سبق التنويه على أن بعض المفسرين، والمحدثين، ذكروا قصة الغرانيق فى كتبهم، وقرروا قبول سندها، مع ردهم لما جاء فيها من مدح الأصنام "تلك الغرانيق العلاالخ" وتأويلهم لها.
_________________
(١) فى ظلال القرآن ٦/٣٤٢٠ - ٣٤٢٢.
(٢) الآية ٤ الشعراء.
[ ٤٧٤ ]
.. والجدير بالذكر هنا ما قاله الإمام ابن حجر، لأنه عالم متبحر محقق تابعه فى كلامه أئمة أعلام أيضًا (١) وكذلك لأن كلام الإمام اعتمد على الصناعة الحديثية، فاستحق التنويه والتعقيب بخلاف غيره (٢) قال الإمام ابن حجر بعد تصريحه القاطع فى الحكم على روايات القصة بالضعف والانقطاع قال: "لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثانى: عن أبى العالية (٣) .
_________________
(١) كالسيوطى فى الدر المنثور ٦/٦٥، ومناهل الصفا ص٢٢١، والقسطلانى فى المواهب اللدنية، والزرقانى فى شرحه على المواهب ٢/١٩ – ٢٦، وذلك فى نهاية كلامهما، بعد أن كانا فى فاتحته مع ما قاله القاضى عياض من رد القصة وإبطالها.
(٢) مثل الإمام ابن تيمية فى كتابه الفتاوى ١٠/١٧٠ – ١٧٢ حيث عمم الكلام فى إثبات القصة دون تحقيق منه، على خلاف عادته وقد كفانا فى الرد عليه فضيلة الشيخ عرجون فى كتابه محمد رسول الله ﷺ ٢/٨٧ – ١٠٤، ومثل الشيخ إبراهيم حسن الكورانى، ورأيه فى ثبوت القصة ساقه الألوسى فى روح المعانى ١٠/٢٦٤، ورد عليه بما شفى وكفى، كما قام بالرد على الكورانى أيضًا الشيخ عرجون، ووصف كلامه فى إثبات القصة بأنه رأى متزايد أهوج، خرج فيه عن جادة الأدب مع رسول الله ﷺ، وتهوره فى حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان. ينظر: محمد رسول الله ﷺ ٢/١٠٥ – ١٢٩.
(٣) جامع البيان ١٧/١٨٦، ١٨٧، ويراجع: تخريج القصة ص٣١٣.
[ ٤٧٥ ]
.. قال الحافظ: وقد تجرأ أبو بكر بن العربى كعادته فقال: ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها (١) وهو إطلاق مردود عليه، وكذا رد الحافظ كلام القاضى السابق ذكره، ثم قال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ، أن يزيد فى القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا، إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" (٢) .
والكلام مع الإمام الحافظ ابن حجر فيما قاله يجرى على وجوه:
الوجه الأول: يتعلق بروايات القصة والتى ساقها الحافظ ثم عقب عليها بقوله: "وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع" (٣) أى فلا تقوم به حجة، وهذا نص قاطع من ابن حجر يضاف إلى نصوص الأئمة السابق ذكرها، فى أن روايات هذه القصة ضعيفة السند، واهية المخرج، لا تصلح للاحتجاج بها، بما فى ذلك طريق ابن جبير على ما سبق.
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.
(٢) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣.
(٣) فتح البارى فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ٤٧٦ ]
الوجه الثانى: يتعلق بعصمة رسول الله ﷺ، فى بلاغ وحى الله تعالى، وعدم الخطأ فيه، لا عمدًا ولا سهوًا، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وهى عصمة ثابتة له ﷺ، بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وإجماع الأمة على ما سبق شرحه (١) وهو ما يتعارض مع ما جاء فى هذه القصة من تسلط الشيطان عليه، وإلقائه على لسان رسول الله ﷺ، فى ثنايا تلاوته آيات الله المنزلة بالوحي، أخبث كلمات الكفر التى تشيد بالأوثان مدحًا وتعظيمًا، وهو ما ينقض بنيان العصمة من أساسه؟.
