وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام (١) .
أما قول بعض خصوم السيرة العطرة: "بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع" (٢) .
فأقول له: وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله ﷿، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحدًا بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ (٣) .
أما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه ﷺ مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيدًا كان أعقل من النبى ﷺ وأعرف به (٤) .
فالجواب: أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله ﷺ، ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة ﵃ أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله ﷺ وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ.
هـ عصمته ﷺ من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيمًا لها:
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٧، والروض الأنف ١/٣٨٣.
(٢) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٠٣، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٢، ومساحة للحوار لأحمد حسين يعقوب ص١١٧.
(٣) الآية ١٢١ الأنعام.
(٤) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٠١ - ٢٠٣، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٢.
[ ١٠١ ]
.. جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى ﷺ يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى ﷺ: "لا تسألنى باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت بغضها شيئًا قط" (١) .
وعن عروة بن الزبير ﵁ قال: حدثنى جار لخديجة بنت خويلد ﵂ قال: سمعت النبى ﷺ يقول لخديجة: أى خديجة والله لا أعبد اللات أبدًا، والله لا أعبد العزى أبدًا، قال: فتقول خديجة خل العزى، قال: كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون" (٢) .
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٦ نص رقم ١٧٧، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٧٢ رقم ١١٠، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٦ – ٢٩، كلاهما من طريق ابن إسحاق.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٤/٢٢٢، ٥/٣٦٢ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، وصحح إسناده أيضًا الشيخ محمد شاكر فى هامشه على المسند ١٤/١٥ رقم ١٧٨٧١.
[ ١٠٢ ]