السنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة. وقال ابن أبي شيبة (^١): السنَّة ما روي عن النبي - ﷺ -، وهو الذي ثبت عنه أنه كان يضع يمينه على شماله في الصلاة. قال أبو إسحاق الجُوزجاني (^٢): وأما ما ذكروا من فوق السُّرَّة وتحتها، فإني لا أعرفه عن النبي - ﷺ -، غيرَ أنَّ عليًّا قال: من السنَّة في الصلاة المكتوبة وضعُ اليمنى على اليسرى تحت السُّرَّة (^٣).
وكان يستفتح تارةً بـ «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب. اللهمَّ اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد. اللهمَّ نقِّني من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس» (^٤).
وتارةً يقول: «وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما
_________________
(١) لم أهتد إلى مصدره.
(٢) في كتابه «المترجَم» في شرح مسائل الشالنجي، فيما يظهر. وهو من مصادر المصنف وشيخه. وانظر كلام المصنف في موضع وضع اليد في «بدائع الفوائد» (٣/ ٩٨١ - ٩٨٣).
(٣) العبارة «فوق الرسغ والساعد تحت السرة» ساقطة من مب، ن وكذا من النسخ المطبوعة.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أنا من المشركين. إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين. اللهم أنت المَلِك، لا إله إلا أنت. أنت ربِّي، وأنا عبدك. ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا (^١)، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدِني لأحسنِ الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِفْ عني سيِّئَ الأخلاق لا يصرِف عنِّي سيِّئَها إلا أنت. لبَّيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشرُّ ليس إليك. أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (^٢). ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح كان يقوله في قيام الليل.
وتارةً يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، فإنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (^٣).
وتارةً يقول: «اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن » الحديث، وقد تقدم (^٤)؛ فإن في بعض طرقه الصحيحة عن ابن
_________________
(١) ما عدا ج: «جميعها».
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب. وما قاله المؤلف بعده يدل عليه صنيع الإمام مسلم حيث أورده ضمن الأدعية المأثورة عن النبي - ﷺ - في قيامه بالليل، وقد بوَّب عليه ابن خير الإشبيلي في نسخته لـ «صحيح مسلم»: «باب منه» أي من دعاء النبي - ﷺ - إذا قام من الليل.
(٣) أخرجه مسلم (٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) في هدي النبي - ﷺ - في نومه وانتباهه (ص ١٦٠).
[ ١ / ٢٢٤ ]
عباس أنه كبَّر ثم قال ذلك (^١).
وتارةً يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا. سبحان الله بكرةً وأصيلًا، سبحان الله بكرةً وأصيلًا، سبحان الله بكرةً وأصيلًا. اللهمَّ إني أعوذ بك من الشيطان، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه» (^٢).
وتارةً يقول: «الله أكبر، عشر مرَّات، ثم (^٣) يسبِّح عشرًا، ثم يحمد عشرًا، ويهَلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا. ثم يقول: اللهم اغفِرْ لي وَاهْدِني وارزقني عشرًا. ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة، عشرًا» (^٤).
= فكلُّ هذه الأنواع قد صحَّت عنه.
وروي عنه أنه كان يستفتح بـ «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمُك،
_________________
(١) وهو عند ابن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص ١١٣) وابن خزيمة (١١٥٢) وأبي عوانة (٢٢٣٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٤٣) وغيرهم.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٧٣٩، ١٦٧٤٠، ١٦٧٨٤) وأبو داود (٧٦٤) وابن ماجه (٨٠٧) وابن خزيمة (٤٦٨، ٤٦٩) وابن حبان (١٧٧٩، ١٧٨٠) والحاكم (١/ ٢٣٥) والبيهقي (٢/ ٣٥) من حديث جبير بن مطعم. قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٣٥): «وحديث جبير بن مطعم رواه عباد بن عاصم وعاصم العنزي، وهما مجهولان لا يدرى من هما». وانظر: حاشية محققي «المسند» (١٦٧٣٩).
(٣) هنا انتهى الخرم في ق.
(٤) أخرجه أحمد (٢٥١٠٢) وأبو داود (٧٦٦، ٥٠٨٥) والنسائي في «المجتبى» (١٦١٧، ٥٥٣٥) و«الكبرى» (١٣١٩، ٧٩٢١، ١٠٦٤١) وابن ماجه (١٣٥٦) من حديث عائشة. صححه ابن حبان (٢٦٠٢) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٣/ ٣٥٢، ٣٥٣).
[ ١ / ٢٢٥ ]
وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك»، ذكر ذلك عنه أهل «السنن» (^١) من حديث علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد، على أنه ربما أرسل. وقد روي مثله من حديث عائشة (^٢). والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح به في مقام النبيِّ - ﷺ -، ويجهر به يعلِّمه الناس (^٣).
