إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ (٢) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته.
_________________
(١) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ١/٢١١ - ٢١٣ بتصرف، ونبى الإسلام بين الحقيقة والادعاء للدكتور عبد الراضى محمد ص٤٩، ٢١٢، وأعلام النبوة للماوردى ص٣٠٩.
(٢) الآية ١٢٥ النحل.
[ ١١٤ ]
.. فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلًا وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب (١) وقد قص الله ﷿ لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد ﷺ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء.
قال القاضى عياض: بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه ﷺ أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال: "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلًا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة" (٢) .
وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة:
أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها:
_________________
(١) ينظر: أعلام النبوة للماوردى ص٨٩، ٣٠٩ بتصرف، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٧٢، وأخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد ٢/١٠٣٧.
(٢) الشفا ١/٦٦، ٦٧.
[ ١١٥ ]
حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال ﷺ: "هلم إلى ثوبًا، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بنى عليه" (١) .
_________________
(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٢ نص رقم ١٩٧، والروض الأنف ١/٣٤٦، وطبقات ابن سعد ١/١٤٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٥٦ – ٦٢، وعيون الأثر ١/٥٢، وأصل القصة فى سند أحمد ٣/٤٢٥ من حديث مجاهد عن مولاه السائب بن عبد الله، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٣/٢٩٢، ٨/٢٢٩، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٦٢٨ رقم ١٦٨٣ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
[ ١١٦ ]
وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد ﷺ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره ﷺ (١) على الرغم من وجود الكبار والكبار جدًا، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جدًا، إلا أنه ﷺ هو الذى حل المشكلة، إنه ﷺ الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنًا، وأقلهم مالًا، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! (٢) .
_________________
(١) وهذا رأى ابن إسحاق، وإليه جنح جمهور المؤرخين، ومؤلفى السير والمغازى. ينظر: المصادر السابقة، مع محمد رسول الله ﷺ للشيخ محمد عرجون ١/١٩٠.
(٢) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٦٩.
[ ١١٧ ]
ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله ﷺ لمشكلة المهاجرين ﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله﴾ (١) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئًا، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله ﷺ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ (٢) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار (٣) وبذلك حل النبى ﷺ مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل.
كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة: الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله ﷺ وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطرًا عظيمًا على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضًا منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى ﷺ من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها.
_________________
(١) جزء من الآية ٨ الحشر.
(٢) جزء من الآية ٧٥ الأنفال.
(٣) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٣٠ نص رقم ٥٤٠، مع الروض الأنف ٢/٣٥٠ ووفاء الوفاء للسمهودى ١/٢٦٧، وعيون الأثر ١/٢١.
[ ١١٨ ]
وبهذا العهد (١) قضى رسول الله ﷺ على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه.
وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه.
ب- ومن مظاهر كمال عقله ﷺ وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها:
_________________
(١) نص ذلك العهد فى السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٢٦ نص رقم ٥٣٨، وعيون الأثر ١/٩٧ والروض الأنف للسهيلى ٢/٣٤٦.
[ ١١٩ ]
١- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد (١) – ﵀ – قال: رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ (بحمص) وكان جارًا لى شيخًا كبيرًا، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت: ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ، ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال: بلى وذكر الحديث وفيه: "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟، قيل: ها هو ذا، قال: فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال: ثم إنه ناول الصحيفة رجلًا عن يساره، فقلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا: معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى: يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟! " (٢) .
_________________
(١) قال الحافظ فى التهذيب ٤/٢٦، ذكره ابن حبان فى الثقات ٤/٢٩٠، وفى التقريب ١/٣٥٢ رقم ٢٣٠٨ مقبول.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند ٣/٤٤١ وأبو يعلى، وإليهما عزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٣٦ وقال: رجال أبى يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك.
[ ١٢٠ ]
٢- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد (١) وهو من عظماء قريش، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، يقصدون: رسول الله ﷺ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبًا من باب النبى ﷺ، فقال: أوسعوا للشيخ، وعمران (٢) وأصحابه متوافرون.
_________________
(١) هو والد عمران بن حصين ﵄، له ترجمة فى أسد الغابة ٢/٣٤ رقم ١١٨٥، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٣٢، والاستيعاب ١/٣٥٣ رقم ٥١٤.
(٢) عمران هو: ابن حصين الذى يتحدث مع الرسول هنا، إلا أن عمران كان قد أسلم، أما أبوه فقد أسلم فى هذه الجلسة. له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٤٨ رقم ٢١٨، وتاريخ الصحابة ص١٨٣ رقم ٩٤٩، والاستيعاب ٣/١٢٠٨ رقم ١٩٦٩، وأسد الغابة ٤/٢٦٩ رقم ٤٠٤٨.
[ ١٢١ ]
.. فقال حصين: ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيرًا؟ فقال ﷺ: يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال: سبعًا فى الأرض، وواحدًا فى السماء. قال: فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال: لا واحدة من هاتين. قال: "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال: يا حصين! أسلم تسلم. قال: إن لى قومًا وعشيرة فماذا أقول؟ قال: قل: اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علمًا ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى ﷺ بكى، وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ (١) وتفرقوا عنه (٢) .
فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش: "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله ﷺ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم! (٣) .
_________________
(١) أى ترك دينهم، وأسلم لله رب العالمين. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣.
(٢) ذكره ابن حجر فى الإصابة ٢/٨٧، وعزاه لابن خزيمة، وشئ منه عند الترمذى فى سننه كتاب الدعوات، باب بعد باب جامع الدعوات بأربعة أبواب ٥/٤٨٥ رقم ٣٤٨٣ وقال حديث غريب، وفيه حديث عند أحمد فى مسنده ٤/٤٤٤.
(٣) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٦٥.
