فَصْلٌ
ثُمَّ كَانَ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ.
هَذَا كَانَ فِعْلَهُ الرَّاتِبَ رَوَاهُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رمثة، وعدي بن عميرة، ﵃.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ («كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ») وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ
[ ١ / ٢٥٠ ]
عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَأَجْوَدُ مَا فِيهِ حَدِيثُ عائشة ﵂ أَنَّهُ ﷺ («كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ حَتَّى يُوقِظَنَا») وَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَالَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ التَّسْلِيمَتَيْنِ رَوَوْا مَا شَاهَدُوهُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عائشة لَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً يُوقِظُهُمْ بِهَا، وَلَمْ تَنْفِ الْأُخْرَى، بَلْ سَكَتَتْ عَنْهَا، وَلَيْسَ سُكُوتُهَا عَنْهَا مُقَدَّمًا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ حَفِظَهَا وَضَبَطَهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَحَادِيثُهُمْ أَصَحُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ صَحِيحٌ، وَالْبَاقِي حِسَانٌ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ «عَنِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عائشة، وَمِنْ حَدِيثِ أنس، إِلَّا أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ، وَلَا يُصَحِّحُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ حَدِيثِ سعد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» . قَالَ: وَهَذَا وَهْمٌ وَغَلَطٌ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عامر بن سعد، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى صَفْحَةِ خَدِّهِ») فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا سَمِعْنَا هَذَا مِنْ حَدِيثِ
[ ١ / ٢٥١ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَكُلَّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَنِصْفَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاجْعَلْ هَذَا مِنَ النِّصْفِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْ. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة ﵂: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: («كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً») فَلَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ إِلَّا زهير بن محمد وَحْدَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة، رَوَاهُ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ، وزهير بن محمد ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، كَثِيرُ الْخَطَأِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَذُكِرَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ هَذَا الْحَدِيثُ فَقَالَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وزهير ضَعِيفَانِ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا قَالَ: وَأَمَّا
[ ١ / ٢٥٢ ]
حَدِيثُ أنس، فَلَمْ يَأْتِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ أنس، وَلَمْ يَسْمَعْ أيوب مِنْ أنس عِنْدَهُمْ شَيْئًا، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا «عَنِ الحسن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً»، وَلَيْسَ مَعَ الْقَائِلِينَ بِالتَّسْلِيمَةِ غَيْرُ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالُوا: وَهُوَ عَمَلٌ قَدْ تَوَارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَمِثْلُهُ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى لِوُقُوعِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَارًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ قَدْ خَالَفَهُمْ فِيهَا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، وَالصَّوَابُ مَعَهُمْ، وَالسُّنَنُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُدْفَعُ وَلَا تُرَدُّ بِعَمَلِ أَهْلِ بَلَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَقَدْ أَحْدَثَ الْأُمَرَاءُ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ أُمُورًا اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا الْعَمَلُ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى اسْتِمْرَارِهِ، وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ مَا كَانَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَمَّا عَمَلُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَبَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ مَنْ كَانَ بِهَا فِي الصَّحَابَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَمَلِ غَيْرِهِمْ، وَالسُّنَّةُ تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، لَا عَمَلُ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.