ليلة القدر، وليلة القدر بالنسبة إلى الأمة أفضل من ليلة الإسراء، فهذه الليلة في حق الأمة أفضل لهم، وليلة الإسراء في حق رسول الله - ﷺ - أفضل له.
فإن قيل: فأيهما أفضل: يوم الجمعة، أو يوم عرفة؟ (^١) فقد روى ابن حبان في «صحيحه» (^٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تطلع الشمسُ (^٣) على يوم أفضل من يوم الجمعة». وفيه أيضًا حديث تميم (^٤) بن أوس: «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمسُ يوم الجمعة» (^٥).
قيل: قد (^٦) ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة محتجًّا بهذا الحديث. وحكى القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد أن ليلة
_________________
(١) ق: «فإن قيل: فأي اليومين أفضل عرفة؟ قيل: يوم الجمعة».
(٢) برقم (٢٧٧٠)، وأخرجه أحمد (٩٨٩٦) والنسائي في «الكبرى» (١١٩٠٧، ١١٩٢٠ - ١١٩٢٢). صححه ابن خزيمة (١٧٢٧) وابن حبان.
(٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ولا تغرب» كما في «صحيح ابن حبان».
(٤) كذا في الأصول جميعًا. والصحيح: «أوس بن أوس» كما في تخريج الحديث، وكما في «جلاء الأفهام» (ص ٧٧).
(٥) اللفظ المذكور لأبي هريرة وهو عند مسلم (٨٥٤). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٧٧٢) ضمن حديث طويل. وانظر: «صحيح ابن خزيمة» (١٧٢٩). وأما حديث أوس بن أوس فهو عند ابن حبان (٩١٠) بلفظ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة»، أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٨٧٨٩) والدارمي (١٦١٣) وأبو داود (١٠٤٧، ١٥٣١) وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦) والنسائي (١٣٧٤). صححه ابن خزيمة (١٧٣٣) وابن حبان.
(٦) ق: «وقد ذهب» في موضع «قيل: قد ذهب».
[ ١ / ٣٩ ]
الجمعة أفضل من ليلة القدر (^١). والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة. ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة:
أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام.
الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.
الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله - ﷺ -.
الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق في أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة بعرفة. فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه.
الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد (^٢) لأهل عرفة؛ ولذلك كُره لمن بعرفة صومه. وفي النسائي (^٣) عن أبي هريرة قال: «نهى
_________________
(١) نقل ابن مفلح في «الفروع» (٥/ ١٢٨) الروايتين عن ابن عقيل. وانظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٨٦).
(٢) ك: «ويومُ عرفة عيدٌ».
(٣) في «الكبرى» (٢٨٤٣، ٢٨٤٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٥٦) وأحمد (٨٠٣١، ٩٧٦٠) وأبو داود (٢٤٤٠) وابن ماجه (١٧٣٢). والحديث ضعيف كما علله المؤلف. وضعفه أيضًا العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٤٣) وابن عدي في «الكامل» (٤/ ٢٠٨) وغيرهما.
[ ١ / ٤٠ ]
رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم عرفة بعرفة». وفي إسناده نظر، لأنَّ مهدي بن حرب الجزري (^١) ليس بمعروف، ومداره عليه. ولكن ثبت في «الصحيح» (^٢) من حديث أم الفضل: «أن ناسًا تمارَوا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله - ﷺ -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلَتْ إليه بقَدَح لبنٍ وهو واقف على بعيره، فشربه».
وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: ليتقوَّى على الدعاء، هذا قول الخِرَقي وغيره (^٣). وقال غيرهم ــ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ــ: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يُستحَبُّ صومه. قال: والدليل عليه الحديث (^٤) الذي في «السنن» (^٥)
عن النبي - ﷺ - أنه قال:
_________________
(١) كذا في جميع الأصول. وفي هامش ن: «الصواب: الهجري، كما في الخلاصة والتقريب». وهو كما قال. ولعله تحريف «الهجَري». وفي النسخ المطبوعة: «العبدي».
(٢) البخاري (١٦٦١) ومسلم (١١٢٣).
(٣) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤٤).
(٤) ج: «الحديث المشهور».
(٥) أبو داود (٢٤١٩) والترمذي (٧٧٣) والنسائي في «المجتبى» (٣٠٠٤) وفي «الكبرى» (٤١٦٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٩٨٦٣) وأحمد (١٧٣٧٩، ١٧٣٨٣) والدارمي (١٨٠٥). صححه الترمذي وابن خزيمة (٢١٠٠) وابن حبان (٣٦٠٣) والحاكم (١/ ٤٣٤). وعندهم جميعًا: «وأيام التشريق»، وليست عند ابن أبي شيبة. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٣): «هذا حديث انفرد به موسى بن علي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكْر «يوم عرفة» في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي - ﷺ - من وجوه: (يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق)». وأجاب عنه ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ١٧٣)، وقبله شيخ الإسلام كما سيذكره المؤلف. وقد بوَّب عليه النسائي في «الكبرى»: «النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة».
