عجبت ولم تشكك بأن محمدًا *** نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟ !
عليك بكف الناس عنه فإننى *** أرى أمره يومًا ستبدو معالمه (١) .
وبعد: فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته ﷺ من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٢)؟!!.
إن خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضًا.
وإليك نماذج من كفاية الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة:
_________________
(١) ينظر: الروض الأنف للسهيلى ٢/٣٢٢، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٤٨٩، ودلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٣٣٧ رقم ٢٣٧.
(٢) الآية ٦٧ المائدة.
[ ١٦٢ ]
١- ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب (١) قتل النبى ﷺ، وكتمه ذلك سرًا بينه وبين صفوان بن أمية (٢) على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئًا ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله ﷺ وكان ابنه "وهب" وقع أسيرًا يوم بدر، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال: انعموا صباحًا – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله ﷺ: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة" فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال: "فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: "فما بال السيف فى عنقك" قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟ قال: "أصدقنى ما الذى جئت له؟ " قال: ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمدًا: فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول
_________________
(١) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٢٨٨، ٢٨٩ رقم ٤٠٩٦، والاستيعاب ٣/١٢٢١ – ١٢٢٣ رقم ١٩٩٧، والإصابة ٥/٣٦ رقم ٦٠٧٣، وتاريخ الصحابة ص١٣٥ رقم ٦٦٠.
(٢) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٢٤ رقم ٢٥١٠، والاستيعاب ٢/٧١٨ رقم ١٢١٤، والإصابة ٢/١٨٧ رقم ٤٠٩٣.
[ ١٦٣ ]
الله ﷺ: "فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره" ففعلوا" (١) .
فتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتلهصلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن الله ﷿ حائل بينه، وبين ما جاء من أجله.
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٣٣٩، ٣٤٠ نص رقم ٨٢٧ من حديث عروة بن الزبير مرسلًا، والقصة أخرجها الطبرانى فى الكبير ١٧/٥٦، ٥٧ عن عروة أيضًا وعن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلًا، وإسنادها جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٨٦، ٢٨٧، وأخرجها أيضًا البيهقى فى دلائل النبوة ٣/١٤٧–١٤٩،وينظر: الإصابة فى معرفة الصحابة لابن حجر ٥/٣٧.
[ ١٦٤ ]
٢- وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلًا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمدًا، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (١) .
_________________
(١) الآية ١١ المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة١/١٩٥ رقم ١٤٥ من طريق ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/١٨٦،١٨٧ رقم١٣٣٢، وفى سنده عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة فى عصره ومفتيها، كان زاهدًا ثم أحدث فتركه الأئمة مات سنة ١٤٣هـ وقيل١٤٤هـ، له ترجمة فى: الضعفاء للنسائى ص١٨٤ رقم٤٦٩، والضعفاء لأبى نعيم ص١١٨ رقم١٦٤، وتاريخ بغداد١٢/١٦٦ رقم٦٦٥٢، ووفيات الأعيان١/١٣٠ رقم ٤٧٦، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة ذات الرقاع٧/٤٩٠، ٤٩١ رقمى٤١٣٥،٤١٣٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف٣/٣٨٩ رقم٨٤٣، والحاكم فى المستدرك٣/٣١،٣٢ رقم٤٣٢٢ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.
[ ١٦٥ ]
٣- وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس ﵄ قال: إن عمرو بن أمية الضمرى (١) حين انصرف من بئر معونة (٢) لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أمانًا من النبىصلى الله عليه وسلم، ففداهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحبًا يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجرًا (٣)، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل ﵇، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى ﵃، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (٤)
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة٤/١٨١ رقم٣٨٦٢، والرياض المستطابة ص٢١٤،٢١٥.
(٢) مكان فى الطريق الداخلى بين مكة والمدينة. معجم البلدان٥/١٥٩، وسرية بئر معونة، وتعرف أيضًا بسرية القراء كانت فى صفر سنة٤ هـ. ينظر البداية والنهاية٤/٧٣، والسيرة النبوية لابن هشام٣/١٦٤ نص رقمى١٢٩٥،١٢٩٦.
(٣) جاء فى مغازى الواقدى ص٢٨٢، وسيرة ابن إسحاق، أن الذى هَمَّ بإلقاء الحجر (عمرو بن جحاش بن كعب النضيرى) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم٢/٤٩١ رقم٤٢٧، والسيرة النبوية لابن هشام٣/١٧٠ نص رقم ١٣٠٨.
