٥- أما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) ففهم البعض من هذه الآية، أن تحريمه ﷺ على نفسه ما أحله الله له ابتغاء مرضاة أزواجه، أنه ارتكب ذنبًا، وبالتالى فهو غير معصوم! .
قال أحمد صبحى منصور (٢): "إن تحريم الحلال، اعتداء على حق الله تعالى فى التشريع، والله تعالى يقول فى ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٣) .
_________________
(١) الآية الأولى التحريم.
(٢) أحمد صبحى منصور، تخرج فى الأزهر الشريف، وحصل على العالمية فى التاريخ من الجامعة، وتبرأ من السنة النبوية، زاعمًا أن السنة عمل شيطانى، ورواتها مجرمون خونة، فتبرأت منه الجامعة، سافر إلى أمريكا، وعمل مع المتنبئ رشاد خليفة، يحاضر بالجامعة الأمريكية بمصر، ومدير رواق ابن خلدون الثقافى بالمقطم، من مؤلفاته: الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية، والمسلم العاصى، وعذاب القبر والثعبان الأقرع، والقرآن وكفى، وغير ذلك ينظر: قصته هو ورشاد خليفة فى كتابى: مسيلمة فى مسجد توسان، والدفاع عن السنة - الجزء الأول من سلسلة الإسلام واستمرار المؤامرة، كلاهما لفضيلة الدكتور طه حبيشى.
(٣) الآية ٨٧ المائدة، وينظر: الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٥٣، والنص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين، ص٢٩١، وحوار ومناقشة كتاب عائشة لهشام آل قطيط ص١٧٨، ١٩٠ - ١٩٢، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٩٥ - ٩٧، ١١٧، ١١٨.
[ ٢٦٦ ]
وأحمد صبحى منصور فيما أطلقه فى حق رسول الله ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ منه براء، وتعليله بما علل به، تصيد لزلة من زلات أحد المفسرين الأعلام هو الزمخشرى؛ إذ قال فى تفسيره: "كان هذا ما حرمه الرسول على نفسه من ملك اليمين أو العسل زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، لأن الله ﷿، إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فى إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة" (١) .
قلت: وعد الزمخشرى ﵀، ظاهر التحريم فى الآية زلة لرسول الله ﷺ، وتعليله بما علل به، زلة من الزمخشرى نفسه.
وإليك تفصيل ذلك فى الجواب:
أولًا: قبل دفع هذه الشبهة، وما قاله الزمخشرى، وتبعه فيه خصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، أذكر سبب نزول هذه الآية، حيث يوضح سبب النزول حقيقة ما حرمه رسول الله ﷺ على نفسه مما كان حلاله.
فأقول: وردت روايات فى صحيحى البخارى ومسلم، وتفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو العسل، كذلك وردت روايات أخرى تفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو وطء جاريته مارية ﵂ (٢) . فلنذكر كلا منهما، لنعرف من الموازنة بينهما أيهما أصح، ولنعرف أيضًا أيهما أكثر توافقًا وانسجامًا مع ألفاظ هذه الآية، والآيات بعدها.
أ- حديث العسل:
_________________
(١) الكشاف ٤/٤٥٠.
(٢) هى: مارية القبطية، مولاة رسول الله ﷺ، وسريته، وهى أم ولده إبراهيم ابن سيد ولد آدم ﷺ، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية، لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٢٥٣ رقم ٧٢٧٦، والاستيعاب ٤/١٩١٢ رقم ٤٠٩١.
[ ٢٦٧ ]
.. روى مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: إن النبى ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا. قالت: فتواطئت أنا وحفصة (١) أن أيتنا ما دخل عليها النبى ﷺ، فلتقل: إنى أجد منك ريح مغافير (٢) أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له. فقال: "بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له" فنزل: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ إلى قوله: "إن تتوبا (لعائشة وحفصة) وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثًا، لقوله: بل شربت عسلًا" (٣) .
وفى رواية للبخارى: "فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحدًا" (٤) وقد روى مسلم فى صحيحه روايتين، أحدهما السابقة، والتى تفيد أن التى سقت الرسول ﷺ العسل، زينب بنت جحش، وأن المتظاهرتين عليه هما عائشة وحفصة ﵄.
_________________
(١) هى: حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وزوج النبى ﷺ، توفيت سنة ٤١هـ، وقيل غير ذلك. لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٨٣ رقم ٣٣٩، والرياض المستطابة ص٣١٢، وأسد الغابة ٧/٦٧ رقم ٦٨٥٢، والاستيعاب ٤/١٨١١ رقم ٣٧٩٧.
(٢) بفتح الميم، وبغين معجمة، وفاء بعدها ياء، وأحدها مغفور وهو: صمغ حلو كالنَّاطِف، وله رائحة كريهة منكرة، ينضحه شجر يقال له: العرفط، يكون بالحجاز ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٦.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٥/٣٣٠ رقم ١٤٧٤.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب التفسير، باب سورة التحريم ٨/٥٢٤ رقم ٤٩١٢.
[ ٢٦٨ ]
.. والرواية الثانية تفيد أن التى سقته العسل هى حفصة، وأن المتظاهرات عليه من نسائه، سودة وعائشة وصفية ﵅ (١) والحديث الأول الذى فيه أن المتظاهرتين عائشة وحفصة ﵄ أرجح (٢) لما يلى:
لأنه يتوافق مع لفظ الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٣) فإنه بالتثنية.
ولأنه يتفق مع الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما بسندهما عن ابن عباس ﵄، أنه سأل عمر ﵁ عن المرأتين اللتين نزلت فيهما الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ فما أتم سؤاله حتى قال عمر: هما عائشة وحفصة ﵄ (٤) .
ب- حديث مارية ﵄:
_________________
(١) ينظر: صحيح مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها مع صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك ٩/٢٨٧ رقم ٥٢٦٨.
(٢) وهو رأى القاضى فى إكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/٢٩ رقم ١٤٧٤، واختاره النووى فى المنهاج شرح مسلم ٥/٣٣٤ رقم ١٤٧٤، وابن حجر فى فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦،وابن كثير فى تفسيره ٨/١٨٧.
(٣) جزء من الآية ٤ التحريم.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثًا والباب الذى يليه ٨/٥٢٦، ٥٢٧ رقمى ٤٩١٤، ٤٩١٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب الإيلاء واعتزال النساء ٥/٣٣٩ رقم ١٤٧٩.
[ ٢٦٩ ]
.. عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة، وحفصة حتى حرمها فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) .
وعن عمر ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية فى بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتى، ما صنعت بى هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليك، فقال: لا تذكرى هذا لعائشة، فهى علىَّ حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهى جاريتك، فحلف لها لا يقربها، فقال النبى ﷺ، لا تذكريه لأحد، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهرًا، فاعتزلهن تسعًا وعشرين ليلة: فأنزل الله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٢) .
_________________
(١) الآية الأولى التحريم، والحديث أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب الغيرة ٥/٢٨٦ رقم ٨٩٠٧، وفى كتاب التفسير، باب سورة التحريم ٦/٤٩٥ رقم ١١٦٠٧، وسنده صحيح كما قال الحافظ فى فتح البارى ٩/٢٨٨ رقم ٥٢٦٦، والحاكم فى المستدرك ٢/٥٣٥ رقم ٣٨٢٤ وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(٢) أخرجه الدارقطنى فى سننه كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ٤/٤١، ٤٢ رقم ١٢٢، قال العظيم آبادى فى التعليق المغنى ٤/٤١ فيه عبد الله بن شعيب هو أبو سعيد أخبارى علامة لكنه واه، قال الحاكم ذاهب الحديث، وكذا حاله فى لسان الميزان ٢/٤٣٩ رقم ٤٣٧٨، وأخرجه الهيثمى بن كليب فى مسنده بنحوه عن عمر بسند صحيح كما قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٨/١٨٦، وينظر: فتح البارى ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١.
[ ٢٧٠ ]
.. وللحديث شواهد أخرى (١) بمجموعها يتبين أن للقصة أصلًا، كما قال الحافظ ابن حجر، وزاد أحسب لا كما زعم القاضى عياض أن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح (٢) وغفل – ﵀ – عن طريق النسائى التى سلفت، فكفى بها صحة (٣) .
وهناك أقوال أخرى غير ما سبق فى أسباب نزول آية التحريم، ولكن ضعفها العلماء لإرسالها وشذوذها (٤) ولهذا استبعدت ذكرها.
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقى فى سننه كتاب الخلع والطلاق، باب من قال لامرأته، أنت على حرام ٧/٣٥١، والطبرانى فى الكبير ١١/٨٦ رقم ١١١٣٠، والبزار بإسنادين رجالهما رجال الصحيح غير بشر بن آدم الأصغر وهو ثقة، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٢٦، وعن قتادة مرسلًا، أخرجه أبو داود فى المراسيل، كتاب النكاح، باب ما جاء فى الحرام ص٩٤ رقم ٢٥٤، وعن مسروق مرسلًا أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ١/٤٣٨ رقم ٦٧٠٧، وإسناده صحيح كما قال الحافظ فى فتح البارى ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١، وعن زيد بن أسلم مرسلًا، أخرجه الطبرانى بسند صحيح كما قال الحافظ فى الفتح ٩/٢٨٨ رقم ٥٢٦٦.
(٢) ينظر:إكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/٢٩ رقم ١٤٧٤، والمنهاج شرح مسلم ٥/٣٣٥ رقم ١٤٧٤.
(٣) تلخيص الحبير ٣/٤٤٧ رقم ١٥٩٥، وكذا قال فى الفتح ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١.
(٤) ينظر: فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/١٨٧، وأحكام القرآن لابن العربى ٤/١٨٣٣.
[ ٢٧١ ]
.. ويبقى معنا قولان: الأول: وهو تحريم العسل، والثانى: وهو تحريم مارية أما القول الأول: فهو إن كان أقوى من جهة رواية الشيخين له، ورجحه بعض الأئمة على ما سبق قريبًا، إلا أن القول الثانى: أكثر موافقة لألفاظ الآيات، ومال إلى ترجيحه ابن الجوزى (١) فى تفسيره، وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين، وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمى فى تفسيره حيث قال: "والذى يظهر لى هو ترجيح روايات تحريم الجارية فى سبب نزولها وذلك لوجوه: منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (٢) ويهتم به لهن. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه (٣) .
ولا مانع من القول بعد كل هذا بأن الآية نزلت بعد القصتين، فاقتصر بعض الرواة على إحداهما، والبعض الأخرى على نقل الأخرى. قال الحافظ فى فتح البارى: "وطريقة الجمع بين هذا الاختلاف، الحمل على التعدد، فلا يمتنع أن تكون الآية نزلت فى السببين معًا" (٤) .
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزى القرشى البغدادى، ابو الفرج، علامة عصره فى الحديث والتاريخ، له نحو ثلاثمائة مصنف منها: زاد المسير فى التفسير، والمنتظم فى تاريخ المملوك والأمم. مات سنة ٥٩٧هـ له ترجمة فى: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/٣١، وطبقات المفسرين للداودى ١/٢٧٥ رقم ٢٦٠، وتذكرة الحفاظ للذهبى ٤/١٣٤٢ رقم ١٠٩٨، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١/٣٩٩، والنجوم الزاهرة لابن تغرى ٦/١٧٤.
(٢) يقصد بالضرات الزوجات، وإن كانت السرية ليست ضرة بالمعنى الشرعى، وإنما هى ضرة فى الواقع النفسى لهن.
(٣) محاسن التأويل ١٦/٥٨٥٥.
(٤) فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦، ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١٢.
[ ٢٧٢ ]
.. قلت: وأيًا كان السبب، فإن ما أطلقه الزمخشرى، وتابعه فيه خصوم السنة النبوية، والسيرة العطرة، فى حق النبى ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ مما أطلقوه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين:
الوجه الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله ﷿، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الإيمان، وإن صدر! سلب المؤمن حكم الإيمان.
والزمخشرى كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ أن يعتقد رسول الله ﷺ تحريم ما أحله الله له وما هذه من الزمخشرى إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض أدعياء العلم على ما سبق.
