فصل
ثم كان - ﷺ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه كما ذكره عنه: وائل (^١) وأبو هريرة (^٢)، ولا يعتمد على الأرض بيديه (^٣).
وقد ذكره عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا (^٤). وهذه هي التي تسمَّى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها:
_________________
(١) في ص، ج، ك: «أبو وائل»، وقد ضرب بعضهم على «أبو» في ص، ج.
(٢) حديث وائل بن حجر قد تقدم في مسألة تقديم اليدين على الركبتين في الهوي إلى السجود. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي (٢٨٨) من طريق خالد بن إلياس عن صالح مولى التوأمة عنه. صالح هذا فيه لين، وخالد بن إلياس ضعيف، وبه ضعفه الترمذي، وذكر ابن عدي حديثه هذا في «الكامل» في ترجمته (٤/ ٢٤٢) ووصف مروياته بأنها غرائب وأفراد. وضعفه أيضًا الحافظ في «فتح الباري» (٢/ ٣٠٣) حيث ذكر أنه رواه سعيد بن منصور بإسناد ضعيف، وذكر أيضًا أنه روي عن ابن مسعود وإسناده صحيح. وأثر ابن مسعود قد أخرجه عبد الرزاق (٢٩٦٦) وابن أبي شيبة (٤٠٠١) وابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٦٣).
(٣) قال الحافظ في شرح قوله: «جلس واعتمد على الأرض» في حديث مالك بن الحويرث: «وقيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد، لأنه افتعال من العِماد، والمراد به الاتكاء وهو باليد. وروى عبد الرزاق [٢٩٦٤، ٢٩٦٩] عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما». انظر: «فتح الباري» (٢/ ٣٠٣ و٣٠٢). أثر ابن عمر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٤٠١٩) بمثل طريق عبد الرزاق، وفيه عبد الله بن عمر العمري، فيه لين. ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٤٠١٨) وابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٦٧) من طريق حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ابن عمر مثله، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (٨٢٣).
[ ١ / ٢٧٥ ]
هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكلِّ أحد أن يفعلها، أو هي (^١) ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد (^٢).
قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة (^٣). وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله (^٤) سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة.
وحديث (^٥) ابن عجلان (^٦) يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي - ﷺ -. وسائرُ من وصف صلاة النبي - ﷺ - لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذُكِرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث (^٧).
ولو كان هديه - ﷺ - فعلها دائمًا لذكرها كلُّ من وصف صلاته - ﷺ -. ومجرَّدُ فعله - ﷺ - لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنه
_________________
(١) لم يرد «هي» في ق، ك.
(٢) انظر: «الروايتين والوجهين» (١/ ١٢٧).
(٣) انظر: المصدر السابق، و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٢١٣).
(٤) في النسخ المطبوعة: «أبا أمامة»، وهو غلط. وانظر: «تمام المنة» للألباني (ص ٢١٠).
(٥) ق: «وفي حديث».
(٦) هو حديث رفاعة بن رافع الزرقي المذكور في كلام أحمد، قد أخرجه أحمد (١٨٩٩٧) وأبو داود (٨٥٦، ٨٥٧) والترمذي (٣٠٢) والنسائي في «المجتبى» (١٣١٣) و«الكبرى» (١٢٣٧). وابن عجلان هذا صدوق، والحديث حسنه الترمذي. وانظر تعليق محققي «مسند أحمد».
(٧) أما حديث أبي حميد الساعدي فأخرجه أحمد (٢٣٥٩٩) والترمذي (٣٠٤) والبزار (٩/ ١٦٢). صححه الترمذي وابن خزيمة (٥٨٧، ٦٨٥). وأما حديث مالك بن الحويرث فقد أخرجه البخاري وقد تقدم قبل قليل.
[ ١ / ٢٧٦ ]
فَعَلها سنَّةً يقتدى به فيها. وأما إذا قُدِّر أنه فَعَلها للحاجة لم يدل ذلك على كونها سنَّةً من سنن الصلاة. فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة (^١).