[ ١ / ٤١ ]
«يوم عرفة ويوم النحر وأيام منًى عيدنا أهل الإسلام».
قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيدًا في حقِّ أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقِّهم. والمقصود أنه إذا اتفق يومُ عرفة يومَ جمعة، فقد اتفق عيدان معًا.
السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله دينَه لعباده المؤمنين، وإتمام نعمته عليهم، كما ثبت في «صحيح البخاري» (^١) عن طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا ــ معشرَ اليهود ــ نزلت نعلم (^٢) ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله - ﷺ - يوم جمعة، ونحن واقفون معه بعرفة.
السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقف الأعظم يوم القيامة؛ فإن القيامة تقوم يوم الجمعة، كما قال النبي - ﷺ -: «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه» (^٣).
_________________
(١) برقم (٤٥)، وأخرجه أيضًا مسلم (٣٠١٧).
(٢) كذا في الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «ونعلم».
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٤)، وقد سبقت الإشارة إليه.
[ ١ / ٤٢ ]
ولهذا شرع الله سبحانه لعباده يومًا يجتمعون فيه، فيذكرون المبدأ والمعاد والجنة والنار، وادخر الله لهذه الأمة يوم الجمعة، إذ فيه كان المبدأ وفيه المعاد. ولهذا كان النبي - ﷺ - يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و(هل أتى على الإنسان) (^١) لاشتمالهما على ما كان ويكون في هذا اليوم، من خلق آدم، وذكر المبدأ والمعاد، ودخول الجنة والنار؛ وكان (^٢) يذكِّر الأمةَ في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون. فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا ــ وهو موقف عرفة (^٣) ــ الموقفَ الأعظمَ بين يدي الربِّ في هذا اليوم بعينه، ولا ينتصف حتى يستقرَّ أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة (^٤) أكثر منها في سائر الأيام، حتى إن أكثر أهل الفجور ليحترمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تجرَّأ فيه على معاصي الله عجَّل الله عقوبته ولم يُمهله. وهذا أمر قد استقرَّ عندهم وعلموه بالتجارب، وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله، واختيار الله له من بين سائر الأيام. ولا ريب أن للوقفة فيه مزيةً على غيره.
التاسع: أنه موافق ليوم المزيد (^٥) في الجنة. وهو اليوم الذي يجتمع فيه
_________________
(١) البخاري (٨٩١) ومسلم (٨٨٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) مب: «فكان»، وكذا غيَّره بعضهم في ص.
(٣) ك، ع، مب: «يوم عرفة» وقد كتب بعضهم في حاشية ع: «موقف» مع علامة صح، يعني أن الصواب «موقف عرفة»، ففهم بعضهم أنه يقصد: «يوم موقف عرفة» كما في ق.
(٤) في ن فوق السطر: «وليلة الجمعة».
(٥) سيأتي ذكر الأحاديث عن يوم المزيد بأسانيدها عند ذكر خصائص يوم الجمعة.
[ ١ / ٤٣ ]
أهل الجنة في وادٍ أفيَح، وتُنصَب لهم منابر من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من زبرجد، والباقون (^١) على كثبان المسك، فيزورون ربَّهم ﵎، ويتجلَّى لهم فيرونه عيانًا، ويكون أسرعَهم موافاةً أعجلُهم رواحًا إلى المسجد، وأقربهم منه أقربهم من الإمام. فأهل الجنة يشتاقون (^٢) إلى يوم المزيد فيها، لما ينالون فيه من الكرامة؛ وهو يوم الجمعة، فإذا وافق يومَ عرفة كان له مزية واختصاص وفضل (^٣) ليس لغيره.
العاشر: أنه يدنو الرب ﵎ عشية عرفة من أهل الموقف، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: «ما أراد هؤلاء؟ أُشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم» (^٤). ويحصل مع دنوِّه منهم ﵎ ساعةُ الإجابة التي لا يرُدُّ فيها سائلًا يسأله خيرًا، فيقرُبون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرُب
_________________
(١) كذا في الأصول جميعًا. يعني: غير أصحاب المنابر، كما جاء في حديث الترمذي (٢٥٤٩): «ويجلس أدناهم ــ وما فيهم من دني ــ على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا». وقد غُيِّر في متن ن إلى «الياقوت». وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تحريف.
(٢) ع، مب، ن: «مشتاقون».
(٣) في حاشية ع: «فضيلة» مع علامة صح.
(٤) أخرجه مسلم (١٣٤٨) من حديث عائشة - ﵂ -، وفيه: «ما أراد هؤلاء». وأما قوله: «أشهدكم أني قد غفرت لهم» فقد أخرجه ابن خزيمة (٢٨٤٠) وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٢٧٦١ - نشرة آل حمدان) وابن منده في «التوحيد» (٨٨٥) واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (٣/ ٤٨٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٧٧٤) وفي «فضائل الأوقات» (ص ٣٥٤) من حديث أبي الزبير عن جابر، وإسناده حسن.
[ ١ / ٤٤ ]