ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب - ﵂ -. وذكر أبو داود (^١) أنه طلَّقها ثم راجعها.
ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال بن عامر، وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين.
ثم تزوج أمَّ سلمة هندَ بنت أبي أمية القرشية المخزومية (^٢)، واسمُ أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه (^٣) موتًا. وقيل: آخرهن موتًا صفية (^٤).
واختُلِف (^٥) فيمن ولي تزويجها منه. فقال ابن سعد في «الطبقات» (^٦): ولي تزويجها منه سلَمة بن أبي سلَمة دون غيره من أهل بيتها. ولما زوَّج النبيُّ - ﷺ - سلَمةَ بن أبي سلمة أمامةَ بنت حمزة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد قال: «هل جزيتُ سلمةَ» (^٧)، يقول ذلك، لأن سلمة هو الذي ولي
_________________
(١) برقم (٢٢٨٣) من حديث ابن عباس عن عمر، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (٣٥٦٠) وفي «الكبرى» (٥٧٢٣) وابن ماجه (٢٠١٦)، صححه ابن حبان (٤٢٧٥، ٤٢٧٦).
(٢) بعده في ص، ج، ق: «واسمها هند بنت أبي أمية».
(٣) وقع بعده خرم في ق.
(٤) العبارة «وقيل: آخرهن موتًا صفية» جاءت في ك، ع بعد الإضافة الآتية.
(٥) العبارة «واختلف وأن ذلك من خصائصه» لم ترد في ج. وقد وردت في حاشية ص ومتن ك، ع، مب، ن. والظاهر أن المؤلف أضافها فيما بعد.
(٦) (٦/ ٥٣٢). وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ٢٤٣) من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد مرسلًا.
(٧) ذكره ابن إسحاق (ص ٢٤٣) والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (٣/ ٧، ٦/ ٥٣٢، ١٠/ ١٥٣)، وأخرجه البيهقي (٧/ ١٢١) من طريق الواقدي عن ابن عباس، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٩٥ ]
تزويجه دون غيره من أهله. ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة، عن الواقدي (^١): حدثني مجمِّع بن يعقوب، عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - خطب أمَّ سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة، فزوَّجها رسولَ الله - ﷺ - وهو يومئذ غلام صغير.
وقال الإمام أحمد في «المسند» (^٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، قال حدثني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة أنها لما انقضت عدَّتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله - ﷺ -، فقالت: «مرحبًا برسول الله - ﷺ -، إني امرأة غَيرى، وإني مُصْبِية (^٣)، وليس أحد من أوليائي حاضرًا» الحديث. وفيه: فقالت لابنها عمر: «قمْ، فزوِّج رسولَ الله - ﷺ -». فزوَّجه. وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنُّه لما توفي رسول الله - ﷺ - تسع سنين، ذكره ابن سعد (^٤). وتزوَّجها رسول الله - ﷺ - في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج، قال ذلك ابن سعد وغيره. ولما قيل ذلك للإمام أحمد، قال: من يقول إن عمر كان صغيرًا؟ قال أبو الفرج ابن الجوزي (^٥): «ولعل
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» (١٠/ ٩٠)، مرسل، وفي إسناده أبو بكر بن محمد وأبوه؛ أبو بكر لم أجد له ترجمةً، وأبوه مجهول.
(٢) برقم (٢٦٦٦٩). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٦٥٢٩، ومواضع عدة) وغيرُه، ولكن مدار الحديث على ابن عمر بن أبي سلمة، مجهول. وأصل القصة عند مسلم (٩١٨) دون ذكر من تولَّى تزويجَها. وانظر تعليق محققي «المسند» (٢٦٥٢٩).
(٣) ك، ع: «مغيبة»، تصحيف.
(٤) (٦/ ٥٣٣).
(٥) في «التحقيق في مسائل الخلاف» (٢/ ٢٦٦).
[ ١ / ٩٦ ]
أحمد قال هذا قبل أن يقف (^١) على مقدار سنِّه. فقد ذكر مقدار سنِّه جماعة من المؤرخين ابن سعد وغيره».
