١) الآية ٧١ الأنفال.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٤.
(٤) البحر المحيط ٣/٥٣٠.
(٥) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة للدكتور عويد المطرفى ص١٢٤ – ١٣٢.
[ ١٤٣ ]
"لأن المدار فى سمو نظم القرآن الكريم لم يقم على أساس التوافق الزمنى أو المكانى فى نزول الآيات، وإنما المدار فيه على انسجام المعنى، واتساقه فى نظم التلاوة، ولو تباعد زمن النزول واختلف مكانه، وهذا هو سر التوقيف فى ترتيب الآيات ونظمها فى وضع التلاوة. فلا بدع أن تكون آية أو آيات نزلت فى مطلع الرسالة وشدائدها، ثم وضعت توقيفًا بين آيات نزلت فى أواخر ما نزل من القرآن مادام المعنى فى الآيات منسجمًا متسقًا، يأخذ بعضه بحجز بعض، وهذا كثير فى القرآن الحكيم، وهو من دلائل الإعجاز" (١) .
قلت: ويؤكد مكية الآية، أو تكرار نزولها، وبالتالى خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات كلها مكية تخاطبه ﷺ بأنه محفوظ بعناية الله ﷿، وسيكفيه المستهزئين من قومه، ومن هذه الكفاية عصمة بدنه الشريف من القتل. قال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (٤) وهذه الآيات الكريمات السابقة كلها مكية، وهى واضحة الدلالة على بيان اختصاص النبى ﷺ بعصمته من القتل.
_________________
(١) محمد رسول الله ﷺ للشيخ محمد عرجون ٢/٤٧٩.
(٢) الآية ٤٨ الطور.
(٣) الآية ٣٦ الزمر.
(٤) الآية ٣٠ الأنفال.
[ ١٤٤ ]
ولم لا! ورب العزة يخاطبه فى شدة المحن والابتلاء فى مكة المكرمة بقوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أى اصبر على أذاهم، ولا تبالهم ﴿فإنك بأعيينا﴾ أى بمرأى منا، وتحت كلاءتنا. وما تلك العناية الإلهية إلا خطاب للنبى ﷺ، بأنه معصوم من ربه ﷿ من الناس" (١) وجاء التأكيد لعصمته ﷺ من الناس، بالأمر الربانى بالمضى فى دعوتة، وعدم المبالاة بأعداءه من المشركين، حيث سيكفيهم إياه سبحانه القائل ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٢) وهذه الآية المكية نظير الآية المدنية على ما ذهب إليه بعض المفسرين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) .
_________________
(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/٤١٤.
(٢) الآيتان ٩٤، ٩٥ الحجر.
(٣) الآية ٦٧ المائدة.
[ ١٤٥ ]
ففى الآيتين ﴿والله يعصمك من الناس﴾ و﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ خطاب من رب العزة لنبيه ومصطفاه ﷺ بالعصمة من الناس. فعن ابن عباس ﵄ قال فى قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ قال: "المستهزءين: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بنى عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمى، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل – ﵇ فشكاهم إليه رسول الله ﷺ، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله (١) فقال: ما صنعت شيئًا، فقال: كفيتكه، ثم أراه الحارث بن غيطل السهمى، فأومأ إلى بطنه، فقال: ما صنعت شيئًا، فقال: كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمى، فأومأ إلى أخمصه (٢)، فقال: ما صنعت شيئًا، فقال: كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يرش نبلًا له (٣) فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمى، فمنهم من يقول: عمى كذا، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة، فجعل يقول: يا بنى لا تدفعون عنى، قد هلكت أطعن بشوك فى عينى، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج فى رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر فى بطنه حتى خرج خرؤه (٤) مِنْ فِيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك
_________________
(١) الأبجل: عرق فى باطن الذراع، وقيل: هو عرق غليظ فى الرجل فيما بين العصب والعظم. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٩٨.
(٢) الأخمص من القدم: الموضع الذى لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. المصدر السابق ٢/٧٦.