وكان إذا نهض افتتح القراءة، ولم يسكت كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة، فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أو لا، بعد اتفاقهم أنه ليس موضع استفتاح. وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كلِّ ركعة مستقلة بنفسها؟ ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة. والاكتفاءُ باستعاذة واحدة أظهر، للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت (^٢)، وكما يكفي افتتاح واحد، ولأنه لم يتخلَّل القراءتين سكوت، بل تخلَّلهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخلَّلها حمدٌ لله (^٣) أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي - ﷺ -، ونحو ذلك.
ثم كان يصلِّي الثانية كالأولى سواءً، إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها كالأولى؛ فإنه - ﷺ - كان لا يستفتح، ولا يسكت، ولا يكبِّر للإحرام فيها، ويقصِّرها عن الأولى، فتكون الأولى أطول منها في كلِّ صلاة، كما تقدَّم.
فإذا جلس للتشهُّد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده
_________________
(١) وانظر: «كتاب الصلاة» للمصنف (ص ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٩).
(٣) ق: «حمد الله».
[ ١ / ٢٧٧ ]
اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة. وكان لا ينصبها نصبًا، ولا يُنيمها، بل يَحنيها شيئًا، ويحرِّكها (^١)، كما تقدَّم في حديث وائل بن حجر. وكان يقبض إصبعين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، ويحلِّق حلقةً وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع السبَّابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكفَّ اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتحامل عليها.
وأما صفة جلوسه فكما تقدَّم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة.
وأما حديث عبد الله بن الزبير الذي رواه مسلم في «صحيحه» (^٢) أنه - ﷺ - كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرَشَ قدمه اليمنى؛ فهذا في التشهد الأخير كما يأتي، وهو إحدى الصفتين اللتين رُوِيت (^٣) عنه فيه (^٤). ففي «الصحيحين» (^٥) من حديث أبي حُميد في صفة صلاته - ﷺ -: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصَب الأخرى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى، ونصب (^٦) اليمنى، وقعد على مقعدته». فذكر أبو حميد أنه كان ينصب اليمنى، وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها؛ ولم يقل أحد عنه - ﷺ -: إن هذا كان صفة (^٧) جلوسه في
_________________
(١) بعده في طبعة الرسالة زيادة: «شيئًا» زادها ناشراها من عندهما.
(٢) برقم (٥٧٩).
(٣) كذا في جميع الأصول: «رُويت» بالإفراد.
(٤) لم يرد «فيه» في ق، ك.
(٥) أخرجه البخاري (٨٢٨)، ولم أجده في مسلم بهذا اللفظ.
(٦) العبارة «الأخرى ونصب» ساقطة من ص لانتقال النظر.
(٧) في النسخ المطبوعة: «إن هذه صفة».
[ ١ / ٢٧٨ ]
التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به.
بل من الناس من قال: يتورَّك في التشهدين، وهذا مذهب مالك. ومنهم من قال: يفترش فيهما، فينصب اليمنى، ويفترش اليسرى ويجلس عليها، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ تشهُّد يلي السلام، ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ صلاة فيها تشهُّدان في الأخير (^١) منهما فرقًا بين الجلوسين، وهو قول الإمام أحمد (^٢).
ومعنى حديث ابن الزبير أنَّه فرَش قدمه اليمنى: أنه كان في هذا الجلوس يجلس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشةً، وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس، هل كانت مفروشةً أو منصوبةً؟ وهذا ــ والله أعلم ــ ليس باختلاف في الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يُخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن. فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبًا لها جالسًا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها، وظهرها إلى الأرض. فصحَّ قول أبي حميد ومن معه وعبد الله بن الزبير. أو يقال: إنه - ﷺ - كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحيانًا، وهو أروح لها. والله أعلم.
ثم كان - ﷺ - يتشهَّد دائمًا في هذه الجلسة، ويعلِّم أصحابه أن يقولوا:
_________________
(١) ص، ك، ع: «الآخر».
(٢) انظر: «شرح التلقين» للمازري (١/ ٥٦٠) و«بدائع الصنائع» (١/ ٢١١) و«المجموع شرح المهذب» (٣/ ٤٥٠) و«المغني» (٢/ ٢٢٥).