وقد قيل: إن الذي زوَّجها من رسول الله - ﷺ - ابنُ عمِّها عمر بن الخطاب، والحديث: «قم يا عمر، فزوِّج رسولَ الله - ﷺ -» (^٢). ونسبُ عمر ونسبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رَزَاح بن عدي بن كعب، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقَظَة بن مرَّة بن كعب، ووافق اسمُ ابنها عمر اسمَه، فقالت (^٣): «قم يا عمر، فزوِّج رسول الله»، فظنَّ بعض الرواة أنه ابنها، فرواه بالمعنى، وقال: فقالت لابنها! وذهَل عن تعذُّر ذلك (^٤) عليه لصغر سنِّه.
ونظيرُ هذا: وهمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله - ﷺ -: «قم يا غلام، فزوِّج أمَّك». قال أبو الفرج ابن الجوزي (^٥): «وما عرفنا هذا في هذا الحديث». قال: «وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن (^٦)
_________________
(١) ك، ع: «يوقف».
(٢) كذا ورد «والحديث » إلى هنا. ولعل في العبارة نقصًا ويكون أصلها: «والحديث: فقالت لعمر: قم يا عمر »، يعني بدلًا من «فقالت لابنه عمر » كما بيَّن فيما يأتي.
(٣) في ص، ك، ج، مب: «فقال»، وهو سهو.
(٤) ك، ع: «بُعد ذلك».
(٥) في الموضع السابق من كتابه.
(٦) انتهى هنا السقط الطويل الذي استدركه ناسخ آخر في ق.
[ ١ / ٩٧ ]
رسول الله - ﷺ - تزوَّجها في سنة أربعٍ، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله - ﷺ - لا يفتقر نكاحه إلى ولي. قال ابن عقيل: ظاهر (^١) كلام أحمد أن النبي - ﷺ - لا يشترط في نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه (^٢).
ثم تزوَّج زينبَ بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة (^٣). وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي - ﷺ - وتقول: «زوَّجكنَّ أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات» (^٤). ومن خواصِّها أن الله كان هو وليَّها الذي زوَّجها لرسوله من فوق سماواته.
وتوفِّيت في أول خلافة عمر بن الخطاب. وكانت أولًا عند زيد بن حارثة، وكان رسول الله - ﷺ - تبنَّاه، فلما طلَّقها زوَّجه الله إياها لتتأسَّى به أمته في نكاح أزواج من تبنَّوه.
_________________
(١) ك: «وظاهر». وفي ع: «وقال وظاهر».
(٢) العبارة: «أن النبي - ﷺ - خصائصه» لم ترد إلا في مب، ن. ولعل المؤلف كتبها أو أملاها في بعض النسخ من حفظه. ونص كلام ابن الجوزي في كتابه المذكور (٢/ ٢٦٦): «أنه يجوز أن يتزوَّج رسول الله - ﷺ - بغير وليٍّ لأنه مقطوع بكفاءته». وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٥٨٢ - هجر) و«الفصول» (ص ٢٤٥) أنه ألَّف في ذلك رسالة بيَّن فيها أن عمر المقول له في هذا الحديث إنما هو عمر بن الخطاب لأنه كان الخاطب لها على رسول الله - ﷺ -، وأن الذي ولي عقدَها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة، وساغ هذا لأن أباه ابن عمها، فللابن ولاية أمه إذا كان سببًا لها من غير جهة البنوة بالإجماع.
(٣) ص، ج: «أمية»، تحريف.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٢٠، ٧٤٢١).
[ ١ / ٩٨ ]
وتزوَّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضِرار المصطلقية. وكانت من سبي بني المصطلِق، فجاءته تستعين به على كتابتها، فأدَّى عنها كتابتها وتزوَّجَها.
وتزوَّج أمَّ حبيبة. واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند. تزوَّجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرةً، وأصدَقَها عنه النجاشيُّ أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هنالك. وماتت في أيام أخيها معاوية.
هذا المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكة، ولحفصة بالمدينة، ولصفية بعد خيبر.
وأما حديث عكرمة بن عمَّار، عن أبي زُمَيل، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي - ﷺ -: «أسألك ثلاثًا»، فأعطاه إياهن، منها: «وعندي أجمل العرب أمُّ حبيبة أزوِّجك إياها» (^١)؛ فهذا الحديث غلط ظاهر لا خفاء به (^٢). قال أبو محمد بن حزم (^٣): وهو موضوع بلا شك، كذَبه عكرمة بن عمار.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٠١).