(٣) النبل: السهام العربية، والمراد أن الرجل الخزاعى يرمى بسهام له للتدريب على الرمى. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/ ٨، ٩.
(٤) الخراءة بفتح الخاء وكسرها: هو التخلى والقعود للحاجة. النهاية فى غريب الحديث ٢/١٧.
[ ١٤٦ ]
يومًا حتى دخل فى رجله شبرقه (١) حتى امتلأت منها فمات" (٢) .
وللحديث شاهد عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبى ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون فى قفاه، ويقولون: هذا الذى يزعم أنه نبى، ومعه جبريل، فَغَمَزَ جبريل بإصبعه، فوقع مثل الظفر فى أجسادهم، فصارت قروحًا، حتى نَتُنُوا، فلم يستطيع أحدٌ أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٣) .
وصدق رب العزة: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (٤) بلى كاف عبده!! وقال ﷺ: "إن الله أمرنى أن أُحَرِّقَ قريشًا، فقلت رب إذًا يَثْلَغُوا (٥) رأسى! فَيَدعُوهُ خُبْزَةً، قال: استخرجهم كما
_________________
(١) الشبرق: نبت حجازى يؤكل وله شوك. المصدر السابق ٢/٣٩٥.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٥/١٧٣، ١٧٤ رقم ٤٩٨٦ وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٤٧ رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن عبد الحليم النيسابورى ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣١٦، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٧٠ رقم ٢٠٣ وفيه الكلبى متروك، وأخرجه ابن إسحاق مرسلًا عن عروة بن الزبير ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٠ رقم ٤٠٧، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٦٨ رقمى ٢٠١، ٢٠٢.
(٣) الآية ٩٥ الحجر، والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٧/١٥٠ رقم ٧١٢٧، وأخرجه البزار بنحوه، وفيه يزيد عن درهم ضعفه ابن معين، ووثقه الفلاس. كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٤٦ قلت: فالإسناد حسن أهـ.
(٤) الآية ٣٦ الزمر.
(٥) الثلغ: الشدخ. وقيل هو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليابس حتى ينشدخ. النهاية ١/٢١٤.
[ ١٤٧ ]
استجرجوك واغزهم نغزك (١)، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله" (٢) .
وسياق هذا الحديث فى صحيح مسلم يشعر على طوله بأن التحديث به كان بعد الهجرة النبوية، وقد تنبه الإمام القرطبى إلى ذلك، فنزع هذه الجملة من سياق مسلم، ووضعها فى موضعها عند كلامه على آية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) باعتبارها مكية (٤) وهذا هو الصواب عندى، وعند غيرى (٥) والله أعلم.
وتأكيدًا لخصوصية عصمته ﷺ من القتل فى مكة، حتى على فرض مدنية آية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ إليك هذه النماذج:
_________________
(١) أى نعينك.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة، باب الصفات التى يعرف بها أهل الجنة ٩/٢١٤، ٢١٥ رقم ٢٨٦ من حديث عياض بن حمار المجاشعى ﵁.
(٣) الآية ٦٧ المائدة.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٣، ٢٤٤.
(٥) ذهب إلى ذلك فضيلة الشيخ محمد عرجون فى كتابه محمد رسول الله ﷺ ٢/٤٧٨، والدكتور عويد المطرفى فى كتابه آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة ص١٢٤ – ١٣٢.
[ ١٤٨ ]
١- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿أرأيت الذى ينهى عبدًا إلى صلى. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى. كلا لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ (١) فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر (٢) محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه فى التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقًا من نار وهولا، وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" قال: فأنزل الله ﷿ – لا ندرى فى حديث أبى هريرة أو شئ بلغه - ﴿كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى﴾ الآيات (٣) .
_________________
(١) الآيات ٩ – ١٩ العلق.
(٢) العفر هو التراب، والمعنى: أيسجد محمد أمامكم؟ ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٢٣٦.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب قوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ ٩/١٥٣ رقم ٢٧٩٧.
