عن زيد بن حارثة ﵁ قال: "وكان صنمًا من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تمسه" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله ﷺ: "ألم تنه؟ " قال زيد: فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنمًا حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتابالحديث" (١) .
أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه ﷺ الأصنام، فليس ظاهره مرادًا على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان النبى ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال: فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ. قال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم" (٢) أى لم يعد رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام.
_________________
(١) سبق تخريجه ص٥٩.
(٢) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٥، وأبو يعلى، والحديث فيه عبد الله بن محمد ابن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦.
[ ١٠٣ ]
.. قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية: "هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك "عهده باستلام الأصنام" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مرادًا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم" (١) .
وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة: السيوطى فى الخصائص الكبرى (٢) وابن كثير فى البداية
والنهاية (٣) والبيهقى فى دلائل النبوة (٤) والهيثمى فى مجمع الزوائد (٥) قائلًا: "رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله ﷺ كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة" أهـ بتصرف.
قلت: وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه ﷺ للأصنام بأن المراد به شهوده ﷺ مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه ﷿ فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله ﷺ شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته ﷺ منه.
_________________
(١) المطالب العالية ٤/١٧٩ رقم ٤٢٦١.
(٢) ١/١٥٢.
(٣) ٢/٢٦٨.
(٤) ٢/٣٦.
(٥) ٨/٢٢٦.
[ ١٠٤ ]
.. "وأيًا كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جدًا، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى: يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده وقال القاضى عياض: والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه" (١) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها (٢) .
أما ما زعمه "در منغم" من تقربه ﷺ إلى العزى بشاة بيضاء (٣) وما ذكره الدكتور هيكل تبعًا له، من أنه ﷺ تمسح بالصفراء (٤) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟ ! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ﷺ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.