قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٥) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ﷺ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم (٦) .
_________________
(١) الشفا ٢/١١٤ بتصرف يسير.
(٢) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/٢٠٤.
(٣) حياة محمد ص٧٥، وينظر: الرسول ﷺ فى كتابات المستشرقين ص١٣٥، ١٦٠.
(٤) ينظر: السيرة النبوية فى ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٣٦، وحياة محمد لهيكل ص١١٧.
(٥) الآية الأولى الشرح.
(٦) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/٤٤٨ بتصرف يسير.
[ ١٠٥ ]
.. والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير: أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ﷺ، شرح معنوى وحسى معًا.
أما الشرح المعنوى: فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد فى السماء﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢) .
أما الشرح الحسى: فقد حدث له ﷺ أربع مرات (٣) وبه قال كثير من الأئمة:
وكانت المرة الأولى: عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه ﷿، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ﷺ، أن نشأ مبرءًا من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره (٤) .
_________________
(١) الآية ١٢٥ الأنعام.
(٢) الآية ٢٢ الزمر.
(٣) وروى شق صدره الشريف مرة خامسة، وهو ابن عشرين سنة فيما قيل ولا تثبت فلا تذكر إلا مقرونة ببيان عدم الثبوت كما قال أئمة الحديث ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٩، ٥/٤٧٢، وفتح البارى ١/٥٤٩ رقم ٣٤٩، ١٣/ ٤٨٩ رقم ١٥١٧.
(٤) ينظر: الروض الأنف للسهيلى ١/٢٩١، وفتح البارى ٧/٢٤٤ رقم ٣٨٨٧، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٩، ٥/٤٦٨، ٤٦٩، ٨/٦٧.
[ ١٠٦ ]
وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره (٢) فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره" (٣) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (٤)
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٤ رقم ٢٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٧ رقم ٢١٥، وأسد الغابة ١/٢٩٤ رقم ٢٥٨، والإصابة ١/٧١ رقم ٢٦٧.
(٢) أى مرضعته، وأصله العاطفة التى تحن على ولد غيرها فترضعه. ينظر: القاموس المحيط ٢/٧٩، ولسان العرب ٤/٢٧٤١.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/٤٨٨ رقم ٢٦١، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ١٤/ ٢٤٢ رقم ٦٣٣٤، وأحمد فى مسنده ٣/١٢١، ١٤٩، ٢٨٨، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٢١ رقم ١٦٨، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٥٠، وللحديث شاهد من حديث حليمة بنت الحارث، أم رسول الله ﷺ، السعدية، التى أرضعته، أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ١/٢١١ – ٢١٤ رقم ١٦١، وأبو يعلى، والطبرانى فى الكبير بنحوه ٢٤/٢١٢ رقم ٥٤٥ ورجالهما ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٠، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١١٠ – ١١٢، والذهبى فى تاريخ الإسلام ٢/٤٦ – ٤٨ وقال: هذا حديث جيد الإسناد، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ١/١٣٢ – ١٣٦، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٥٥ رقم ٩٤ كلاهما من طريق ابن إسحاق.
(٤) خلافًا لمن أنكر ذلك من أعداء الإسلام، وأذيالهم من خصوم السنة والسيرة، وسيأتى الرد عليهم ص١٨٤ - ١٩٦.
[ ١٠٧ ]
، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره ﷺ.
وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضًا شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة (١) .
_________________
(١) ينظر: الروض الأنف ١/٢٩١، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٢٧٩، ٥/٤٧١.
[ ١٠٨ ]
فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب ﵁ (١) أن أبا هريرة ﵁ كان جريئًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا. وقال: لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مسًا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئًا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير" (٢) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/١٧ رقم ٦، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩ رقم ٣١، وأسد الغابة ١/١٦٨ رقم ٣٤، والإصابة ١/١٩ رقم ٣٢.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند ٥/١٣٩ وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات، وثقهم ابن حبان أهـ وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٩ رقم ١٦٦، وللحديث شاهد من حديث عتبة بن عبد السلمى أخرجه أحمد فى مسنده ٤/١٨٤، وإسناده حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢١، والدارمى فى سننه المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبى ﷺ ١/٢٠ رقم ١٣، والحاكم فى المستدرك ٢/٥٧٥ رقم ٣٩٤٩، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبى: صحيح على شرط مسلم.
[ ١٠٩ ]
وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحي والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير (١) فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ﷺ ذات ليلة فسمع: السلام عليك، فقال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوبًا، وقالت: ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت: السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت: أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال: ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت (٢) منه، فجئت مسرعًا، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعدًا، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال: اقرأ، ولم أك قرأت كتابًا قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، قلت ما أقرأ قال ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ (٣) حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئًا بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت: السلام عليك يا رسول الله" (٤)
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٨، ٤١٩، ٤٢٠، وفتح البارى ٧/ ٢٤٤ رقم ٣٨٨٧.
(٢) أى فَهِبتُ منه، كما جاء فى رواية الطيالسى فى مسنده ص٢١٦ رقم ١٥٣٩.
(٣) الآية الأولى العلق.
(٤) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٥، ٢١٦ رقم ١٦٣، وأبو داود الطيالسى فى مسنده ص٢١٥، ٢١٦ رقم ١٥٣٩، وإسناده حسن كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، وأخرجه الحارث بن أسامة فى مسنده كما قال الحافظ فى فتح البارى ١٣/٤٨٩ رقم ٧٥١٧.
[ ١١٠ ]
٠
أما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى ﷺ فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهبًا لمناجاة ربه ﷿، والمثول بين يديه، واستعدادًا لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية (١) .
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ (٢) يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء الحديث (٣) .
والحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له ﷺ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله ﷿ وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان ﷺ أشجع الناس، وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وصف بقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر ما طغى﴾ (٥) .
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٨/٥٠، والبداية والنهاية ٢/٢٥٧.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٩٦ رقم ٥٨٦٩، وتجريد أسماء الصحابة ٢/١٦٤، والاستيعاب ٤/١٦٥٢ رقم ٢٩٤٤، وتذكرة الحفاظ للذهبى ١/١٧ رقم ٧.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/٤٨٩ رقم ٢٦٣، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب أحاديث الأنبياء، باب ذكر إدريس ﵇ ٦/٤٣١ رقم ٣٣٤٢.
(٤) الآية ١١ النجم.
(٥) الآية ١٧ النجم. وينظر: فتح البارى ٧/٢٤٦ رقم ٣٨٨٧، وشرح الزرقانى على المواهب ٨/٦٢.
[ ١١١ ]
والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته ﷺ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيمانًا؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله ﷿ هين وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا: وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله ﵎ (١) .