(٢) وذكر في «تهذيب السنن» (١/ ٤٣٠) أن هذا الحديث ردَّه جماعة من الحفاظ وعدّوه من الأغلاط في كتاب مسلم، وانتهى إلى أنه «غلط لا ينبغي التردُّد فيه». وقد أفاض القول فيه في «جلاء الأفهام» (ص ٢٧٢ - ٢٨٦) وقال: «الصواب أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط». وهو عند شيخ الإسلام «من المواضع المنتقدَة بلا ريب» في «صحيح مسلم»، انظر: «منهاج السنة» (٧/ ٢١٦). وحكم عليه الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٩٣) و«السير» (٦/ ٥٦٠) بأنه منكر.
(٣) فيما رواه عنه الحميدي، انظر النص (٢٢١) في «نوادر ابن حزم» (٢/ ٧). وعن الحميدي نقل ابن طاهر المقدسي قول ابن حزم في كتابه «الانتصار لإمامي الأمصار» كما في «فتح الباري» (١٣/ ٤٨٤) و«التبصرة والتذكرة» للعراقي (١/ ١٣٥). وانظر أيضًا: «المحلَّى» (١/ ٢٧٨) و(٦/ ٨٢).
[ ١ / ٩٩ ]
قال ابن الجوزي (^١) في هذا الحديث: «هو وهم من بعض الرواة لا شكَّ فيه ولا تردُّد، وقد اتهموا به عكرمةَ بن عمار، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله (^٢) بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة. ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوَّجه إياها وأصدَقَها عن رسول الله - ﷺ - صَداقًا، وذلك في سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل (^٣)
عليها، فثنت فراشَ رسول الله - ﷺ - حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان».
وأيضًا في هذا الحديث أنه قال له: «وتؤمِّرني (^٤) حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟»، فقال: «نعم». ولا يُعرَف أن رسول الله - ﷺ - أمَّر أبا سفيان البتة.
وقد أكثر الناس الكلام في هذا الحديث، وتعدَّدت طرقهم في وجهه. فمنهم من قال: الصحيح أنه تزوَّجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يُرَدُّ هذا بنقل المؤرِّخين. وهذه طريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسِّيَر والتواريخ وما قد كان.
_________________
(١) في «كشف المشكل» (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).
(٢) مب: «عبد الله»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو خطأ.
(٣) ص: «ودخل» ..
(٤) ك، ع: «أتؤمرني». وقد رسمت «تُؤَمِّرني» في النسخ كلها بالألف مكان الواو.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقالت طائفة: بل سأله أن يجدِّد له (^١) العقدَ تطييبًا لقلبه، فإنه كان تزوَّجها بغير اختياره. وهذا أيضًا باطل لا يُظَنُّ بالنبيِّ - ﷺ -، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء!
وقالت طائفة منهم البيهقي (^٢) والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خَرَجاته إلى المدينة وهو كافر حين (^٣) سمع نعيَ زوجِ أمِّ حبيبة بالحبشة. فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يؤمِّره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتبًا، قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا (^٤) منه بعد الفتح، فجمع الراوي ذلك كلَّه في حديث واحد (^٥). والتعسُّف والتكلُّف الشديد الذي (^٦) في هذا الكلام يغني عن ردِّه!
وقالت طائفة: للحديث محمِل صحيح (^٧)، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتَك الآن، فإني قبلُ لم أكن راضيًا بذلك، والآن فإني قد رضيتُ، فأسألك أن تكون زوجتك.
وهذا وأمثاله لولا أنَّه قد سُوِّدت به الأوراق، وصُنِّفت فيه الكتب،
_________________
(١) ك، ع: «لها».
(٢) في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٢٦).
(٣) ص، ك، ع: «حتى»، تصحيف.
(٤) ص، ج: «وقعت».
(٥) لفظ «واحد» ساقط من ك، ع ومستدرك في حاشية ع بخط غير خط الناسخ.
(٦) ك، ع: «الذي هو».