[ ١ / ٢٧٩ ]
«التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» (^١).
وقد ذكر النسائي (^٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلِّمنا التشهُّدَ، كما يعلِّمنا السورة من القرآن: «بسم الله وبالله، التحيَّات لله والصلوات والطيِّبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٣). أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار». ولم يجئ ذكر التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث. وله علَّة غير عنعنة أبي الزبير (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٢) في «المجتبى» (١١٧٥، ١٢٨١) و«الكبرى» (٧٦٥) عن أيمن بن نابل عن أبي الزبير عن جابر به. وأخرجه الطيالسي (١٨٤٧) وابن أبي شيبة (٣٠٠٦) أيضًا. أشار إليه الترمذي عقب الحديث (٢٩٠) وقال: «هو غير محفوظ». وقال النسائي (١٢٨١): «لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية والحديث خطأ». وقال الدارقطني في «سؤالات الحاكم» (٢٨٦): «[أيمن] ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد». وانظر التعليق الآتي.
(٣) العبارة «وقد ذكر النسائي ورسوله» ساقطة من ك لانتقال النظر.
(٤) ذكر مسلم أن الحديث غير ثابت الإسناد والمتن جميعًا، وأن الثابت ما رواه الليث وعبد الرحمن بن حميد عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس به. وبيَّن أنه جعل في الإسناد «عن أبي الزبير عن جابر» بدل «عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس» وسلك الجادة. وقد تفرد بزيادة في المتن في أوله قوله: «بسم الله وبالله»، وفي آخره قوله: «أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار». انظر: «التمييز» (ص ١٢٧ - ١٢٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وكان - ﷺ - يخفِّف هذا التشهد جدًّا حتى كأنه على الرَّضْف ــ وهو الحجارة المُحْماة ــ ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلِّي عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضًا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال. ومن استحبَّ ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صحَّ تبيينُ موضعها وتقييدُها بالتشهد الأخير (^١).
ثم كان ينهض مكبِّرًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه كما تقدَّم. وقد ذكر مسلم في «صحيحه» (^٢) في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري (^٣) أيضًا، على أن هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديث عبد الله بن عمر، وأكثر رواته لا يذكرونها. وقد جاء ذكرها مصرَّحًا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقيم كلَّ عَظْمٍ (^٤) في موضعه، ثم يقرأ (^٥). ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه (^٦)، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلًا، لا يصوِّب رأسه ولا
_________________
(١) ص، ج: «الآخر».
(٢) لم أجده فيه. وقد أخرجه أبو داود (٧٤١) والنسائي في «المجتبى» (١١٨٢) و«الكبرى» (١١٠٦) من طريقين عن ابن عمر، وهو حديث صحيح صححه البخاري في «رفع اليدين» عقب (٩٨). وانظر: «فتح الباري» (٢/ ٢٢٢).
(٣) برقم (٧٣٩)، وهو الذي أخرجه أبو داود (٧٤١) ثم أعله.
(٤) ك: «عضو».
(٥) «ثم يقرأ» ساقط من ك.
(٦) «ويقيم منكبيه» ساقط من ص لانتقال النظر.
[ ١ / ٢٨١ ]
يقنَع به. ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقِرَّ كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يهوي إلى الأرض، ويجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله (^١) فيقعد عليها، ويفتخ (^٢) أصابع رجليه إذا سجد. ثم يسجد (^٣)، ثم يكبِّر ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يقوم، فيصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنَع عند افتتاح الصلاة.
ثم يصلِّي بقية صلاته هكذا، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه وجلس على شقِّه الأيسر متورِّكًا». هذا سياق أبي حاتم في «صحيحه» (^٤)، وهو في «صحيح مسلم» (^٥) أيضًا.
_________________
(١) ما عدا ك: «رجليه».
(٢) في «معالم السنن» (١/ ١٩٥): «أي يلينها حتى تنثني، فيوجِّهها نحو القبلة». وفي جميع النسخ بالحاء المهملة، وهو تصحيف.
(٣) الجملة «ثم يسجد» ساقطة من طبعة الرسالة.