[ ١٢٢ ]
٣- وعن أبى أمامة ﵁ (١) قال: إن فتى شابًا أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا: مهٍ مهٍ (٢) فقال ﷺ: أدنه، فدنا منه قريبًا. قال: فجلس فقال ﷺ: أتحبه لأمك؟ قال: لا! والله، جعلنى الله فداك فقال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال ﷺ: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ" (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٦٥ رقم ٣٢٧، وتاريخ الصحابة ص١٣٧ رقم ٦٧٥، وأسد الغابة ٦/١٤ رقم ٥٦٩٥، والإصابة ٢/١٨٢.
(٢) كلمة زجر بمعنى اسكت. النهاية فى غريب الحديث ٤/٣٢١.
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٥٦، ٢٥٧، وعزاه إليه وإلى الطبرانى فى الكبير وقال رجاله رجال الصحيح الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٢٩.
[ ١٢٣ ]
.. انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه ﷺ إقناعًا تامًا، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو ﷺ بدعائه له زاد الأمر حسنًا فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة (١) .
والشاهد مما سبق أنه ﷺ لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلامًا سهلًا غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته.
٤- وعن أبى هريرة ﵁ أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلامًا أسود، وإنى أنكرته (٢) فقال له النبى ﷺ هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال ﷺ ما ألوانها؟ قال: حمر. قال ﷺ: فهل فيها من أورق (٣) قال: نعم. قال رسول الله ﷺ: فأنى هو؟ (٤) قال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له (٥) فقال له النبى ﷺ وهذا لعله يكون نزعه عرق له (٦) .
_________________
(١) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص١٦٦.
(٢) أى أنكر أن يكون هذا الغلام ابنه، إذ هو أبيض والابن أسود، كما جاء فى رواية أخرى: "وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه" أى يدعى أنه ليس ابنه، وإنما جاءت به أمه من زنا!!.
(٣) الجمل الأورق: هو الذى سواد لونه ليس صافيًا. ينظر: مختار الصحاح ص٧١٧.
(٤) أى: من أين جاء هذا الأورق الذى يختلف لونه عن لون جمالك.
(٥) أى: يحتمل أن يكون فى آبائه من الإبل ما هو أسود، فأشبهه هذا.
(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب اللعان ٥/٣٨٥ رقم ١٥٠٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلًا ١٣/٣٠٩ رقم ٧٣١٤.
[ ١٢٤ ]
.. إنه ﷺ فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له ﷺ مثلًا من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفًا، فما أن ضرب له ﷺ المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقًا نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق (١) .
جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته ﷺ براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى:
_________________
(١) المدخل إلى السنة النبوية ص١٦٧.
[ ١٢٥ ]
مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى (١) الذى سمع بقول الله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ (٢) فقال: أما والله لو وجدت محمدًا لخصمته، فسلوا محمدًا! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزًا! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله ﷺ وغلبه، فقال النبى ﷺ: "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقًا لنبيه ﷺ: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون﴾ (٣) .
فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالًا للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عامًا فيهم.
_________________
(١) هو عبد الله بن الزبعرى، شاعر قريش فى الجاهلية، كان شديدًا على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، ثم عاد إلى مكة، فأسلم واعتذر. مات سنة ١٥هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٢٣٩ رقم ٢٩٤٦، والاستيعاب ٣/٩٠١ رقم ١٥٣٣.
(٢) الآيات ٩٨ – ١٠٠ الأنبياء.
(٣) الآيات ١٠١ – ١٠٣ الأنبياء، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٤٥١، ٤٥٢ نص رقم ٣٤٩، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٨٦، ٨٧ نقلًا عن ابن إسحاق.
[ ١٢٦ ]
على هذا النحو كانت مجادلة النبى ﷺ للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة (١) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالًا ما يلى:
وفد بنى تميم: فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها (٢) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله ﷺ: جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لموتى له (٣) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا (٤) .
لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته ﷺ، وأنه اختار من أتباعه خطيبًا يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعرًا فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه.
لقد أسلم الوفد (٥)، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى ﷿ له، وتأييده فى كل أموره (٦) .
_________________
(١) ينظر أمثلة على ذلك فى البداية والنهاية ٦/١٧٩، وحوار الرسول ﷺ مع اليهود للدكتور محسن عبد الناظر.
(٢) له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٢٦٤ رقم ٢٠٨، وتاريخ الصحابة ص٣٨ رقم ٧٣، والاستيعاب ١/١٠٣ رقم ٦٩.
(٣) أى: أنه ﷺ مؤيد وموفق.
(٤) قصة الوفد ذكرها ابن إسحاق، ومن طريقة غيره، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤/٢٤٢ – ٢٥١ من نص ١٩٣٢ – ١٩٤٢، وطبقات ابن سعد ١/٢٩٣، ٢٩٤، وتاريخ الطبرى ٣/١١٥،= والدرر = فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر ص٢٥٥، ودلائل النبوة للبيهقى ٥/٣١٣، والبداية والنهاية لابن كثير ٥/٤١، ٤٢.
(٥) ينظر المصادر السابقة.
(٦) المدخل إلى السنة النبوية ص١٧٠ بتصرف يسير.
[ ١٢٧ ]
وبعد: فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك والضلال، والغفلة، والشك، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته، الخ، وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته. وكذلك اتضح عصمته ﷺ من كل ما يمس عقله بسوء، حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلًا وفطنة، كما كان ﷺ أكمل الناس إيمانًا وخلقًا.
وكذا عصم رب العزة رسوله ﷺ وخصه دون سائر الأنبياء بعصمة بدنه الشريف من القتل، وقد دل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فإلى تفصيل ذلك فى المبحث التالى.
_________________
(١) الآية ٤ القلم.
[ ١٢٨ ]