وأيضًا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلًا من الاهتمام بها وتطويلها.
وهذه أسرارٌ إنما يعرفها مَن له التفاتٌ إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها. والله المستعان (^١).
فصل
وكان إذا فرغ من القراءة سكَت قدرَ (^٢) ما يترادُّ إليه نفَسُه (^٣)، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه فنحَّاهما عن جنبيه، وبسَط ظهرَه ومدَّه، واعتدل، فلم ينصِبْ رأسه ولم يخفِضه، بل يجعله حيالَ ظهره معادلًا له.
وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» (^٤). وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (^٥).
وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك (^٦). وأما حديث البراء بن عازب: «رمَقتُ الصلاة خلف النبي - ﷺ -، فكان قيامه، فركوعه، فاعتداله، فسجدته، فجلسته ما بين السجدتين= قريبًا من
_________________
(١) ج: «والله أعلم».
(٢) ك: «بقدر».
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢٣١).
(٤) أخرجه مسلم (٧٧٢) من حديث حذيفة بن اليمان.
(٥) أخرجه البخاري (٧٩٤) ومسلم (٤٨٤) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٦) هذا ما حزره سعيد بن جبير من صلاة عمر بن عبد العزيز في حديث أنس الآتي.
[ ١ / ٢٤٥ ]
السَّواء» (^١)، فهذا قد فهم منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره، ويعتدل كذلك.
وفي هذا الفهم شيء، لأنه - ﷺ - كان يقرأ في الصبح بالمائة آية ونحوها، وقد تقدَّم أنه قرأ في المغرب بـ (الأعراف) و(الطور) و(المرسلات)، ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن بقدر هذه القراءة. ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل «السنن» (^٢) أنه قال: ما صلَّيتُ وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبهَ صلاةً برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى. يعني: عمر بن عبد العزيز. قال: فحزَرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. هذا مع قول أنس (^٣): إنه كان يؤمُّهم بـ (الصافات). فمراد البراء ــ والله أعلم ــ أن صلاته - ﷺ - كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وتارةً يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحده، وفعَله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف. وهديهُ الغالب - ﷺ - تعديل الصلاة وتناسبها.
وكان يقول أيضًا في ركوعه: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح» (^٤)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٩٢) ومسلم (٤٧١).
(٢) أبو داود (٨٨٨) والنسائي في «المجتبى» (١١٣٥) و«الكبرى» (٧٢٥)، وأخرجه أحمد (١٢٦٦١) والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٠٨) وغيرهم. وفيه وهب بن مانوس، مجهول الحال. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود- الأم» (١/ ٣٤٤).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو وهْم، والحديث لابن عمر كما سبق قريبًا.
(٤) أخرجه مسلم (٤٨٧) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي» (^١)، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.
ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (^٢)، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا (^٣)، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء (^٤): «ثم لا يعود»، بل هي من زيادة يزيد (^٥). وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ (^٦) مما يقدَّم
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.
(٢) وهو في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة - ﵃ -.
(٣) للمؤلف كتاب جليل في هذه المسألة: «رفع اليدين في الصلاة»، وقد عدّ فيه أكثر من ثلاثين نفسًا من الصحابة في بداية الكتاب (ص ٧ - ٨) وسردها كلها بأسانيدها. وقد سبق إليه البخاري إذ عدّ ١٧ نفسًا بعد ما روى عن علي بن أبي طالب في أول كتابه الحافل: «جزء رفع اليدين».
(٤) أخرجه البخاري في «رفع اليدين» (ص ٨٤) وأبو داود (٧٤٩) وأبو يعلى (١٦٩٠) والدارقطني (١١٢٩). قال أبو داود عقب (٧٥٢): «هذا الحديث ليس بصحيح». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٤٣ - ٥٠).
(٥) زاد الفقي بعده: «بن زياد» خلافًا للطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة. والصواب أنه يزيد بن أبي زياد.
(٦) أخرجه أحمد (٣٦٨١) وأبو داود (٧٤٨، ٧٥١) والترمذي (٢٥٧) والنسائي في «المجتبى» (١٠٥٨) و«الكبرى» (٧٤٩، ١١٠) والبيهقي (٢/ ٧٨) وغيرهم. قال أبو داود عقب (٧٤٨): «وليس هو بصحيح على هذا اللفظ». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٥٠ - ٥٦). ونقل الترمذي عقب (٢٥٦) عن ابن المبارك أنه قال: «ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - لم يرفع إلا في أول مرة».
[ ١ / ٢٤٧ ]
على هديه المعلوم. فقد تُرِك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء (^١)
ليس معارضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فتُرِك من فعله: التطبيقُ، والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما (^٢)، وصلاته الفرضَ في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء. وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحَّةً وصراحةً وعملًا؟ وبالله التوفيق.
وكان دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع (^٣) والسجود». ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» (^٤).
وكان إذا استوى قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (^٥)، وربما قال: «ربَّنا لك
_________________
(١) ج، ك: «أشياء في الصلاة» ..
(٢) في جميع النسخ: «عليهم»، وكذا «وسطهم» من قبل إلا في ق، مب، ن، فإن فيها «وسطهما».
(٣) العبارة «وبين السجدتين الركوع» ساقطة من ك لانتقال النظر.