(٤) برقم (١٨٦٧)، وأخرجه أبو داود (٧٣٠) والترمذي (٣٠٤، ٣٠٥) وابن ماجه (١٠٦١)، وأخرجه مختصرًا النسائي في «الكبرى» (١١٠٥) وابن ماجه (٨٦٢)، كلهم من طريق عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي به. وإسناده صحيح. وزعم ابن القطان تبعًا للطحاوي أن هذا الإسناد غير متصل لأمرين، فأجاب عنهما الحافظ، انظر: «الفتح» (٢/ ٣٠٧).
(٥) لم أجده عند مسلم، أخرجه البخاري (٨٢٨) وليس عنده محل الشاهد.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقد ذكره الترمذي (^١) مصحِّحًا له من حديث علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - أنه كان يرفع يديه في هذا الموطن أيضًا.
ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الآخرتين (^٢) بعد الفاتحة شيئًا. وقد ذهب الشافعيُّ في أحد قوليه وغيرُه إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الآخرتين (^٣)، واحتجَّ لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في «الصحيح» (^٤): «حزَرنا قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر في الركعتين الأوليين (^٥) قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك».
وحديثُ أبي قتادة (^٦) المتَّفقُ عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة: «كان رسول الله - ﷺ - يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا». زاد مسلم: «ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب»، والحديثان غير صريحين في محلِّ النزاع.
أما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزرٌ منهم وتخمينٌ، ليس إخبارًا عن
_________________
(١) لم أجده عنده. وقد استفتح بإخراجه البخاري كتابَه «جزء رفع اليدين».
(٢) هكذا في النسخ إلا ق التي لم تعجم فيها الكلمة.
(٣) أهملت في ق، ك.
(٤) مسلم (٤٥٢).
(٥) في ج، ع: «الأولتين» هنا وفيما يأتي، وكذا «الآخرتين» فيهما وفي ص مكان «الأخريين».
(٦) أخرجه البخاري (٧٥٩) ومسلم (٤٥١/ ١٥٤) واللفظ له.
[ ١ / ٢٨٣ ]
نفس (^١) فعله - ﷺ -. وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان (^٢) يقتصر على الفاتحة، وأن يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كلِّ ركعة؛ وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم. فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالصريح (^٣) في اختصاص كلِّ قِسم بما ذُكر فيه.
وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا كان أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كما أنَّ هديَه - ﷺ - تطويلُ القراءة في الفجر وكان يخفِّفها أحيانًا، وتخفيفُ القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانًا، وتركُ القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرارُ في الظهر والعصر بالقراءة وكان يُسمِع الصحابةَ فيها الآيةَ أحيانًا (^٤)، وتركُ الجهر بالبسملة (^٥) وكان يجهر بها أحيانًا (^٦). والله أعلم.
_________________
(١) تحرَّف في ق، ك إلى «تفسير»، وفي النسخ المطبوعة: «تفسير نفس». وكأن بعضهم أثبت الصواب في حاشية نسخة، فظنَّه ناسخٌ لحقًا، فجمع في نسخته بين اللفظ المحرَّف وصوابه!
(٢) فعل «كان» ساقط من ك.
(٣) ق: «كالتصريح».
(٤) أخرجه البخاري (٧٦٢) ومسلم (٤٥١) من حديث أبي قتادة.
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩) من حديث أنس.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٤٥) والدارقطني (١١٦٢) والبيهقي (٢/ ٤٧)، وفيه أبو خالد الوالبي، مجهول. وقال الترمذي: «ليس إسناده بذاك». وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (٢/ ١٢٠): «وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ سواء قال: عن أبي خالد أو عن عمران بن خالد. جميعًا مجهولين». وقال العقيلي في «الضعفاء» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (١/ ٢٥٧): «حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول» ثم ساق الحديث المخرج آنفًا وقال: «ولا يصح في الجهر بها حديث مسند». وقد أطال ابن رجب في بحث هذه المسألة، انظر: «فتح الباري» له (٤/ ٢٨٦ - ٣٠٢).
[ ١ / ٢٨٤ ]