لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه (^١). والله أعلم.
فصل
وكان - ﷺ - إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. ذكره الإمام أحمد (^٢).
وكان في التشهُّد لا يجاوز بصرُه إشارتَه، وقد تقدَّم.
وكان قد جعل الله تعالى قرَّة عينه ونعيمه وسروره وروحه في الصلاة، فكان (^٣) يقول: «يا بلال، أَرِحْنا بالصلاة» (^٤). وكان يقول: «جُعِلَتْ قرَّةُ عيني في الصلاة» (^٥).
ومع هذا، فلم يكن يشغله ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال
_________________
(١) وانظر نحوه في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١١٦).
(٢) في «الناسخ والمنسوخ» عن ابن سيرين كما في حاشية في ج و«المبدع» (١/ ٣٧٩). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٣) والبيهقي (٢/ ٢٨٣) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة. قال البيهقي الصحيح أنه مرسل عن ابن سيرين. وانظر: «إرواء الغليل» (٢/ ٧١ - ٧٣).
(٣) ق، ن: «وكان».
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨) وأبو داود (٤٩٨٥) والطبراني (٦٢١٤) كلهم من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من خزاعة عن النبي - ﷺ -. وقد اختلف فيه على سالم بن أبي الجعد، ومِن ثَمّ في الصحابي. وقد فصل القول فيه الدارقطني في «العلل» (٤٦١) وقال عن الطريق المذكور إنه أصح. وسالم بن أبي الجعد هذا مع ثقته كثير الإرسال. ومع هذا صححه الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٦٢) والعراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ١١٨ - دار طبرية). وانظر: حاشية محققي «المسند» (٢٣١٥٤).
(٥) أخرجه أحمد (١٢٢٩٤)، والصواب فيه أنه مرسل، وقد تقدم (ص ١٥١).
[ ١ / ٣٠٦ ]
المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله، وحضور قلبه بين يديه، واجتماعه عليه. فكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، فيخفِّفها مخافةَ أن يشُقَّ على أمِّه (^١).
وأرسل مرةً فارسًا طليعةً له، فقام يصلِّي وجعل يلتفت إلى الشعب الذي يجيء منه الفارس (^٢)، ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه.
وكذلك كان يصلِّي الفرض وهو حاملٌ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة ابنته على عاتقه، إذا قام حملها، وإذا ركع وسجد وضعها (^٣).
وكان يصلِّي، فيجيء الحسن أو الحسين (^٤)، فيركب ظهره، فيطيل السجدة كراهة (^٥) أن يلقيه عن ظهره (^٦).
وكان يصلِّي، فتجيء عائشة من حاجتها والباب مغلقٌ، فيمشي فيفتح لها الباب، ثم يرجع إلى مصلَّاه (^٧) (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٨) ومسلم (٤٧٠) من حديث أنس.
(٢) أخرجه أبو داود (٩١٦)، وهو صحيح، وقد تقدمّ (ص ٢٨٥).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٦) ومسلم (٥٤٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
(٤) ص، ق: «والحسين».
(٥) ق، ن: «كراهية».
(٦) أخرجه أحمد (١٦٠٣٣، ٢٧٦٤٧) والنسائي في «المجتبى» (١١٤١) و«الكبرى» (٧٣١) والبيهقي (٢/ ٢٦٣) من حديث شداد بن الهاد. صححه الحاكم (٣/ ١٦٥، ٦٢٦) والألباني في «أصل صفة الصلاة» (٢/ ٧٧٢، ٧٧٣).
(٧) ن: «الصلاة».
(٨) أخرجه أحمد (٢٤٠٢٧) وأبو داود (٩٢٢) والترمذي (٦٠١) والنسائي في «المجتبى» (١٢٠٦) و«الكبرى» (٥٢٨، ١١٣٠)، وفيه برد بن سنان، فيه لين. والحديث ضعفه الترمذي، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٧٧). وانظر: تعليق محققي «المسند».
[ ١ / ٣٠٧ ]
وكان يردُّ السلام بالإشارة على من يسلِّم عليه وهو في الصلاة، فقال جابر: بعثني رسول الله - ﷺ - لحاجة، ثم أدركتُه وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه (^١)، فأشار إليَّ. ذكره مسلم في «صحيحه» (^٢).
وقال أنس: كان النبيُّ - ﷺ - يشير في الصلاة. ذكره أحمد (^٣).
وقال صهيب: مررتُ برسول الله - ﷺ - وهو يصلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إشارةً. قال الراوي: لا أعلم (^٤) إلا قال: إشارةً بإصبعه. وهو في «السنن» و«المسند» (^٥).
_________________
(١) «عليه» ساقط من ص.
(٢) برقم (٥٤٠).
(٣) برقم (١٢٤٠٧)، وأخرجه عبد الرزاق (٣٢٧٦) وعبد بن حميد (١١٦٠) وأبو داود (٩٤٣) وأبو يعلى (٣٥٦٩، ٣٥٨٨) والدارقطني (١٨٦٨) والبيهقي (٢/ ٢٦٢). وصححه ابن خزيمة (٨٨٥) وابن حبان (٢٢٦٤).
(٤) ق، ن: «أعلمه».