(٧) ص، ك، ع: «طائفة: معنى الحديث مجمل صحيح»!
[ ١ / ١٠١ ]
وحمله الناس= لكان الأولى بنا الرغبة عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من زَبَد الصدور، لا من زُبَدها!
وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله - ﷺ - طلَّق نساءه، لما آلى منهن، أقبل إلى المدينة، وقال للنبي - ﷺ - ما قال ظنًّا منه أنه قد طلَّقها فيمن طلَّق. وهذا من جنس ما قبله.
وقالت طائفة: بل الحديث صحيح، ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة، وإنما سأله أن يزوِّجه (^١) أختَها رملة. ولا يبعد خفاء التحريم (^٢) للجمع عليه، فقد خفي ذلك على ابنته، وهي أفقه منه وأعلم حين قالت: يا رسول الله، هل لك في أختي ابنة أبي سفيان؟ فقال: «أفعل ماذا؟». قالت: تنكحها. قال: «أو تحبِّين ذلك؟». قالت: لستُ لك بمُخْلِية، وأحَبُّ من شَرِكني في الخير أختي. قال: «فإنها لا تحِلُّ لي» (^٣). فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على النبي - ﷺ -، فسمَّاها الراوي من عنده أم حبيبة (^٤)، وقيل: بل كانت كنيتها أيضًا أم حبيبة.
وهذا الجواب حسنٌ لولا قوله في الحديث: «فأعطاه رسولُ الله - ﷺ - ما سأل». فيقال حينئذ: هذه اللفظة وهم من الراوي، فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل؛ أو أطلقها اتكالًا على فهم المخاطب أنه أعطاه
_________________
(١) ص: «يزوجها»، سهو.
(٢) بعده في ص، ج: «ما»، والظاهر أنها مقحمة.
(٣) أخرجه البخاري (٥١٠١، ٥١٠٧، ٥٣٧٢) ومسلم (١٤٤٩) واللفظ له.
(٤) وهذا الذي صوَّبه ابن كثير، وذكر أنه أفرد رسالة لحديث عكرمة بن عمار. انظر: «الفصول في السيرة» (ص ٢٤٩) و«البداية والنهاية» (٦/ ١٤٩).
[ ١ / ١٠٢ ]
ما يجوز إعطاؤه مما سأل. والله أعلم.
وتزوَّج - ﷺ - صفية بنت حُيَيِّ بن أخطَب سيِّد بني النضير، من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي. وكانت من أجمل نساء العالمين، وكانت قد صارت له من الصَّفيِّ أمةً، فأعتقها، وجعل عتقها صَداقها، فصار ذلك سنَّةً للأمَّة إلى يوم القيامة: أن يُعتِق الرجل أمَتَه، ويجعل عتقَها صَداقَها، فتصير زوجته بذلك. فإذا قال: أعتقتُ أمتي، وجعلتُ عتقها صَداقها؛ أو قال: جعلتُ عتق أمتي صَداقها (^١) = صحَّ العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي. وهذا ظاهر مذهب أحمد، وكثير من أهل الحديث. وقالت طائفة: هذا خاصٌّ بالنبي - ﷺ -، وهو مما (^٢) خصَّه الله به في النكاح دون الأمَّة. وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم.
والصحيح: القول الأول لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل. والله سبحانه لما خصَّه بنكاح الموهوبة قال فيها: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ولم يقل هذا في المعتَقة، ولا قاله رسولُ الله - ﷺ - ليقطع تأسِّيَ الأمَّة به في ذلك. والله سبحانه أباح له نكاح امرأةِ مَن تبنَّاه لئلا يكون على الأمَّة حرج في نكاح أزواج من تبنَّوه، فدلَّ على أنه إذا نكح نكاحًا فلأمَّته التأسِّي به فيه، ما لم يأتِ عن الله ورسوله نصٌّ بالاختصاص وقطعِ التَّأسِّي. وهذا ظاهر.
_________________
(١) العبارة «فتصير زوجته صداقها» ساقطة من ك، ع لانتقال النظر، وقد استدركت في حاشية ع فيما بعد. والعبارة «فإذا قال صداقها» ساقطة من مب.
(٢) ص، ج: «ما».
