المبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.
المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.
تمهيد
الوحي الإلهى: هو كلمة الله ﷿ إلى عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور وهو أصل الدين، إذ يتعلق بكتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ والوحي فى الإسلام ثابت محفوظ بحفظ الله تعالى، والأمة مهيأة لخدمة نصوصه كما تقتضيه ظروف الحياة العلمية لها.
والوحي: أهم عنصر يميز شخصية النبى أو الرسول، وأكبر الدعائم التى ترتكز عليها حقيقة النبوة.
وقد دلت نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والسيرة العطرة على عصمة سيدنا محمد ﷺ، فى تبليغ وحى الله تعالى إلى الأمة، وانعقد إجماع علماء الأمة على ذلك.
إلا أنه يوجد فى كل أمة، وفى كل زمان ومكان، من يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى الله تعالى؛ من أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين، ومن أذيالهم المتسترين بعباءة القرآن الكريم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيون) .
أما المستشرقون: فشبهاتهم حول الوحي الإلهى قائمة على إنكار نبوة سيدنا رسول الله ﷺ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الاستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة، فقد نشأوا على أديان أخرى، ونفذوا بشئ من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعًا مقصودًا للإيقاع بنبوته، وحملوا حملًا مغرضًا لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة.
فزعموا تارة، أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وعقله العبقرى.
[ ٣٧٥ ]
وتارة ثانية، يزعمون أنه عبارة عن أمراض عقلية ونفسية، وهم بذلك يتناقضون مع أنفسهم؛ إذ كيف يجتمع الضدان، صفاء النفس، والعقل العبقرى، مع الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية؟! وتارة ثالثة، يزعمون أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ مقتبس من اليهودية والنصرانية، أو أنه وحى شيطانى بناءًا على فرية الغرانيق، وهذه الطعون فى الوحي الإلهى، هى رأى معظم المستشرقين الذين يدرسون ظاهرة الوحي والنبوة، ويخلطون عن عمد بين النبوة والعبقرية، ومعانى البطولة، ومعانى الرسالة، إذا استثنينا أولئك المستشرقين الذين ينحون بتفكيرهم نحو المادية والعلمانية، وينكرون الوحي كله جملة وتفصيلًا ويهاجمون النبوات كلها بما فيها نبوة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
أما أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ففاقت شبهاتهم حول الوحي الإلهى، شبهات أعداء الإسلام، إذ أعلنوا صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة رسول الله ﷺ، وسيرته العطرة الواردة فى سنته الشريفة.
وهم فيما يزعمون يتسترون بعباءة القرآن الكريم، وفاق تسترهم كل حد، إذ تجرأوا على كتاب ربهم ﷿، ففسروه وأولوه بما يأتى فى النهاية صراحة بردهم على الله ﷿ كلامه، وتطاولهم عليه ﷿ من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
إذ رسموا من خيالهم المريض صورة لدور رسول الله ﷺ فى رسالته - وهو أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق - تساعدهم فيما يكفرون به من سنة رسول الله ﷺ ٠
[ ٣٧٦ ]
.. فزعموا أن دور النبى ﷺ فى رسالته قاصرًا على بلاغ كتاب الله ﷿ فقط، وأنه ليست له سنة نبوية، وأن طاعته ﷺ الواردة فى القرآن الكريم، تعنى الطاعة لكتاب الله ﷿، وتنحصر فيها، ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله ﷺ شرك وتأليه له ﷺ، وأن من يقول بطاعته فقد كفر وأشرك بربه!.
وقبل تفصيل تلك الشبهات والرد عليها، أرى لزامًا على تأصيل المسألة أولًا: وذلك بالتعريف بالوحي، وكيفياته، ثم تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي الإلهى من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. فإلى تفصيل ذلك فى المبحثين التاليين: