فَصْلٌ
وَكَانَ ﷺ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ يُطِيلُهَا حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ، وَكَانَ يُطِيلُ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَهَذَا لِأَنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَلَائِكَتُهُ، وَقِيلَ: يَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ النُّزُولَ الْإِلَهِيَّ هَلْ يَدُومُ إِلَى انْقِضَاءِ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ هَذَا وَهَذَا.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمَّا نَقَصَ عَدَدُ رَكَعَاتِهَا جُعِلَ تَطْوِيلُهَا عِوَضًا عَمَّا نَقَصَتْهُ مِنَ الْعَدَدِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَكُونُ عَقِيبَ النَّوْمِ وَالنَّاسُ مُسْتَرِيحُونَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بَعْدُ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَعَاشِ وَأَسْبَابِ الدُّنْيَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي وَقْتٍ تَوَاطَأَ فِيهِ السَّمْعُ وَاللِّسَانُ وَالْقَلْبُ لِفَرَاغِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِ الِاشْتِغَالِ فِيهِ، فَيَفْهَمُ الْقُرْآنَ وَيَتَدَبَّرُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا أَسَاسُ الْعَمَلِ وَأَوَّلُهُ، فَأُعْطِيَتْ فَضْلًا مِنَ الِاهْتِمَامِ بِهَا وَتَطْوِيلِهَا، وَهَذِهِ أَسْرَارٌ إِنَّمَا يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ الْتِفَاتٌ إِلَى أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدِهَا وَحُكْمِهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.