(٥) أبو داود (٩٢٥) والترمذي (٣٦٧) والنسائي في «المجتبى» (١١٨٦) و«الكبرى» (١١١٠) وأحمد (١٨٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر عن صهيب، وفيه نابل صاحب العباء، فيه لين. ويغني عنه ما أخرجه أحمد (٤٥٦٨) والترمذي (٣٦٨) والنسائي في «المجتبى» (١١٨٧) وفي «الكبرى» (١١١١) وابن ماجه (١٠١٧) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه الترمذي وابن خزيمة (٨٨٨) وابن حبان (٢٢٥٨) والحاكم (٣/ ١٢)، وفيه أنه دخل على النبي - ﷺ - رجال الأنصار ــ وهو في مسجد قباء يصلي ــ يسلمون عليه وصهيب معه - ﷺ -، فسأل ابن عمر صهيبًا: كيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع إذا سلم عليه؟ قال: «يشير بيده».
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقال عبد الله بن عمر: خرج رسول الله - ﷺ - إلى قباء يصلِّي فيه. قال: فجاءته الأنصار، فسلَّموا عليه وهو يصلِّي. قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يردُّ عليهم حين كانوا يسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول هكذا. وبسط جعفر بن عون كفَّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وهو في «السنن» و«المسند» (^١). وصححه الترمذي ولفظه: كان يشير بيده.
وقال عبد الله بن مسعود: لما قدِمتُ من الحبشة أتيتُ النبيَّ - ﷺ - وهو يصلي، فسلَّمتُ عليه، فأومأ برأسه. ذكره البيهقي (^٢).
وأما حديث أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فَلْيُعِدْ صلاته» فحديثٌ باطلٌ، ذكره الدارقطني (^٣)
_________________
(١) كذا قال، ولم أجده إلا في «السنن» كما سبق في التخريج السالف، واللفظ لأبي داود. والذي رواه أحمد (٤٥٨٦) السائل فيه ابن عمر، وقد سبق في التخريج السالف.
(٢) في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٦٨) من حديث محمد بن سيرين عن ابن مسعود، وقال: «هذا هو المحفوظ، مرسل». ثم ساق من طريق أبي يعلى التوزي ــ أخرجه أيضًا السراج في «حديثه» (٩٤٨) ــ بذكر أبي هريرة بين ابن سيرين وابن مسعود، وقال: «تفرد به أبو يعلى»، وكذلك أنكر ابن المديني وصله بذكر أبي هريرة وقال: «إنما هو عن ابن سيرين أن ابن مسعود» كما في «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٣٢٢). ويقوي المرسل ما أخرجه ابن أبي شيبة (٤٨٥٤) وأبو داود في «مراسيله» (ص ٩٨) من طريقين عن ابن سيرين مرسلًا قصة مَقدَم ابن مسعود من الحبشة وسلامه على النبي - ﷺ -.
(٣) برقم (١٨٦٦، ١٨٦٧) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٢٦٢)، وكلامه عقب (١٨٦٧) وفيه أيضًا أن ابن أبي داود استظهر أن اللفظ المذكور من قول ابن إسحاق. وكذلك ضعفه أبو حاتم في «العلل» (١٩٩) وجعل الحمل فيه على ابن إسحاق. وأخرجه أيضًا إسحاق بن راهويه (٥٤٣) وأبو داود (٩٤٤) والبزار (١٥/ ١١٦)، وقال أبو داود: «هذا الحديث وهْم».
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقال: قال لنا ابن أبي داود: «أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ (^١)، والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه كان يشير في الصلاة رواه أنس وجابر وغيرهما». والله أعلم.
وكان - ﷺ - يصلِّي، وعائشةُ معترضةٌ بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمَزها بيده فقبضت رجليها، فإذا (^٢) قام بسطتهما (^٣).
وكان - ﷺ - يصلي، فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه، فخنَقَه حتى سال لعابه على يده (^٤).
وكان يصلِّي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى، فسجد على الأرض، ثم صعد عليه (^٥).
وكان يصلِّي إلى جدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ بين يديه (^٦)، فما زال يدارئها
_________________
(١) في ج حاشية نصُّها: «ذكر الذهبي في ميزانه [٤/ ٥٦١] أبا غطفان عن أبي هريرة، وقول الدارقطني إنه مجهول، ثم تعقَّبه بأن الظاهر أنه أبو غطفان بن طريف المرِّي، وماذا بالمجهول، وثَّقه غير واحد. انتهى».
(٢) ك، ع: «وإذا».
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٢) ومسلم (٥١٢).
(٤) أخرجه أحمد (١١٧٨٠) والطبري في «تهذيب الآثار» (٦١٨ - نشرة علي رضا) من حديث أبي سعيد الخدري. وفيه مسرة بن معبد، لا بأس به، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٤٢): «كان ممن ينفرد عن الثقات بما ليس من أحاديث الأثبات على قِلّة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد». وقد جوّد إسناده ابن رجب في «الفتح» (٦/ ٣٠٥)، وحسنه الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ١٢٦). وانظر: «الصحيحة» (٣٢٥١).
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٧) ومسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد.
(٦) ن: «من بين يديه».
[ ١ / ٣١٠ ]