[ ١٤٩ ]
٢- وفى رواية عن أبى عباس ﵄ قال فى قوله تعالى: ﴿سندع الزبانية﴾ قال: قال: أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلى، لأطأن عنقه، فقال النبى ﷺ "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا" (١) لقد ظن أبو جهل فرعون هذه الأمة أنه يستطيع أن ينال من رسول الله ﷺ، بل ظن أنه يستطيع أن يقتله، لكنه ما إن اقترب من رسول الله ﷺ إلا سلط الله عليه ما أخافه كل الخوف، وأفزعه كل الفزع، مما جعله يعود خاسئًا، يجرى إلى الخلف صاغرًا، وهكذا يعصم الله ﷿ رسوله ﷺ، ويهين أعداءه (٢) .
_________________
(١) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة اقرأ باسم ربك ٥/٤١٣ رقم ٣٣٤٨ وقال: حسن صحيح غريب، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ٨/٥٩٥ رقم ٤٩٥٨، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٧٥ نص رقم ٢٨٤ ودلائل النبوة لأبى نعيم ١/٢٠٨ رقم ١٥٨ "ما حدث لأبى جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول ﷺ، ففيه زيادة".
(٢) المدخل إلى السنة النبوية ص٢٢٤.
[ ١٥٠ ]
.. قال الحافظ ابن حجر: "وإنما شدد الأمر فى أبى جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبى معيط، حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلى" (١) لأنهما وإن اشتركا فى مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفى ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبه بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه فى فعله فقتلوا يوم بدر" (٢) .
_________________
(١) ينظر الحديث فى البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب إذا ألقى على ظهر المصلى قذرة أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ١/٤١٦ رقم ٢٤٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد باب ما لقى النبى ﷺ من أذى المشركين والمنافقين ٦/٣٩١ رقم ١٧٩٤ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) فتح البارى ٨/٥٩٦ رقم ٤٩٥٨.
[ ١٥١ ]
٣- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبى لهب وتب﴾ (١) فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبى لهب﴾ جاءت امرأة أبى لهب (٢) ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشئ (٣) فقال رسول الله ﷺ: "إنه سيحال بينى وبينها" فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت، قال أبو بكر ﵁: ما رأتك؟ قال: "لا، مازال ملك يسترنى حتى ولت" (٤) .
_________________
(١) الآية الأولى المسد.
(٢) هى بنت حرب بن أمية، أخت أبى سفيان والد معاوية، يقال إن اسمها أروى، وتكنى أم جميل، وتلقب بالعوراء، ويقال لم تكن عوراء، وإنما قيل لها ذلك لجمالها. ينظر: فتح البارى ٨/٦١٠ رقم ٤٩٧٣.
(٣) جاء فى حديث أسماء بنت أبى بكر ﵄ أنها كانت فى يدها "فهر" وهو بالكسر الحجر، وهو قدر ما يملأ الكف. ينظر: القاموس المحيط ٢/١١، وسيأتى تخريج حديث أسماء شاهدًا لحديث ابن عباس.
(٤) أخرجه البزار وأبو يعلى نحوه، وقال البزار حسن الإسناد، وتعقبه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٤٤، قائلًا: فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ووافق البزار فى حسن إسناده، الحافظ فى فتح البارى ٨/٦١٠ رقم ٤٩٧٣، وابن كثير فى تفسيره ٨/٥٣٧، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٤ رقم ١٤١، وابن أبى شيبة فى مصنفه ١١/ ٤٩٨ رقم ١١٨١٧، وللحديث شاهد من حديث أسماء بنت أبى بكر ﵂ أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٣٩٣ رقم ٣٣٧٦ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، والحميدى فى مسنده ١/١٥٣، ١٥٤ رقم ٣٢٣، وللحديث شاهد ثانى من حديث زيد بن أرقم ﵁ أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٥٧٣ رقم ٣٩٤٥، وصحح إسناده على علة فيه بذكر يزيد بن زيد بدلًا من زيد بن أرقم – ووافقه الذهبى.