(٤) الآية ١١ المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة٢/٤٨٩رقم٤٢٥، وابن جرير الطبرى فى تاريخه٢/٥٥١،٥٥٢، وابن إسحاق أورده معضلًا (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/١٧٠ نص رقم ١٣٠٨، والبيهقى فى دلائل النبوة٣/٣٥٤،٣٥٥، وابن عبد البر فى الدرر فى اختصار المغازى والسير ص١٦٤،١٦٥ وابن كثير فى البداية والنهاية ٤/٧٦ ثلاثتهم عن ابن إسحاق.
[ ١٦٦ ]
، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد: "وأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال ﷺ: إلى الحشر" (١) .
فتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى ﷿ لنبيهصلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!
إن مراجعة الأعرابى لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله ﷿ منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله.
وفى جوابهصلى الله عليه وسلم "يمنعنى الله منك" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزدهصلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى ﷿ له.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة٢/٤٩٠،٤٩١ رقم٤٢٦ مرسلًا عن عروة. وينظر السيرة النبوية لابن هشام٣/١٧٢ نص رقم ١٣١٣، وشرح الزرقانى على المواهب٢/٥١٠،٥٢٩-٥٣٣.
[ ١٦٧ ]
وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتلهصلى الله عليه وسلم، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقًا، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليهصلى الله عليه وسلم، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامهصلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر. ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمتهصلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال ﷿: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فقوله "من قبل" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبلهصلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى.
_________________
(١) الآية ٩١ البقرة.
[ ١٦٨ ]
٤- عن أنس بن مالك ﵁ أن امرأة يهودية (١) أتت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها. فجئ بها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك" قال: أو قالصلى الله عليه وسلم: "علىَّ" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا (٢)، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات (٣) رسول اللهصلى الله عليه وسلم (٤) .
_________________
(١) هى زينب ابنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما فى السيرة النبوية لابن هشام٣/٣٤٦ نص رقم ١٥٦٦.
(٢) وذلك قبل موت بشر بن البراء من تلك الأكلة المسمومة، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصًا. قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قتلها. ينظر: المنهاج شرح مسلم٧/٤٣٤ رقم٢١٩٠، وفتح البارى٧/٥٦٩ رقم٤٢٤٩، ١٠/٢٥٧ رقم٥٧٧٧.
(٣) جمع لهاة، وهى اللحمات فى سقف أقصى الفم. النهاية فى غريب الحديث٤/٢٤٣.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب السم٧/٤٣٣ رقم٢١٩٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين٥/٢٧٢رقم٢٦١٧.
[ ١٦٩ ]
ففى قولهصلى الله عليه وسلم "ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: علىَّ" فيه بيان عصمتهصلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) وهى معجزة لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنهصلى الله عليه وسلم قال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة" (٢) .
_________________
(١) جز من الآية ٦٧ المائدة.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلًا سمًا أو أطعمه فمات، أيقاد منه٤/١٧٤ رقم٤٥١٢ وفيه خالد بن خلى الحمصى- صدوق- كما قال الحافظ فى التقريب١/٢٥٧ رقم١٦٢٩ وبقية رجاله ثقات- فالإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام٣/٣٤٦ نص رقم١٥٦٦.
[ ١٧٠ ]
٥- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ (١) أنه كان مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق (٢) ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: "أنا نبى" قال: ما نبى؟ قال "رسول الله" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبىصلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت" (٣) زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف" (٤) .
فتأمل يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه ﷿ بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفهصلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبىصلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولًا قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتلهصلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله لهصلى الله عليه وسلم.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة٢/٥١٧ رقم٢١٥٥، والاستيعاب٢/٦٣٩ رقم ١٠١٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٨ رقم٨٠، والإصابة٢/٦٦ رقم٣٣٧٤.
(٢) أى حامل، يقال عقت له فرسه، أى: حملت. النهاية فى غريب الحديث٣/٢٥١.
(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك١/٤٩ رقم١٤ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(٤) أخرجه الطبرانى فى الكبير٧/٢٠ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد٨/٢٢٧.
[ ١٧١ ]
٦- وعن جعدة بن خالد بن الصَّمة ﵁ (١) قال: شهدت النبى ﷺ وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى ﷺ: لم تراع، لم تراع (٢) لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى" (٣) .
٧- وعن فضالة بن عمير الليثى ﵁ (٤) قال: أردت قتل النبىصلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أفضالة"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله ﷿، فضحك النبىصلى الله عليه وسلم ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلىَّ منه" (٥) نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب١/٢٤١ رقم٣٢٦، وأسد الغابة١/٥٣٧ رقم٧٥٠، وتجريد أسماء الصحابة١/٨٤.
(٢) كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيسًا، وإظهارًا للرفق بالمخاطب أهـ فتح البارى١٠/٤٧٢ رقم٦٠٣٣.
