والبلاغ الذى أمر الله به رسوله ﷺ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، سواء كان ذلك بوحى القرآن، أو وحى السنة، فشمل ذلك إبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة، إذ كل ذلك مما أنزله الله عليه من أمر الدين، كما أفاد ذلك عموم الاسم الموصول (ما) فى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) كما عمم من أراد تبليغهم حيث حذف المفعول الأول لبلغ، ليعم الخلق المرسل إليهم، والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك" (٢) .
_________________
(١) الآية ٦٧ المائدة.
(٢) التحرير والتنوير ٦/٢٦٠ بتصرف.
[ ٣٩٤ ]
.. وقد قام رسول الله ﷺ بذلك البلاغ كله على وجه الكمال والتمام من يوم أن أنزل الله تعالى الرسالة، وكلفه بالبلاغ، بصدر سورة المدثر، ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر﴾ (١) فإنه من حينئذ قام بإبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة على حد سواء، لا يألو فى ذلك جهدًا ولا يدخر وسعًا، حتى أتم الله له الدين وقمع به المشركين والمبطلين.
تبليغه القرآن الكريم:
أما تبليغه ﷺ القرآن فقد قام بذلك استجابة لقوله تعالى: ﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلًا﴾ (٢) أى: لتبلغه الناس وتتلوه على مهل لتكون ألفاظه ومعانيه أثبت فى نفوس السامعين (٣) .
فقام بذلك حق القيام، فكانت له به عناية خاصة فى تعليمه وإذاعته ونشره، فهو يقرؤه لهم على مكث لو عده العاد لأحصاه، ترتيلًا كما أمر الله، ويسمعهم إياه فى الخطب، والصلاة، وفى الدروس والعظات والدعوة والإرشاد، وفى الفتوى والقضاء، ويدارسهم إياه فيسمع منهم ويسمعون منه، ومن لم يكن حاضرًا لديه كأهل البلاد المختلفة، أرسل إليهم بعثات القراء ليعلموهم إياه ويفقهونهم به، كما هو معلوم من رسالته وسيرته وسننه (٤) .
_________________
(١) الآيتان ١، ٢ المدثر.
(٢) الآية ١٠٦ الإسراء.
(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٥/١٢٥، والتحرير والتنوير ١٥/٢٣١.
(٤) ينظر: مناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ١/٢٤٠، والبرهان للزركشى ١/٢٣٣.
[ ٣٩٥ ]
.. وقبل ذلك كله كان لا يكاد ينفك عنه الوحي حتى يقرأه على الناس ويدعو كتبة الوحي فيكتبوه ثم يحفظ فى بيته ليكون وثيقة لحفظه، وحفظ أصحابه كما هو مبين فى مظانه من كتب السنة والسيرة المشرفتين (١) .
تبليغه ﷺ للسنة الشريفة:
وأما تبليغه ﷺ للسنة، فما كان أقل شأنًا من إبلاغ القرآن، بل كان مسايرًا له فى كل أطوار البلاغ على حد سواء، لأن السنة هى: من الوحي الذى أنزل على النبى ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) .
ولذلك كانت سنته ﷺ واجبة الطاعة والامتثال ككلام الله ﵎، كما ألزم الله تعالى بقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٤) إلى غير من الآيات الكثيرة التى توجب طاعته ﷺ كما توجب طاعة الله ﵎ (٥) .
_________________
(١) ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن ٨/٦٢٧ وباب كاتب النبى ﷺ ٨/٦٣٨، والبرهان فى علوم القرآن للزركشى ١/٢٣٣ – ٢٤١، والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ١/١٦٠ – ١٧٦ نص رقم ٧٤٥ وما بعدها، ومناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ١/٢٤٠ – ٣٣٧.
(٢) الآيتان ٣، ٤ النجم.
(٣) الآية ١١٣ النساء.
(٤) الآية ٧ الحشر.
(٥) سيأتى تفصيل هذه الآيات فى الرد على شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ ص٣٦٤.
[ ٣٩٦ ]
.. فلهذا كان النبى ﷺ يعنى بإبلاغ السنة كما يعنى بإبلاغ القرآن، بل إن إبلاغه السنة كان أوسع دائرة من حيث إنه لا يمضى عليه حال من الأحوال، إلا وهو محتاج إلى أن يبين ما يستجد فيه من حكم أو موعظة أو قصة أو مثل، إذ القرآن يعنى بجوامع الأمور، وأصول التشريع، وقواعد الأحكام، ويتولى رسول الله ﷺ بيان دقائق الأخبار وتفاصيل الأحوال فى كل الأحيان والأحوال، بل غالبه مجمل أوكل الله بيانه إلى نبيه محمد ﷺ بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) وقد كان ﵊ يبين القرآن الكريم على الدوام، والدليل على هذا محسوس ملموس؛ إذ هذه سنته ﷺ التى بلغت مئات الآلاف من الأحاديث، والمدونة فى دواوين السنة، لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أمر الدين إلا وتناولتها بالتفصيل والبيان، حتى بلغ من بيانه ﷺ، أن أخبر أصحابه بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
فعن عمرو بن أخطب الأنصارى ﵁ (٢) قال: "صلى رسول الله ﷺ يومًا الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: فأعلمنا أحفظنا" (٣) .
_________________
(١) الآية ٤٤ النحل.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/١٧٧ رقم ٣٨٥٤، والاستيعاب ٣/١١٦٢ رقم ١٨٨٩، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٩٩، والرياض المستطابة ص٢٣٧.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفتن، باب إخبار النبى ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة ٩/٢٤٣ رقم ٢٨٩٢.
[ ٣٩٧ ]
.. ومن هذا الحديث تعلم مدى تبليغه ﷺ للسنة، حيث كان ذلك البيان كله فى مجلس واحد، فما بالك ببقية المجالس فى سائر الأيام؟!.
ثم إنه ﷺ لم يكتف بذلك، بل كلف كل من يسمع عنه شيئًا أن يبلغه إلى من وراءه ليعم بلاغه الأمة فى كل زمان ومكان، ليعملوا بما بلغهم من سنته فى كل ما كلف به بنو الإنسان من أمور الدين والدنيا.
فقال ﵊: "بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١) ورغبهم ﵊ فى ذلك وشجعهم عليه بقوله: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (٢) .
وهكذا أدى رسول الله ﷺ، واجب التبليغ تارة بالعبارة، وتارة بالكتابة، وتارة بالحث على إبلاغ من لم يبلغه، لا يألو جهدًا، ولا يدخر وسعًا فى إيصال رسالة الله التى حملها إلى كل من يستطيع إيصالها إليه، تنفيذًا لواجب البلاغ الذى تحمله بمقتضى رسالته، وتنفيذًا لأوامر الله تعالى فى ذلك، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٣) فبلغ البلاغ المبين منذ أن بعثه الله تعالى إلى أن أتاه اليقين، وقد شهد له بالعصمة فى هذا البلاغ القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وإليك تفصيل تلك الشهادات.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل ٦/٥٧٢ رقم ٣٤٦١ من حديث عبد الله بن عمرو ﵁
(٢) سبق تخريجه ص١٦.
(٣) الآية ٦٧ المائدة.
[ ٣٩٨ ]