هذه الآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى ﷺ وتعظيمه، خلافًا لمن وهم، ففهم منها عتابه أو تأنيبه، لأن النبى ﷺ لم يخالف أمرًا ولا نهيًا، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم.
فرسول الله ﷺ لما عزم على الخروج إلى تبوك، استأذنه بعض المنافقين فى التخلف، لأعذار أبدوها، فأذن لهم فيه لسببين:
أحدهما: أن الله لم يتقدم إليه فى ذلك بأمر ولا نهى.
ثانيهما: أنه لم يرد أن يجبرهم على الخروج معه، فقد يكون فى خروجهم على غير إرادتهم ضرر.
_________________
(١) الآية ٤٣ التوبة.
[ ٢٢٨ ]
.. فأنزل الله تعالى: يبين له أن ترك الإذن لهم كان أولى، لما يترتب عليه من انكشاف الصادق من الكاذب، فيما أبدوه من الأعذار، واستفتح رب العزة ما أنزله بجملة دعائية. هى قوله: ﴿عفا الله عنك﴾ على عادة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة، أو بقولهم: غفر الله لك، أو جعلت فداك، أو نحوها يقصدون تكريم المخاطب؛ إذا كان عظيم القدر، ولا يقصدون المعنى الوصفى للجملة (١) .
ولو بدأ رب العزة حبيبه ومصطفاه بقوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق فى عذره من الكاذب؟
وفى هذا من عظيم منزلته عند الله مالا يخفى على ذى لب، ومن إكرامه إياه وبره به، ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب.
فليتأمل كل مسلم! هذه الملاطفة العجيبة فى السؤال من رب الأرباب، المنعم على الكل، المستغنى عن الجميع، ويستثير ما فيها من الفوائد.
_________________
(١) دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين ص٦٨ بتقديم وتأخير، وينظر: خواطر دينية ص٤٣، ٤٤ كلاهما لعبد الله الغمارى، وشرح الزرقانى على المواهب ٩/٤٠ – ٤٢، والشفا ٢/١٥٨، ١٥٩.
[ ٢٢٩ ]
.. وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب (وهل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا إن كان ثمَّ عتب) وأنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثمَّ ذنب، وهكذا فى أثناء عتبه براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته (١) . إن قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ غاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل، وقد بينت أن ترك الأولى ليس بذنب، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب، لم تركت الأفضل، ولم عدلت عن الأولى، ولا يقتضى ذلك إنكارًا، ولا ذنبًا (٢) .
أما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: ﴿عفا الله عنك﴾ والعفو يستدعى سابقة ذنب، وأن الاستفهام فى قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٣) .
فهذا قول من يجهل لغة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة ونحوها يقصدون بها تكريم المخاطب، إذا كان عظيم القدر، وتحاشيًا عن جعل الاستفهام أول كلام للمعظم.
وليس "عفا" هنا فى الآية بمعنى "غفر" أى ستر، وترك المؤاخذة بل بمعنى: لم يلزمك شيئًا فى الأذن، كما قال ﷺ: "إنى قد عفوت عنك عن صدقة الخيل والرقيق، ولكن هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهمًا، درهمًا" (٤) .
_________________
(١) الشفا ١/٢٨، ٢٩، ٣٠ بتصرف، وقارن بشرح الزرقانى على المواهب ٩/٤٠.
(٢) ينظر: تنزيه الأنبياء لعلى الحسين الموسوى ص١١٤ بتصرف.
(٣) سيأتى بعد قليل التعرف بهم، ورد الأئمة عليهم.
(٤) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب ١/٥٥٩ رقم ١٧٩٠، وأبو داود فى سننه كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة ٢/١٠١ رقم ١٥٧٤، والترمذى فى سننه كتاب الزكاة، باب ما جاء فى زكاة الذهب والورق ٣/١٦ رقم ٦٢٠ وقال: حديث صحيح، والنسائى فى سننه الصغرى كتاب الزكاة، باب زكاة الورق ٥/٣٧ رقم ٢٤٧٧ من حديث على بن أبى طالب ﵁.
[ ٢٣٠ ]
ولم تجب عليهم زكاة فى خيل ورقيق قط، أى: لم يلزمكم ذلك، فليس معناه: إسقاط ما كان واجبًا، ولا ترك عقوبة هنا فتأمل (١) .
وصفوة القول: أن يقال: إما أن يكون صدر عن رسول الله ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: لا! امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله "لم أذنت لهم" إنكارًا عليه. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله ﷿: ﴿عفا الله عنك﴾ يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه.
فثبت أنه على التقديرين المذكورين، يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ يدل على كون الرسول مذنبًا، وهذا جواب شاف كاف قاطع.
وعند هذا يحمل قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ على ترك الأولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك (٢) كالإمام الزمخشرى (٣) فقد أساء الأدب فى التعبير – مع جلالة علمه – عن بيان العتاب – فى زعمه – فقال: إن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت (٤) .
_________________
(١) ينظر: المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/٤١، ٤٢، والشفا ٢/١٥٨، وشرح السيوطى على النسائى، وحاشية السندى ٥/٣٧ رقم ٢٤٧٧.
(٢) المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/٤٢، ٤٣، وينظر: زاد المسير لابن الجوزى ٣/٤٤٥، ونسيم الرياض ٤/١٧٨، وتفسير القرطبى ٨/١٥٤.
(٣) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى، معتزلى، نحوى، مفسر، يلقب بجار الله، لمجاورته بمكة زمانًا، من مصنفاته: الكشاف عن حقائق التنزيل، والفائق فى غريب الحديث. مات سنة ٥٣٨هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ٢/٣١٤ رقم ٦٢٥، وطبقات المفسرين للسيوطى ص٤٨ رقم ١٤٧، وإشارة التعيين فى تراجم النحاة واللغويين لعبد الباقى اليمانى ص٣٤٥ رقم ٢١٠، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٦٨ – ١٧٤ رقم ٧١١.
(٤) الكشاف ٢/١٩٢.
[ ٢٣١ ]
وقد استغواه فى هذا التعبير السئ سلفه الجبائى (١) الذى يرى أن أذن رسول الله ﷺ للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك "كان قبيحًا، ووقع صغيرًا" (٢) فالزمخشرى – ﵀ – مقلد فى سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاوى (٣) الزمخشرى فى جفوة التعبير فى هذا الموضع من تفسيره (٤) .
_________________
(١) هو: أبو على، محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائى، ينسب إلى جبى – من قرى البصرة – كان من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام فى عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية، من آثاره: التفسير الكبير، والأصول، وغير ذلك مات سنة ٣٠٣هـ. له ترجمة فى: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص٧، ٥٧، ٦٨، ولسان الميزان ٦/٣٢٠ رقم ٧٧٨٣، والبداية والنهاية ١١/١٣٤، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ١٨٣ رقم ١٠٢، والأعلام ٦/٢٥٦.
(٢) مجمع البيان للطبرسى المجلد الثالث ١٠/٦٨.
(٣) هو: عبد الله بن عمر بن محمد، أبو الخير، ناصر الدين البيضاوى، كان إمامًا علامة، عارفًا بالفقه، والتفسير، والأصلين، والعربية، والمنطق، نظارًا صالحًا، متعبدًا زاهدًا شافعيًا، من مصنفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، وشرح الكافية لابن الحاجب وغير ذلك مات سنة ٦٨٥هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ١/٢٤٨ رقم ٢٣٠، وطبقات الشافعية للسبكى ٨/١٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير ١٣/٣٢٧.
(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى ٣/٦٩.
[ ٢٣٢ ]