الوجه الثالث: يتعلق بالثقة بوحى الله تعالى إلى رسله، فإذا فتح للشيطان أدنى منفذ للتسلط على رسل الله تعالى، وتلقينهم أخبث الكفر، دون أن ينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من ذلك، ويبلغوه إلى أممهم فيما يبلغونه عن الله تعالى، لم يبق للأمة ثقة فيما تسمع من رسولها، وهذا بلا شك، هدم لدعوات الرسل، وإبطال لرسالاتهم.
الوجه الرابع: يتعلق بالثقة بنبينا سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فى معرفته بأسلوب القرآن ومعانيه، معرفة لا تسمو عليها معرفة أحد، لأنه القيم على تمييز أسلوبه وروعة بيانه، والمثل الأعلى فى العلم بحقائقه الإيمانية، فإذا جاز أن يلقى إليه الشطان كلمات أخبث الكفر، فى أثناء تلاوته لآيات الله تعالى، الموطدة لدعائم التوحيد، وهدم الوثنية والشرك – كما تزعم أقصوصة الغرانيق – على سمع جموع المسلمين، والمشركين، ثم لا يتنبه لذلك، ولا يميز بين ما هو قرآن كريم من عند الله تعالى؛ وما هو كفر خبيث من إلقاء الشيطان، فماذا بقى لهذا الرسول الكريم من ثقة فى نفوس المؤمنين به؟.
_________________
(١) يراجع: ص٢٦٤ – ٢٧٨.
[ ٤٧٧ ]
.. فقول الحافظ ابن حجر بعد سوقه كلام القاضيين أبى بكر بن العربى، وعياض: وجمع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا. من أغرب قضايا العلم فى منهج الإسلام؛ فالأمر يتعلق بأقصوصة إذا سلمت كانت معولًا هدامًا لأصل أصول الإسلام، بل أصل أصول الدين كله فى جميع رسالات الله تعالى إلى جميع أنبياءه ورسله، لأنها تطعن فى عصمة الأنبياء، وتقرر أن الشيطان صاحب سلطان عليهم، وهذه مزلقة لا ينتهى من يقع فيها إلا إلى هاويه لا قرار لها.
الوجه الخامس: أن قاعدة الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلت على أن موضوع الروايات له أصل ليست على عمومها، ففى باب العقائد لا يقبل إلا النص الصحيح المقطوع بصحته، وفى غير أبواب العقائد من الأحكام الفرعية، فإن هذه القاعدة مقيدة، كما قال المحدثون. بالضعف الذى يزيله ما يجبره، وذلك إذا كان الضعف ناشئًا عن ضعف حفظ الراوى، أما الضعف الذى لا يزول لقوته، وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته فلا وزن له، ولو جاء من سبعين طريقًا متباينة المخارج، وذلك كالضعف الذى ينشأ من كون الراوى متهمًا بالكذب – كما فى بعض روايات أقصوصة الغرانيق التى جاءت من طريق الكلبى (١) وهو كذوب ولا تجوز الرواية عنه، ومثل ذلك كون الحديث شاذًا (٢) .
_________________
(١) هو محمد بن السائب بن بشير الكلبى، متهم بالكذب، ورمى بالرفض، ورضوه فى التفسير، كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٧٨ رقم ٥٩٢٠، ولسان الميزان ٩/١٠٤ رقم ١٤٢٢١ وينظر: الضعفاء لأبى نعيم ص١٣٨ رقم ٢١٠، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص٢١١ رقم ٥٣٩، والضعفاء الصغير للبخارى ص١٠٥ رقم ٣٢٢.