(٣) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة١/١٩٤ رقم١٤٣، وأحمد فى مسنده٣/٤٧١، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد٨/٢٢٦ رواه أحمد والطبرانى باختصار ورجاله رجال الصحيح غير أبى إسرائيل الجشمى وهو ثقة، وأخرجه ابن الأثير فى أسد الغابة١/٥٣٧،٥٣٨ رقم٧٥٠.
(٤) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة٤/٣٤٧ رقم٤٢٣٣، والاستيعاب٤/١٢٦٣ رقم٢٠٨٣، والإصابة٥/٢١١ رقم ٧٠١٥.
(٥) أخرجه ابن هشام فى السيرة النبوية٤/٤٠،٤١ نص رقم١٦٩٢، وأورده ابن كثير فى البداية والنهاية٤/٣٠٦، وابن عبد البر فى الدر فى اختصار المغازى ص٢٢٢ كلاهما نقلًا عن ابن هشام.
[ ١٧٢ ]
٨- وعن حذيفة بن اليمان ﵁ (١) قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول اللهصلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار (٢) يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة (٣)، فإذا أنا باثنى عشر راكبًا، قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ، هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله ﷺ فى العقبة، فليقوه منها. قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمدًا قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة (٤) . قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" (٥) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ٧٣ رقم٢٦٧، والرياض المستطابة ص٤٩،٥٠، وأسد الغابة١/٧٠٦ رقم١١١٣، والاستيعاب١/٣٣٤ رقم٤٩٢.
(٢) هو عمار بن ياسر صحابى جليل له ترجمة فى: الرياض المستطابة ص٢١١-٢١٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٥٤ رقم٢٦٦، والاستيعاب٣/١١٣٥ رقم١٨٦٣، وأسد الغابة٤/١٢٢ رقم٣٨٠٤.
(٣) واحدة عقبات وهى الجبال، والمراد مكان مرتفع. ينظر: مختار الصحاح ص٤٤٤، والقاموس المحيط١/١٠٦.
(٤) هى خراج ودمل كبير تظهر فى الجوف فتقتل صاحبها غالبًا. النهاية فى غريب الحديث ٢/٩٤.
(٥) أخرجه البهيقى فى دلائل النبوة ٥/٢٦٠، ٢٦١، والطبرانى فى الأوسط ٨/١٠٢ رقم ٨١٠٠، وفيه عبد الله بن سلمة، وثقة جماعة، وقال البخارى لا يتابع على حديثه، وفى الصحيح بعضه. كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٠٩، ١١٠.
[ ١٧٣ ]
وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل ﵁ (١) .
وأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة ﵁ عن النبى ﷺ قال: "فى أمتى اثنا عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم" (٢) وكان حذيفة ﵁ على علم بأسمائهم من رسول الله ﷺ دون غيره من الصحابة (٣)، ولما سئل ﵁: "كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ولا عمر؟ قال: إنى كنت أسير خلف رسول الله ﷺ، فنام على راحلته، فسمعت ناسًا منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى ﷺ، فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة، قال: من هؤلاء خلفك؟ قلت: فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال: وسمعت ما قالوا؟ قلت: نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال: إن هؤلاء فلانًا وفلانًا، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحدًا" (٤)، وفيهم أنزل
_________________
(١) مسند أحمد ٥/٤٥٣، ٤٥٤ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٩٥ وأخرجه أيضًا الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١١٠.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٩/١٣٧ رقم ٢٧٧٩.
(٣) ولهذا كان ﵁ يقال له "صاحب السر الذى لا يعلمه غيره" ينظر: تفسير القرآن العظيم ٤/١٢٣، وزاد المعاد ٣/٥٤٨.
(٤) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٥٢٨ رقم ٤٥٦، والطبرانى فى الكبير وفيه: مجالد بن سعيد وقد اختلط، وضعفه جماعة، كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٠٩، قلت: ولكنه توبع؛ حيث أصل حديثه فى صحيح مسلم وغيره.
[ ١٧٤ ]
قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا﴾ (١) .
إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه ﷺ بعصمته من مؤامرة نفرًا من المنافقين هموا بقتله ﷺ، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر منافقًا، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله ﷺ وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله ﷿ على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله ﷺ، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له ﷺ.
وبعد: فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته ﷺ من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفًا.
وإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.
_________________
(١) الآية ٧٤ التوبة، وسبب النزول، أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٥/٢٥٨، ٢٥٩، عن ابن إسحاق، ونقله عنه ابن كثير فى البداية والنهاية ٥/١٨.
[ ١٧٥ ]