(٤) برقم (٥٩١، ٥٩٢، ٦٦٦) من حديث أبي مسعود البدري. وأخرجه أحمد (١٧٠٧٣) وأبو داود (٨٥٥) والترمذي (٢٦٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٢٧، ١١١١) و«الكبرى» (٧٠٣، ١١٠١) وابن ماجه (٨٧٠). صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان (١٨٩٢، ١٨٩٣) والدارقطني في «السنن» (١٣١٥) والبيهقي (٢/ ٨٨). وأخرجه ابن خزيمة (٥٩٣، ٦٦٧) أيضًا من حديث علي بن شيبان بلفظ: «لا صلاة لمن لا يقيم صلبه »، وكذلك ابن أبي شيبة (٢٩٧٤) وأحمد (١٦٢٩٧) وابن ماجه (٨٧١) والبيهقي (٣/ ١٠٥)، صححه ابن خزيمة.
(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة وأنس وعبد الله بن عمر وعائشة - ﵃ -.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الحمد» (^١)، وربما قال (^٢): «اللهمَّ ربَّنا لك الحمد» (^٣)، صحَّ عنه ذلك كلُّه. وأما الجمع بين «اللهمَّ» و«الواو» فلم يصحَّ (^٤).
وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود. فصحَّ عنه أنه كان (^٥) يقول فيه (^٦): «سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، مِلْءَ السماوات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحَقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد. لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٧٢٢) وأنس (٧٣٣).
(٢) العبارة «ربَّنا لك الحمد قال» ساقطة من ك لانتقال النظر أيضًا.
(٣) أخرجه البخاري (٧٩٦، ٣٢٢٨) ومسلم (٤٠٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) كذا قال - ﵀ -، ولعله اعتمد على ما روى أبو داود في «مسائله» عن الإمام أحمد (ص ٥١) قال: قلت: لا يعجبك أن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد؟ فقال: «ما سمعنا في هذا شيئًا». وذهب عليه أن البخاري (٧٩٥) أخرجه بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، وكذلك مالك في رواية أبي مصعب الزهري (٢٢٥). وانظر: «فتح الباري» (٢/ ٢٨٣).
(٥) «كان» ساقط من ك.
(٦) «فيه» ساقط من المطبوع.
(٧) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٤٧٧) ومن حديث ابن عباس (٤٧٨) دون ذكر «سمع الله لمن حمده» فيهما. وهو عند أبي داود (٨٤٧) والنسائي في «المجتبى» (١٠٦٨) و«الكبرى» (٦٥٩) وأبي عوانة (١٨٤٣) وغيره من حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عباس عند النسائي في «المجتبى» (١٠٦٦) و«الكبرى» (٦٥٧) وأبي عوانة (١٨٤٤) وغيرهما.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وصحَّ عنه أنه كان يقول فيه: «اللهمَّ اغسِلْني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّني من الذنوب والخطايا كما نقَّيتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، وباعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب» (^١).
وصحَّ عنه أنه كررَّ (^٢) فيه قولَ: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد»، حتى كان بقدر ركوعه (^٣).
وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد نسي، من إطالته لهذا الركن. فذكر مسلم (^٤) عن أنس: كان رسول الله - ﷺ - إذا
_________________
(١) أخرج بنحوه مسلم (٤٧٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وكذلك البخاري في «الأدب المفرد» (٦٨٤) والطيالسي (٨٦٣) وأحمد (١٩١١٨) والنسائي (٤٠٢) مختصرًا وأبو عوانة (١٨٤٩، ١٨٤٨). وليس فيه أنه قاله بعد الركوع وإن كان ورد ذلك في حديث ابن أبي أوفى من وجه آخر. وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٧٨).
(٢) ك: «يكرر».
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٣٧٥) وأبو داود (٨٧٤) والترمذي في «الشمائل» (٢٧٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٦٩، ١١٤٥) و«الكبرى» (٦٦٠، ٧٣٥، ١٣٨٣) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن رجل من عبس عن حذيفة، وقال النسائي في «الكبرى» عقب (١٣٨٣): «أبو حمزة عندنا ــ والله أعلم ــ طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة بن زفر»، وطلحة بن يزيد وثقه النسائي وابن حجر. فالإسناد صحيح، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢٨ - ٣٠). وأصله عند مسلم (٧٧٢) من طريق المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة به، وليس فيه محل الشاهد بل عنده: «ثم قال: سمع الله لمن حمده».
(٤) برقم (٤٧٣).
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول (^١): قد أوهَمَ. ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَمَ.
وصح عنه أيضًا في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه، وكان ركوعه قريبًا من قيامه (^٢).
فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه.
وأما حديث البراء بن عازب: «كان ركوع رسول الله - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء»، رواه البخاري (^٣)؛ فقد تشبَّث به من ظنَّ تقصير هذين الركنين، ولا متعلَّق له به، فإنَّ الحديث مصرَّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان. فلو كان القيام والقعود المستثنى هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديثُ الواحدُ بعضُه بعضًا، فيتعيَّن قطعًا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد. وهذا كان هديه فيهما - ﷺ -: إطالتهما على سائر الأركان، كما تقدَّم بيانه. وهذا بحمد الله واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله - ﷺ - في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه (^٤).
_________________
(١) في ك: «حتى يقول القائل» هنا وفيما يأتي.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١) من حديث عائشة، وعندهما ذكر تطويل هذا الركن جدًّا فقط، وجاء مصرَّحًا عند النسائي في «المجتبى» (١٤٩٧) و«الكبرى» (١٨٩٧): «فركع ركوعًا طويلًا مثل قيامه أو أطول».
(٣) برقم (٧٩٢)، وكذلك مسلم (٤٧١)، وقد تقدم.
(٤) وانظر: «كتاب الصلاة» (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ١ / ٢٥١ ]