(٢) ينظر: فتح المغيث للسخاوى ١/٣١١ – ٣١٤، والتبصرة والتذكرة للعراقى ١/٢٩١، وتوضيح الأفكار للصنعانى ١/١٠٩ – ١١٣، والأجوبة الفاضلة لمحمد اللكنوى ص٣٦ وما بعدها.
[ ٤٧٨ ]
.. ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها – أى من روايات قصة الغرانيق – على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
قلت: إن هذا التعميم فى الاحتجاج بالمرسل عند من يقول به، ومن لا يقول به غير مسلم، لأن الخلاف فى الاحتجاج بالمرسل إنما هو فى أحكام الفروع، ولا يمكن أن يكون جاريًا فى أصول العقائد، لأنها لا تثبت إلا بدليل صحيح، والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين كما قال الإمام مسلم: "إن المرسل من الروايات فى أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (١) وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذى استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر" (٢) .
الوجه السادس: أن الأمام ابن حجر يرى فى القصة ما هو محال أن يقع من رسول الله ﷺ، وهو الزيادة فى القرآن عمدًا أو سهوًا، بيد أنه لم يشأ أن يقف عند هذه النتيجة التى كانت أمرًا طبيعيًا يسوق إليها البحث العلمى، وينتهى بها إلى أن هذه الأقصوصة أكذوبة باطلة، ما كانت تستحق أن تجول ساحبة ذيولها فى ساحة سيرة سيد المرسلين محمد ﷺ، ولكنه خضع لقواعد الصنعة فى غير محلها – حيث يمس الأمر العقائد – وراح يتشبث بالتأويل فيما رآه محالًا، وحكى من ضروب هذا التأويل أقوالًا كلها بعيدة عن نص روايات القصة. وحتى التأويل الذى استحسنه ورجحه بعض الأئمة، بالتأمل فيه ترى أنه غير مقبول، وترده نص روايات القصة (٣) .
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/١٦٣.
(٢) علوم الحديث ص٤٩.
(٣) ينظر: محمد رسول الله ﷺ للشيخ عرجون ٢/٨١ – ٨٦ بتصرف.
[ ٤٧٩ ]
.. انظر مثلًا: قول القاضى: "والذى يظهر ويترجح عند ابن العربى (١) وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلًا، ويفصل الآى تفصيلًا فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيًا نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها" (٢) .
قلت: وهذا التأويل الراجح عند ابن العربى، وارتضاه الحافظ (٣) وغيره ممن تابعه قديمًا وحديثًا، ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع القائل به فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على رسول الله ﷺ، وعدم عصمته فيما يبلغ عن ربه ﷿، حيث أن التسلط بالمحاكاة كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات الإلهية.
وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذى نطق بهذا المنكر من القول فى أثناء سكوت النبى ﷺ؛ فكيف لم يسمع ما حكاه الشيطان؟! وإذا كان سمعه فلم لم يبادر إلى الإنكار، والبيان فى مثل هذا واجب على الفور؟!.
وإذا لم يسمع النبى! ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا فلم لم يبادروا إلى تنبيه الرسول ﷺ؟!.
وأهون من هذا فى الإبطال وأشد فى الاستغراب ما ذكره موسى بن عقبة فى مغازيه، من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان بهذه المقالة فى أسماع المشركين!!.
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.
(٢) الشفا ٢/١٣٠، وشرحه لعلى القارى ٢/٢٣٤.
(٣) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٤.
[ ٤٨٠ ]
.. فهل كان الشيطان يسر بها فى آذان المشركين دون المسلمين؟ ثم كيف يتفق هذا الذى اختاروه، وما روى من أن النبى ﷺ حزن حزنًا شديدًا، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا؟! (١) .
فإذا كان هذا المستحسن عن بعض الأئمة ترده نفس الروايات الضعيفة، فمن باب أولى باقى التأويلات التى ذكر معظمها الإمام ابن حجر وردها كما ردها من سبقه من الأئمة (٢) .