رابعًا: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين، ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول إلى إنكار القصة، والجزم بوضعها واختلاقها (١) وإليك نماذج من أقوالهم:
_________________
(١) القصة أخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره جامع البيان ١٧/١٨٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٠ رقم ١٣٩٩٨، وابن المنذر، ثلاثتهم من طرق عن سعيد بن جبير مرسلًا، ووصلها البزار فى مسنده، وكذا الطبرانى، وابن مردويه، والضياء فى المختار ة من طريق آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال ابن جبير فيما أحسب، شك فى أن القصة بمكة، وأخرجه النحاس بسند فيه الواقدى عن ابن عباس، وابن مردويه من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وابن جرير فى تفسيره ١٧/١٨٦ من طريق العوفى عنه، وعن محمد بن كعب القرظى، ومحمد بن قيس، وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبى العاليه، وكلها مرسلة، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٢ رقم ١٤٠٠٣، عن السدى، وموسى بن عقبة فى المغازى عن الزهرى، ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٨٥، ورواها الطبرانى مرسلة عن عروة بن الزبير، وفى سنده ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا منه، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٧٢. وينظر: ٦/٣٢ – ٣٤، والمعنى فى الروايات السابقة كلها للقصة واحد، كما قال الحافظ فى فتح البارى كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣، وينظر: مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا للسيوطى ص٢٢١.
[ ٤٦٩ ]
قال القاضى عياض: "إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين التابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها، ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث ابن عباس (١) وضعفه الأئمة أيضًا. ثم نقل القاضى عن الحافظ البزار قوله: "هذا الحديث – أى فرية الغرانيق – لا نعلمه يروى عن النبى ﷺ، بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد وهو: "يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن جبير: فيما أحسبه". وضعفه الإمام البزار بما يلى:
تفرد أمية بن خالد بنقل هذا الحديث مسندًا عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وغير أمية بن خالد يرويه مرسلًا عن سعيد بن جبير عن النبى ﷺ، ومن غير ذكر ابن عباس.
وقوع الشك فى حديث شعبة، فسعيد بن جبير، وإن كان معتمدًا لكن تردد أن النبى ﷺ، كان بمكة فى هذه القضية، أو بغيرها.
رواية الكلبى لهذا الحديث عن أبى صالح عن ابن عباس، مضعفة أيضًا بأن الكلبى غير ثقة، وأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، ففيها انقطاع، والمنقطع من أقسام الضعيف (٢) فلا يحتج به (٣) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٢٥، ١٢٦، وقال بقوله الإمام القسطلانى صاحب المواهب اللدنية، وشارحه الزرقانى ٢/١٥ فى فاتحة كلامهما، ثم ذهبا إلى ما ذهب إليه ابن حجر، وسيأتى بيان كلام ابن حجر والتعقيب عليه أهـ.
(٢) وإذا كان من العلماء من يحتج بالضعيف إذا كثرت طرقه، وبناء عليه يعتمد حديث الغرانيق كابن حجر، فإنا سنعرف رأيه، ثم نناقشه فيه بعد قليل.
(٣) نسيم الرياض فى شرح الشفا للخفاجى ٤/٨٧، وينظر: الشفا ٢/١٢٦.
[ ٤٧٠ ]
قال القاضى عياض: "فقد بين لك أبو بكر البزار ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوزه ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه" (١) .
قلت: وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى فى رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها جيد (٢) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى فى بيانه لضعف القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله: "لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته: فقائل يقول إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها فى نادى قومه، حيث أنزلت عليه السورة؛ وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى ﷺ لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى ﷺ قرأها؛ فلما بلغ النبى ﷺ ذلك قال: والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" (٣) .
وقال الإمام الرازى: "أهل التحقيق قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتابًا، كما حكى عن الإمام البيهقى قوله: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعون فيهم" (٤) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٢٦.
(٢) مناهل الصفا ص٢٢١.
(٣) الشفا ١/١٢٥.
(٤) التفسير الكبير ١٢/٥١ وقال أبو حيان فى تفسيره البحر المحيط ٦/٣٨٢ معقبًا على كلام البيهقى: ولذلك نزهت كتابى عن ذكره فيه أهـ المراد نقله. وقال الشوكانى فى فتح القدير ٣/٤٦١ "ولم يصح شئ من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه". وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤٣٨.
[ ٤٧١ ]
وقال الإمام ابن حزم: "وأما الحديث الذى فيه "وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" (١) .
وقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام السيوطى فى تفسيره، وأجاد فى الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال: "ليس فى روايات فرية الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر فى جميع الروايات صحابى قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن جبير على الشك فى إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها" (٢) .