[ ١ / ١٠٣ ]
ولتقرير هذه المسألة، وبسط الاحتجاج فيها، وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصول والقياس= موضع آخر، وإنما نبَّهنا عليها تنبيهًا (^١).
ثم تزوَّج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوَّج بها. تزوَّجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حلَّ منها على الصحيح.
وقيل: قبل إحلاله. هذا قول ابن عباس، ووهم - ﵁ -، فإن السفير بينهما في النكاح أعلَمُ الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوَّجها حلالًا، وقال: «أنا كنت السفير بينهما» (^٢). وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها. وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلَم بها. ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجِب للتقديم (^٣). وماتت أيامَ معاوية، وقبرها بسَرِف.
قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النَّضَريَّة، وقيل: القُرَظيَّة، سُبيت يوم بني قريظة، فكانت صفيَّ رسول الله - ﷺ -، فأعتقها وتزوَّجها، ثم طلَّقها
_________________
(١) وانظر ما يأتي في غزوة خيبر (٣/ ٤١٩) وأقضية النبي - ﷺ - (٥/ ٢١٧) و«جلاء الأفهام» (ص ٢٩١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١٩٧) والترمذي (٨٤١) والنسائي في «الكبرى» (٥٣٨١) كلهم بلفظ: «الرسول بينهما». وفيه مطر الوراق، فيه لين، وقد وصله. وقد أخرجه مالك (١/ ٣٤٨) مرسلًا، كما أشار إليه النسائي عقب إخراجه الحديث. ورجح البخاري في «العلل الكبير» (ص ١٣٨) كونه من مرسل يزيد بن الأصم. وسيأتي الكلام على جميع الروايات حيث يذكر المؤلف المسألة بتمامها في فصل عمرة القضية (٣/ ٤٤٨ - ٤٥١).
(٣) وسيأتي تفصيل الأقوال ووجوه الترجيح في (٣/ ٢٣٠) و(٥/ ١٠٢ - ١٠٤)، وانظر: «جلاء الأفهام» (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).
[ ١ / ١٠٤ ]
تطليقةً، ثم راجعها. وقالت طائفة: بل كانت أمته، فكان يطؤها بملك اليمين حتى توفِّي عنها، فهي معدودة في السَّراريِّ لا في الزوجات.
والقول الأول اختيار الواقدي (^١) ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي وقال: هو الأثبت عند أهل العلم (^٢). وفيما قاله نظر، فإن المعروف أنها من سراريِّه وإمائه، والله أعلم.
فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن. وأما من خطبها ولم يتزوَّجها، ومن وهبت نفسَها له فلم يتزوَّجها؛ فنحو أربع أو خمس. وقال بعضهم (^٣): هن ثلاثون امرأةً، وأهل العلم بالسيرة وأحواله - ﷺ - لا يعرفون هذا، بل ينكرونه.
والمعروف عندهم أنه بعَث في الجَونية (^٤) ليتزوَّجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت منه، فأعاذها ولم يتزوَّجها. وكذلك الكلبية. وكذلك
_________________
(١) في «مغازيه» (٢/ ٥٢١) ونقل ابن سعد في «الطبقات» (١٠/ ١٢٧) قوله: «وهذا ما روي لنا في عتقها وتزويجها، وهو أثبت الأقاويل عندنا، وهو الأمر عند أهل العلم».
(٢) انظر: «مختصره في السيرة» (ص ٦٢). ولفظه: «والقول الأول أثبت الأقاويل عند محمد بن عمر، وهو الأمر عند أهل العلم». وقد رأيت آنفًا أن الجزء الأخير من هذا النص من كلام الواقدي أيضًا.
(٣) وهو الحافظ الدمياطي ــ وتابعه ابن جماعة ــ قال في «مختصره» (ص ٦٦): « فثلاثون امرأة على اختلاف في بعضهن، ذكرناهن في كتاب أبسط من هذا». وانظر فيهن «عيون الأثر» (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) و«الإشارة» لمغلطاي (ص ٤٠٥ - ٤١٣) و«سبل الهدى والرشاد» (١١/ ٢٢١ - ٢٣٦).
(٤) ما عدا ص، ج: «إلى الجونية».
[ ١ / ١٠٥ ]