قال الإمام أحمد (^٤): أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أنَّ رجلًا استفتح ببعض ما روي عن النبي - ﷺ - من الاستفتاح كان حسنًا. وإنما اختار
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) والنسائي في «المجتبى» (٨٩٩) و«الكبرى» (٩٧٤) وابن ماجه (٨٠٤). قال الترمذي: «وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث». وقال أبو داود: «وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر». وقال البيهقي (٢/ ٣٤، ٣٥): «وأصح ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب». وقد أطال ابن عبد الهادي النفس حول شواهد هذا الحديث ومتابعاته فأجاد وأفاد، انظر: «تنقيح التحقيق» (٢/ ١٥٠ - ١٥٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٦) والترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦). قال الترمذي: «هذا حديث، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحارثة [بن أبي الرجال] قد تكلم فيه من قبل حفظه». وقال أبو داود: «وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بُدَيلٍ جماعةٌ لم يذكروا فيه شيئًا من هذا». وانظر: «تنقيح التحقيق».
(٣) أخرجه مسلم (٣٩٩) وعبد الرزاق (٢٥٥٧) وابن أبي شيبة (٢٣٨٧، ٢٣٨٩) من طرق عن عمر. وانظر: «المحرر» (٢١٩) و«تنقيح التحقيق» (٢/ ١٥١ - ١٥٢).
(٤) بنحوه في «مسائله» برواية الكوسج (١٨٥ - دار الهجرة). وانظر: «مسائله» برواية أبي داود (ص ٤٦) وابنه عبد الله (٢٧٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]
أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتها في موضع آخر (^١).
منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الصحابة.
ومنها: اشتماله (^٢) على أفضل الكلام بعد القرآن، فإن أفضل الكلام بعد القرآن: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (^٣). وقد تضمَّنها هذا الاستفتاح مع تكبيرة الإحرام.
ومنها: أنه استفتاح أُخْلِصَ للثناء على الله، وغيرُه متضمِّن للدعاء؛ والثناءُ أفضل من الدعاء. ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدِل ثلثَ القرآن، لأنها أُخلِصت لوصف الرحمن ﵎ والثناء عليه. ولهذا كان «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» أفضل الكلام بعد القرآن، فيلزم أنَّ ما تضمَّنها من الاستفتاح أفضل من غيره من الاستفتاحات.
ومنها: أن غيره من الاستفتاحات عامَّتُها إنما هي في قيام الليل في النافلة، وهذا كان عمر يعلِّمه (^٤) الناس في الفرض.
ومنها: أن هذا الاستفتاح إنشاءٌ للثناء على الرَّبِّ تعالى، متضمِّن للإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله؛ والاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» إخبارٌ عن عبودية العبد. وبينهما من الفرق (^٥) ما بينهما.
ومنها: أن من اختار الاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» لا يكمله، وإنما يأخذ
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) من هنا بدأت المقابلة على نسخة دار الكتب المصرية برقم ٢٣١ (م).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٣٧) عن سمرة بن جندب. واللفظ هنا لأحمد (٢٠٢٢٣).
(٤) ق: «علَّمه».
(٥) ص: «القرب»، تصحيف.
[ ١ / ٢٢٧ ]
قطعةً من الحديث، ويذَر باقيه؛ بخلاف الاستفتاح بـ «سبحانك اللهم»، فإنَّ (^١) من ذهب إليه يقوله كلَّه (^٢) إلى آخره.
وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (^٣)، ثم يقرأ (^٤) الفاتحة. وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارةً، ويخفيها أكثر مما يجهر بها. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا كلَّ يوم وليلة ستَّ مرَّات (^٥) أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور الصحابة وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى (^٦) يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية. فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. وهذا موضع يستدعي مجلَّدًا ضخمًا (^٧).
وكانت قراءته مدًّا، يقف عند كلِّ آية، ويمدُّ بها صوته (^٨).
_________________
(١) ق، م، مب: «قال»، تصحيف.
(٢) «كله» من ق، م، مب، ن.
(٣) ذكر الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٢٧٥) أنه لا يصح عن النبي - ﷺ - الاقتصار على هذا القدر من التعوذ إلا ما ورد في مرسل الحسن. وسيأتي الكلام على التعوذ بالتفصيل.
(٤) ك: «ويقرأ».
(٥) يعني الركعات الستَّ الجهرية في الفجر والمغرب والعشاء. وفي ن: «خمس مرَّات»، وكذا في النسخ المطبوعة، والظاهر أنه تصرف ناسخ ظنها خمس صلوات.
(٦) ق، م: «حين»، تصحيف.
(٧) ولابن عبد البر كتاب حافل في الموضوع بعنوان: «الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب من الاختلاف».
(٨) أخرجه البخاري من حديث أنس (٥٠٤٦). وروي أيضًا من حديث أم سلمة، وسيأتي تخريجه (ص ٦١٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]