فَصْلٌ
(«وَسَلَّمَ ﷺ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ») .
وَذَكَرَ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («صَلَّى بِهِمْ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ») . وَقَالَ الترمذي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[ ١ / ٢٧٩ ]
(«وَصَلَّى يَوْمًا فَسَلَّمَ وَانْصَرَفَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ، فَأَدْرَكَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: نَسِيتَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً، فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأَمَرَ بلالا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ رَكْعَةً») ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀.
(«وَصَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(«وَصَلَّى الْعَصْرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَذَكَّرَهُ النَّاسُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ») .
فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا حُفِظَ عَنْهُ ﷺ مِنْ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ خَمْسَةُ مَوَاضِعَ، وَقَدْ تَضَمَّنَ سُجُودَهُ فِي بَعْضِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَفِي بَعْضِهِ بَعْدَهُ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَقَالَ أبو حنيفة ﵀: كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَقَالَ مالك ﵀: كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ سَهْوَانِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ فَالسُّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَذْهَبُهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِيهِ، وَلَوْ سَجَدَ أَحَدٌ عِنْدَهُ لِسَهْوِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ السُّجُودَ كُلَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ، لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَالسَّلَفِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فَقَالَ الأثرم: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: فِي مَوَاضِعَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَفِي مَوَاضِعَ بَعْدَهُ، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذي اليدين.
وَمَنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ سَجَدَ أَيْضًا بَعْدَ السَّلَامِ، عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَفِي التَّحَرِّي يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي الْقِيَامِ مِنِ اثْنَتَيْنِ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابن بحينة، وَفِي الشَّكِّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
[ ١ / ٢٨١ ]
قَالَ الأثرم: فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: فَمَا كَانَ سِوَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؟ قَالَ يَسْجُدُ فِيهَا كُلِّهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يُتِمُّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَرَأَيْتُ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، فَيَقْضِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَكِنْ أَقُولُ: كُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَسَائِرُ السَّهْوِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَقَالَ داود بن علي: لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي الْخَمْسَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. انْتَهَى.
وَأَمَّا الشَّكُّ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ ﷺ بَلْ أَمَرَ فِيهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِسْقَاطِ الشَّكِّ، وَالسُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ. فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الشَّكُّ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْيَقِينُ، وَالتَّحَرِّي فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشَّكَّ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي وَهُوَ أَكْثَرُ الْوَهْمِ، سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي يَرْوِيهِ منصور. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أبي سعيد، فَهُوَ («إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثَا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ») .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ («إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِي لَفْظِ "الصَّحِيحَيْنِ": («تُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ») وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ التَّحَرِّي وَالْيَقِينِ، أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَانَ إِمَامًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَأَكْثَرِ وَهْمِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحَرِّي، فَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أبي سعيد، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ فِي تَحْصِيلِ ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ.
وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ
[ ١ / ٢٨٢ ]
أُخْرَيَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ومالك، وَالْأُخْرَى: عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّكِّ، وَبَيْنَ الظَّنِّ الْغَالِبِ الْقَوِيِّ، فَمَعَ الشَّكِّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَمَعَ أَكْثَرِ الْوَهْمِ أَوِ الظَّنِّ الْغَالِبِ يَتَحَرَّى، وَعَلَى هَذَا مَدَارُ أَجْوِبَتِهِ. وَعَلَى الْحَالَيْنِ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أبو حنيفة ﵀ فِي الشَّكِّ: إِذَا كَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ، اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ، بَنَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.