_________________
(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/١٦٩، وينظر فى الرد على دعوى تقديس البخارى، الباب الرابع فصل "شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها" ص٤٣٥.
[ ٩٦ ]
١- عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبى ﷺ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل (١) بأسفل بلدح (٢) قبل أن ينزل عليه ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبى ﷺ سفرة (٣) فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه" (٤)، ففى الحديث تصريح بعدم أكله ﷺ، مما ذبح على النصب.
_________________
(١) هو والد سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم عمر بن الخطاب، يجتمع هو وعمر فى نفيل، كان يتعبد فى الجاهلية على دين سيدنا إبراهيم الخليل، ويوحد الله تعالى، قال زيد بن حارثة، ومات زيد بن عمرو وأنزل على النبى ﷺ فقال النبى لزيد: "إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة" رواه أبو يعلى بإسناد حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٧، وزيد له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٣٦٨ رقم ١٨٦٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢٠٠، والإصابة ٢/٦١٣ رقم ٢٩٢٥.
(٢) اسم موضع بالحجاز قرب مكة. النهاية فى غريب الحديث ١/١٥٠.
(٣) طعام يتخذه المسافر، ويحمله فى جلد مستدير. المصدر السابق ٢/٣٣٦.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٦، وكتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام ٩/٥٤٥ رقم ٥٤٩٩.
[ ٩٧ ]
- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله ﷺ، وزيد بن حارثة (١) مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال: يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئًا مما ذبح على النصب" (٢) .
- وفى حديث زيد بن حارثة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور (٣) حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولًا – وفيه: ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال: ما هذه؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: إنى لا آكل ما ذبح لغير الله" (٤) .
_________________
(١) هو حِبَّ رسول الله ﷺ، وأشهر مواليه، كان يدعى زيد بن محمد ﷺ قبل نزول قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ جزء من الآية ٥ الأحزاب له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٣٥٠ رقم ١٨٢٩، والاستيعاب ٢/٥٤٢ رقم ٨٤٣.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١/١٨٩ وفيه المسعودى وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٧.
(٣) هو الإناء الذى يخبز فيه. النهاية فى غريب الحديث ١/١٩٤.
(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٢٣٨، ٢٣٩ رقم ٤٩٥٦ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأخرجه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وأخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٨٧ رقم ١٣٠، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٤.
[ ٩٨ ]
وفى رواية قال: "ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه" (١) فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته ﷺ من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد: "هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!.
وهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة: أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!.
فظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسمًا للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد (٢) .
ويكون امتناع النبى ﷺ بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسمًا للمادة.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى، والبزار، والطبرانى، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٨ ورجال أبى يعلى والبزار، وأحد أسانيد الطبرانى رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث. وينظر: مجمع الزوائد ٨/٢٢٦.
(٢) ينظر: فتح البارى ٧/١٧٨ رقم ٣٨٢٦،والنهاية فى غريب الحديث ٥/٥٢.
[ ٩٩ ]
هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة: "فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئًا مما ذبح على النصب" أنه ﷺ قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا! وحاشاه ﷺ من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال: "وكان صنمًا من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تمسه" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله ﷺ: "ألم تنه؟ " (١) .
فكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله ﷺ عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟! (٢) .
أما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو: "إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله ﷿، وهو ما يعنى أن رسول الله ﷺ كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو.
فالجواب: أنه ليس فى الحديث أنه ﷺ أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحدًا من أهل الكتابين (٣) .
_________________
(١) يراجع: تخريج رواية الحاكم السابقة.
(٢) سيأتى بعد قليل: بيان المراد مما يفيد ظاهره عكس عصمته من استلام الأصنام.
(٣) ينظر فى ذلك ما أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٧.
[ ١٠٠ ]