الوجه الثانى: الامتناع عما أحله الله ﷿، وهو المعنى الأصلى لمادة "حرم" فى اللغة (١) وقد ورد التحريم بهذا المعنى فى القرآن الكريم فى آيات منها:
قوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ (٢) أى منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه (٣) .
وقوله ﷿: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ (٤) أى منعه من دخولها.
وقوله سبحانه: ﴿كل الطعام كان حلًا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٥) أى إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب ﵇ عنه من قبل نفسه.
والامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكدًا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.
_________________
(١) فحرمه، وتحريمه، وحرمانًا، وأحرمه، أى منعه. والمحروم: الممنوع عن الحير، ومن لا ينمى له مال، ومنه الصيام إحرام، لامتناع الصائم عما يفسد صومه ينظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٥، والقاموس المحيط ٤/٩٣، ومختار الصحاح ص١٣٢، والنهاية فى غريب الحديث ١/٣٥٨.
(٢) الآية ١٢ القصص.
(٣) جامع البيان للطبرى ٢٠/٤٠.
(٤) الآية ٧٢ المائدة.
(٥) الآية ٩٣ آل عمران.
[ ٢٧٣ ]
وعلى هذا الوجه الثانى تحمل آية التحريم، والتفسير الصحيح، والحديث الصحيح يعضده فإن النبى ﷺ فى العسل قال: "فلن أعود له، وقد حلفت". وفى مارية عندما قالت حفصة، كيف تحرم عليك وهى جاريتك حلف لها لا يقربها.
فالتحريم منه ﷺ كان امتناعًا عن العسل أو مارية، وهو امتناع أكده باليمين، مع اعتقاد حله، ولذا نزلت الآيات وفيها الحث على التحلل من يمينه، والتكفير عنه، قال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (١) وهذا المقدار مباح، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم (٢) .
وإنما قيل له ﷺ: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٣) رفقًا به، وشفقه عليه، وتنويهًا لقدره بحيث لا يجب له أن يضيق على نفسه فى سبيل إرضاء أى شخص، فيكون معنى الآية على هذا، وقد صدرت بندائه بوصف النبوة تشريفًا لمكانه، وتعظيمًا لمقامه، يا أيها النبى لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك، مما لك فيه رغبة ومتعة وسرور، تبتغى بذلك مرضاة أزواجك؟ وهن أحق أن يسعين فى رضاك ليسعدن!.
وهذا القيد ﴿تبتغى مرضاة أزواجك﴾ هو محط العتاب فى الحقيقة، وليس مجرد منعه ﷺ نفسه من المتعة بالمباح، محلًا للعتاب، لأنه ﷺ كثيرًا ما منع نفسه من بعض المباحات، التى ينعم بها الناس، ولاسيما فى مجال المتعة الجسدية، زهدًا فى الدنيا وبعدًا عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شئ من ذلك كله.
_________________
(١) اٍلآية ٢ التحريم.
(٢) يراجع ما سبق ص ١٢٧، ١٤٧.
(٣) جزء من الآية الأولى التحريم.
[ ٢٧٤ ]
إذن فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ منَّة وتعظيم من الله ﷿ لرسوله ﷺ برفع الحرج عليه، فى الامتناع عن شئ ليرضى أزواجه، إذ هنَّ وسائر المؤمنين أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن، قال تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ (١) .
فتأمل كيف أن صلاته ﷺ مأمورا بها ليرضى هو، لا ليكفر الله عنه سيئاته، ولا ليرضى عليه، وحينئذ فلا كلفة عليه فيها، لأن فيها شهوده لربه الذى هو قرة عينه، كما قال ﷺ: "وجعلت قرة عينى فى الصلاة" (٢) فانظر: إلى هذا الخطاب اللطيف المشعر بأنه ﷺ حبيب رب العالمين، وأفضل الخلق أجمعين، حيث قال له ربه: ﴿لعلك ترضى﴾ ولم يقل: لعلى أرضى عنك، ونحو ذلك (٣) .
_________________
(١) الآية ١٣٠ طه.
(٢) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب عشرة النساء، باب حب النساء ٧/٦١ رقم ٣٩٣٩، وأحمد فى مسنده ٣/١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥، والحاكم فى المستدرك ٢/١٧٤ رقم ٢٦٧٦ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وعزاه العراقى فى تخريج الإحياء ٢/٣٥ إلى النسائى والحاكم وقال: إسناده جيد، وأخرجه البيهقى فى سننه الكبرى ٧/٨٧.