[ ١٥٢ ]
وروى عنه أيضًا قال: "إن الملأ من قريش اجتمعوا فى الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة (١) تبكى، حتى دخلت على النبى ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك، فقال: يا بنيه ائتنى بوضوئى، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ حفنة من تراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر" (٢) .
_________________
(١) لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٢٠٨ رقم ١١٠٧، وأسد الغابة ٧/٢١٦ رقم ٧١٨٣ والاستيعاب ٤/١٨٩٣ رقم ٤٠٥٧، والإصابة ٤/٣٧٧.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٢ رقم ١٣٩، وأحمد فى مسنده ١/٣٦٨، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٨ رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر فى حاشيته على المسند بل كلاهما صحيح ٣/٢٢٨ رقمى ٢٧٦٢، ٤٣٨٥، والحاكم فى المستدرك ٣/١٧٠، ١٧١ رقم ٤٧٤٢ وقال: صحيح الإسناد، وسكت عنه الذهبى.
[ ١٥٣ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: فى قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (١) قال: "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق – يريدون النبى ﷺ - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على بن أبى طالب ﵁ على فراش رسول الله ﷺ تلك الليلة، وخرج رسول الله ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًَّا يحسبونه النبى ﷺ: فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًاّ رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال" (٢) .
_________________
(١) الآية ٣٠ الأنفال.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١/٣٤٨، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٢٧ رواه أحمد والطبرانى وفيه عثمان بن عمرو الجزرى، وثقة ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسن إسناد أحمد الحافظ فى فتح البارى ٧/٢٧٨ رقم ٣٩٠٥، وحسنها ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٧٩ قال بعد أن ذكر رواية أحمد فى مسنده "هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله ﷿ لرسوله ﷺ"أهـ وأخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/١٠٠ نص رقم ٥٠٢، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٦٦ – ٤٦٨.
[ ١٥٤ ]
فتأمل ما فى الروايات السابقة من عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ من محاولات قتله التى همَّ بها كفار قريش، فرادى تارة، وجماعات تارة أخرى، والتى كان آخرها جماعة فى مكة، ليلة هجرته إلى المدينة المنورة، حيث رد كيدهم إلى نحورهم، وعادوا إلى ديارهم، كحالهم فى كل مرة يجرون أذيال خزى الله ﷿ لهم.
هذا ولم تكن عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ فى ليلة الهجرة قاصرة على نجاته من بين أيدى صناديد الكفر فى مكة، وإنما امتدت عنايته ﷿ ورعايته لرسوله ﷺ، وهو فى طريقه إلى المدينة، وفى غار ثور، كما جاء فى الحديث السابق، من نسج العنكبوت على باب الغار، فكان قولهم: "لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه".
ولم تكن عصمة الله ﷿ لرسوله ﷺ فى غار ثور، قاصرة على العنكبوت، وإنما امتدت إلى الشجرة التى أنبتها الله ﷿ على فهم الغار، تستر رسول الله ﷺ، وصاحبه ﵁، وإلى حمامتين وحشيتين وقفتا على فم الغار.
[ ١٥٥ ]
فعن أبى مصعب المكى (١) قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، ﵃، فسمعتهم يحدثون: أن النبى ﷺ ليلة الغار أمر الله سبحانه، شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيَّهم وحرْباتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى ﷺ، قدر أربعين ذراعًا جعل بعضهم ينظر فى الغار، فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى ﷺ ما قال؛ فعرف أن الله ﷿ قد درأ بهما، فدعا لهن وسمَتَ (٢) عليهن، وفرض جزاءَهن، ونزلن بالحرم" (٣) .