(٣) ينظر: دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين لعبد الله الغمارى ص٩٢.
[ ٢٧٥ ]
ومن هنا جعل رب العزة رضاه عن خلقه، مقترنًا برضا حبيبه ومصطفاه ﷺ عنهم، حيث أتبع رضا نبيه لرضاه سبحانه مباشرة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسول أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ (١) فوحد ﷿ الضمير فى "يرضوه" مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية؛ لأن إرضاء الرسول ﷺ لا ينفك عن إرضاء الله تعالى، كما قال ﷿: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) فلتلازمهما جعلًا كشئ واحد، فعاد إليهما الضمير المفرد (٣) وإذا كان الله تعالى قد جعل إرضاء رسوله ﷺ إرضاءً له، وطاعته طاعة له، فذلك دليل على كمال رضاه عنه فى الدنيا قبل الآخرة، وليس أدل على ذلك من مسارعة ربه لمرضاته ﷺ كما قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٥) .
فتأمل هذا الخطاب، وقارنه بخطاب موسى ﵇ لربه ﴿وعجلت إليك ربى لترضى﴾ (٦) .
_________________
(١) الآية ٦٢ التوبة.
(٢) الآية ٨٠ النساء.
(٣) روح المعانى للألوسى ١٠/١٢٨.
(٤) جزء من الآية ١٤٤ البقرة.
(٥) الآية ٥ الضحى.
(٦) الآية ٨٤ طه.
[ ٢٧٦ ]
وهذه المسارعة فى مرضاته ﷺ لاحظتها أم المؤمنين عائشة ﵂، لما أنزل الله تعالى: ﴿ترجى (١) من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ (٢) قال عائشة قلت: "ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك" (٣) أى ما أرى الله إلا موجودًا لما تريد بلا تأخير، منزلًا لما تحب وتختار وترضى (٤) وإنما جاء التعبير بالهوى هنا، بدافع الغيرة، وحاشاها ﵂ أن تعنى حقيقة اللفظ!.
_________________
(١) حاصل ما نقل فى تأويل "ترجى" أقوال: أحدها تُطَلِق وتُمْسِك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق، وتقسم لغيرها؛ ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات، وترد من شئت والحديث يؤيد هذا الأخير، والذى قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، وظاهر ما حكته عائشة ﵂ من استئذانه أنه لم يرج أحدًا منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهرى: "ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه" وعن قتادة: "أطلق له أن يقسم كيف شاء، فلم يقسم إلا السوية" ينظر: فتح البارى ٨/٣٨٦ رقم ٤٧٨٨.
(٢) الآية ٥١ الأحزاب.
(٣) بداية الحديث، قالت عائشة: كنت أغار على اللاتى وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ الآية" والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ترجى من تشاء منهن ٨/٣٨٥ رقم ٤٧٨٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ٥/٣٠٥ رقم ١٤٦٤.
(٤) ينظر: فتح البارى ٨/٣٨٦ رقم ٤٧٨٨.
[ ٢٧٧ ]
وبعد: أليس فيما سبق تأكيد لما فى آية التحريم من منَّة وتكريم وتعظيم لرسول الله ﷺ، وشفقة عليه، ورفقًا به، بحيث لا يجب عليه أن يمتنع عن شئ مباح له من أجل مرضاة أزواجه، إذ هن وسائر الأمة كافة أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن فى الدنيا والآخرة؟! وإذا افترض أن فى الآية إنكارًا عليه، ودليل على أنه صدر منه ذنب – عصمه الله من ذلك - فقوله تعالى فى ختام الآية ﴿والله غفور رحيم﴾ يدل على حصول الغفران، وبعد حصول الغفران، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه!.
بمعنى: أنه يمتنع أن يقال أن قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ دليل على كون الرسول مذنبًا! وإذا صح أن فى الآية عتاب، فهو وارد بأحسن ما يكون العتاب من تعظيم المولى ﷿ لنبيه ﷺ، حيث ناداه وخاطبه فى هذا المقام بوصف النبوة فى أكثر من موطن فى القصة بدأً من أولها، قال تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا﴾ (٢) ولكن أنى يكون العتاب؟ وأنى يصح افتراضه، مع ما ورد فى القصة من قوله ﷿: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٣) إن فى الآية بيان لمن أذنب، ولمن يستحق العتاب والتأديب، من نسائه اللائى تظاهرن عليه ﷺ، وأفشين سره، إنهن بالتظاهر، وإفشاء السر، آذين رسول الله ﷺ، والتوبة من ذلك واجبة فى حقهن، لأن قلوبهن قد مالت عن الحق، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿زاغت قلوبكما﴾ (٤) وعلى هذا فإن قوله ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ليس جواب الشرط، وإنما هو دليله وتعليله.
_________________
(١) الآية الأولى التحريم.
(٢) الآية ٣ التحريم.
(٣) الآية ٤ التحريم.
(٤) روح المعانى ٢٨/ ١٥٢.
[ ٢٧٨ ]
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله ﷺ، وإيذائه بالتظاهر عليه، وإفشاء سره، فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق فى مغاضبة رسول الله ﷺ وإيذائه.
ويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر، يأتى من حمل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ على معنى أنها مالت إلى الحق، وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسول الله (١) وندمت على ما كان منها، من مغاضبة النبى ﷺ، وإيذائه.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة النبى ﷺ، وتندمًا على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق، ومصالحة النبى ﷺ ومرضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة، وإيذاء لم يكن صادرًا عن قلوبكما، وإنما هو فورة غضب، ونار غيرة.
ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٢) أى إن استمررتما على المغاضبة، والإيذاء، وتعاونتما عليه ﷺ، فإن الله ناصره بقوته القاهرة، وخواص ملائكته، وعامتهم، وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ٠
_________________
(١) محاسن التأويل ١٦/٥٨٦٣.
(٢) جزء من الآية ٤ التحريم.
[ ٢٧٩ ]
ثم تلطف الله تعالى بنبيه ﷺ إظهارًا لحفاوته به، وإعلاء لمقامه، بما زاد فى تأديب الزوجات الطاهرات، متمشيًا مع أسلوب الزجر والتهديد فقال: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارًا﴾ (١) أى جامعات للكمال فى إسعاده ﷺ حسًا ومعنى، فلا يعصين له أمرًا، ولا يخالفن له نهيًا، يعملن على إسعاده، وإدخال السرور عليه، بما يفرغ قلبه من حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم، وهو تبليغ رسالته، وتعليم أمته، وإعطاؤها الأسوة الحسنة به، لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس (٢) .
وكل ما سبق تأكيد على أن قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ليس إنكارًا عليه، ولا عتابًا له على ذنب، بل تكريمه وتعظيمه على نحو ما سبق فى قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٣) ونحو ما يقول الإنسان منا لعزيز عليه، ضيق على نفسه فى شئ، والله حرام عليك فعل كذا، والمراد: إظهار مكانته، وفضله، وشرفه، إذ كيف يفعل هذا الأمر الذى فيه مشقة عليه، مع عظم مكانته، والمراد "حرام عليك ظلم نفسك" وليس المراد تأثيم المخاطب المعظم بنحو هذه العبارة، وهذا غاية ما يمكن أن يدعى فى قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل بالنسبة لمقامه العظيم، وترك الأولى فى المباح ليس بذنب فى حقه ﷺ.
_________________
(١) الآية ٥ التحريم.
(٢) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد للدكتور عويد المطرفى ص٢٦٣ – ٢٧٩.
(٣) الآية ٤٣ التوبة، ويراجع ص١٤٨.
[ ٢٨٠ ]
وبعد: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته ﷺ، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره، ما يقضى بأنه جمع أقصى درجات التكريم، ويكفى أن تجد هذا التصريح بعظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، على نحو ما سبق تفصيله فى هذا المبحث الذى وصلنا إلى نهايته الآن، وسوف أنتقل بإذن الله تعالى، إلى شبهاتهم على عدم عصمته فى عقله من السنة المطهرة والرد عليها فى المبحث التالى، فإلى بيان ذلك.
[ ٢٨١ ]