_________________
(١) روى عن زيد بن أرقم، والمغيرة، وأنس، بحديث الغار، وعنه عون، ويقال عوين بن عمرو القيسى، قال العقيلى: مجهول، ذكره فى ترجمة عون. لسان الميزان ٨/١٩ رقم ١٠٦٧٨، والضعفاء الكبير للعقيلى ٣/٤٢٢ فى ترجمة عوين رقم ١٤٦٢، وكذلك الذهبى فى الميزان ٤/٣٠٧ رقم ٦٥٣٥، والجرح والتعديل ٩/٤٤١ رقم ٢٢٢٠.
(٢) أى ادعى لهن بالبركة – ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٣٥٧.
(٣) أخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٣٢٥ رقم ٢٢٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٨١، ٤٨٢، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/٢٢٨، وفيه زيادة قصة العنكبوت، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٧٩، ١٨٠ وقال رواه ابن عساكر، وذكر إسناده ثم قال: هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٥٣ إلى البزار والطبرانى وقال: فيه جماعة لم أعرفهم، وأخرجه العقيلى فى الضعفاء الكبير ٣/٤٢٢ ترجمة عوين القيسى رقم ١٤٦٢ والحديث يعضده القرآن الكريم على ما ذكرته فى المتن أهـ.
[ ١٥٦ ]
وهذا الحديث على غرابة سنده، فلا غرابة فى متنه، وما فيه قليل فى كرامته ﷺ، وجائز فى العقل، مؤيد بمطلق قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم﴾ (١) فتأمل ما فى الآية الكريمة من نسبة نصر رسول الله ﷺ إلى الله ﷿، وتأييده ﷺ بجنود لا يراها أحد، تجد أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون ما ورد فى الحديث الغريب السند من الحمامتين الوحشيتين، والشجرة، والعنكبوت من جنود الله تعالى!!
وامتدت عصمة الله ﷿ لنبيه ﷺ فى غار ثور إلى أمره ﷿ ملائكته أن تستر نبيه وصاحبه عن أعين المشركين، فكان ﷺ وصحابه يريان المشركين، والمشركون لا يرونهما.
فعن أبى بكر ﵁ قال: "كنت مع النبى ﷺ فى الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال ﷺ: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (٢) "لا تحزن إن الله معنا" (٣) وهذا اليقين من النبى ﷺ بعصمة الله ﷿ له، تجلى فى ملائكة الله ﷿ التى سترتهم وهم فى الغار.
_________________
(١) الآية ٤٠ التوبة.
(٢) أخرجه البخارى ٠بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ثانى اثنين إذ هما فى الغار ٨/١٧٦، ١٧٧ رقم ٤٦٦٣.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة ٩/٣٧٣ رقم ٢٠٠٩.
[ ١٥٧ ]
فعن أسماء بنت أبى بكر ﵂ (١): "وطافوا فى جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذى فيه رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذا الرجل يرانا – وكان مواجهة– فقال: كلا! إن ملائكة تسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهة الغار، فقال النبى ﷺ: "لو كان يرانا ما فعل هذا" (٢) .
_________________
(١) صحابية جليلة لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٧، ٨ رقم ٦٧٠٥، والاستيعاب ٤/١٧٨١ رقم ٣٢٢٦، وتاريخ الصحابة ص٤٠ رقم ٨٨، والإصابة ٤/٢٢٨ رقم ١٠٧٩٨.
(٢) أخرجه الطبرانى وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقة ابن حبان وغيره، وضعفه أبو حاتم وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٥٣، ٥٤ – فالإسناد حسن.
[ ١٥٨ ]
وتمتد عناية الله ﷿ وعصمته لنبيه صلى الله عليه وسلممن محاولة سراقة بن مالك (١) النيل من رسول الله ﷺ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التى رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتى برسول الله ﷺ" قتيلًا أو أسيرًا وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال: "حتى إذا دنوت منهم، (أى اقترب من رَكْبِه ﷺ) فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام (٢) فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره، فركبت فرسى – وعصيت الأزلام – تقربِّ بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ (٣) وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم
_________________
(١) أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٤١٢ رقم ١٩٥٥، والاستيعاب ٢/٥٨١ رقم ٩١٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢١٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٠ رقم ١٧٠، والإصابة ٢/١٩ رقم ٣١٢٢.
(٢) الزُّلَم، والزَّلَم، واحد الأزلام: وهى القداح التى كانت فى الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهى، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها فى وعاء له، فإذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًا، أدخل يده فأخرج منها زلمًا، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهى كف عنه ولم يفعله، وهذا ما فعله سراقة إلا أن الزلم خرج بالنهى عن الإضرار بركب رسول الله ﷺ إلا أنه خالفها. ينظر النهاية ٢/٢٨١.
(٣) وكانت تلك القراءة منه ﷺ الدعاء بقوله "اللهم اكفناه بما شئت" كما جاء فى رواية البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٨٤، وفى رواية قال ﷺ: "اللهم أصرعه" كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ ٧/٢٩٣، ٢٩٤ رقم ٣٩١١.
[ ١٥٩ ]
زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (١) ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبارًا ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى (٢) ولم يسألانى إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن (٣)، فأمر عامر بن فهيرة ﵁ (٤) فكتب فى رقعة من آدم (٥) ثم مضى رسول الله ﷺ" (٦)
_________________
(١) أى دخان من غير نار، وجمع عثان، عواثن، على غير قياس، ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/١٦٦، وفتح البارى ٧/٢٨٤ رقم ٣٩٠٦.
(٢) أى لم يأخذا منى شيئًا، يقال رزأته أرزؤه، وأصله النقص. النهاية ٢/١٩٩.
(٣) أى كتابا يكون موادعة، وآية بينه وبين رسول الله ﷺ، كما جاء فى رواية ابن إسحاق، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١١٢ نص رقم ٥١٦، والنهاية ١/٧٠.
(٤) وفى رواية ابن إسحاق أن الذى أمر بالكتابة الصديق ﵁ ينظر: السيرة النبوية لابن هشام المواضع السابقة. وعامر بن فهيرة صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/١٣٤ رقم ٢٧٢٤، والاستيعاب ٢/٧٩٦ رقم ١٣٣٨.
(٥) هو باطن الجلد الذى يلى اللحم، مختار الصحاح ص١٠، والقاموس المحيط ٤/٧٢، وفى رواية لابن إسحاق "فكتب لى كتابًا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة، ثم ألقاها إلىَّ فأخذته فى كنانتى. السيرة النبوية لابن هشام ٢/١١٢ نص رقم ٥١٦.
(٦) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ وأصحابه إلى المدينة ٧/٢٨١ رقم ٣٩٠٦، ومن حديث أنس بن مالك ﵁ فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٩١١، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة ٩/٣٧٢، ٣٧٣، رقم ٢٠٠٩ من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ١٦٠ ]
٠
فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله ﷺ من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التى رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله ﷺ حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه ﷺ، حتى إذا ما سمع دعاءه ﷺ بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه فى هذه المرة غاصت فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع فى السماء، وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله ﷺ محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن فى نفس الوقت، أنه نبى الله حقًا، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله ﷺ سوى أن يقف فى مكانه، ولا يترك أحدًا يلحق برَكْبِهِ ﷺ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى ﷿ ومشيئته فى عصمة رسول الله ﷺ بتغير حال سراقة "إذ كان فى أول النهار جاهدًا على رسول الله ﷺ، وكان آخر النهار مسلحة له" (١) أى حارسًا له بسلاحه، بل وبلسانه أيضًا كما جاء فى رواية ابن سعد: "أنه لما رجع، قال لقريش: قد عرفتم بصرى بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئًا، فرجعوا" (٢) وقال أيضًا ﵁ ردًا على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه فى تركهم أنشده:
أبا حكم والله لو كنت شاهدًا *** لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه
_________________
(١) كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ ٧/٢٩٣، ٢٩٤ رقم ٣٩١١.
(٢) الطبقات الكبرى ٨/٢٥٠.
[ ١٦١ ]