قالوا: وهذا كان هدي النبي - ﷺ -، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعةً. وكان يصلي الركعة في بعض قيامه بالبقرة والنساء وآل عمران (^١). وأما بالنهار فلم يُحفَظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفِّف السنن.
وقال شيخنا - ﵁ - (^٢): الصواب أنهما سواء، والقيام فُضِّل (^٣) بذكره وهو القراءة، والسجود فُضِّل بهيئته. فهيئةُ السجود أفضل من هيئة القيام، وذكرُ القيام أفضل من ذكر السجود. قال: وهكذا كان هدي النبي - ﷺ -، فإنه كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل. وكان إذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وكذلك كان يفعل في الفرض، كما قال البراء بن عازب: كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبًا من السواء (^٤). والله أعلم (^٥).
فصل
ثم كان - ﷺ - يرفع رأسه مكبِّرًا غير رافع يديه، ويرتفع منه رأسُه قبل يديه (^٦). ثم يجلس مفترشًا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧٢) من حديث حذيفة.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٦)، (٢٢/ ٢٧٣)، (٢٣/ ٦٩، ١١٤).
(٣) ق: «أفضل».
(٤) أخرجه البخاري (٧٩٢، ٨٠١) ومسلم (٤٧١). وقد تقدم في هديه - ﷺ - في الركوع.
(٥) بعده في ك زيادة: «بغَيبه وأحكم».
(٦) «ويرتفع يديه» ساقط من ك لانتقال النظر.
[ ١ / ٢٧١ ]
وذكر النسائي (^١) عن ابن عمر قال: «من سنَّة الصلاة: أن ينصب القدم (^٢) اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى». ولم يحفظ عنه - ﷺ - في هذا الموضع جلسة غير هذه.
وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل حدَّ مرفقه (^٣) على فخذه، وطرفَ يده على ركبته. وقبَض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحرِّكها. هكذا قال وائل بن حُجْر عنه (^٤).
_________________
(١) في «المجتبى» (١١٥٨) و«الكبرى» (٧٤٨)، وإسناده حسن. وأخرجه أيضًا البخاري (٨٢٧) وغيره دون زيادة: «واستقباله بأصابعها القبلة». وهذه الزيادة أخرجها البخاري في حديث أبي حميد الساعدي (٨٢٨).
(٢) ك: «قدمه».
(٣) ق، ك: «مرفقيه».
(٤) أخرجه أحمد (١٨٨٧٠) والدارمي (١٣٥٧) والبخاري في «رفع اليدين» (٣١) وأبو داود (٧٢٧) ــ مختصرًا دون محل الشاهد ــ والنسائي في «المجتبى» (٨٨٩، ١٢٦٨) و«الكبرى» (٩٦٥، ١١٩١) وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤) وابن حبان (١٨٦٠) والطبراني (٢٢/ ٣٥) والبيهقي (٢/ ١٣٢)، كلهم من طرق عن زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر به. قال ابن خزيمة: «ليس في شيء من الأخبار «يحركها» إلا في هذا الخبر، زائدةُ ذكَرَه». قلت: خالفه ثمانية عشر راويًا كلهم ثقات أثبات مثله أو أثبت منه، ولم يذكروا هذه الزيادة، على رأسهم الثوري [أحمد (١٨٨٥٨)] وابن عيينة [النسائي في «الكبرى» (١١٨٧) وابن خزيمة (٦٩١)] وشعبة [أحمد (١٨٨٥٥) وابن خزيمة (٦٩٧)] وزهير بن معاوية [أحمد (١٨٨٧٦)]، فرواية زائدة شاذة لا يعتد بها. انظر: «الجامع في العلل والفوائد» لماهر الفحل (٣/ ٢٤٠ - ٢٥١).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وأما حديث أبي داود (^١) عن عبد الله بن الزبير أن النبي - ﷺ - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها، فهذه الزيادة في صحتها نظر (^٢). وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في «صحيحه» (^٣) عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده (^٤) اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه».
وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة (^٥). وأيضًا فلو كان في الصلاة لكان نافيًا، وحديث وائل بن حجر مثبتًا وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في «صحيحه» (^٦).
ثم يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبُرْني، واهدني، وارزقني» (^٧).
_________________
(١) برقم (٩٨٩)، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (١٢٧٠) و«الكبرى» (١١٩٤) والطبراني (١٣/ ٩٩) والبيهقي (٢/ ١٣١)، فيه ابن جريج وقد صرح بالتحديث عند النسائي، وفيه محمد بن عجلان، فيه لين. وأصله عند مسلم (٥٧٩/ ١١٣) دون زيادة: «ولا يحركها». وانظر: المصدر السابق: (٣/ ٢٥٠، ٢٥١).
(٢) تُعُقِّب قولُ المؤلف هذا فقيل: «إن كان في صحتها نظر، فإن النظر نفسه وأشد في حديث التحريك». انظر: المصدر السابق: (٣/ ٢٥٠).
(٣) برقم (٥٧٩).
(٤) وقع بعده خرم في مب.
(٥) ولكن أبا داود بوَّب عليه (باب الإشارة في التشهد)، وعند غيره زيادةٌ بوّب عليها النسائي (باب بسط اليسرى على الركبة)، وكذلك غيرهما من الأئمة.
(٦) برقم (١٨٦٠)، وقد سبق قريبًا.
(٧) وقع عند أبي داود «وعافني» بدل «واجبرني»، وعند أحمد وابن ماجه «وارفعني» بدل «واهدني».
[ ١ / ٢٧٣ ]
هكذا ذكر ابن عباس عنه (^١). وذكر حذيفة أنه كان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» (^٢).
وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود. هكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث. وفي «الصحيح» (^٣) عن أنس: «كان رسول الله - ﷺ - يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَم». وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «فكان (^٤) أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهَم» (^٥). وأما من حكَّم السنَّةَ ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٨٩٥) وأبو داود (٨٥٠) والترمذي (٢٨٤، ٢٨٥) وابن ماجه (٨٩٨) وابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٥٦) كلهم من طريق كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به، صححه الحاكم (١/ ٢٦٢) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٣/ ٤٣٦). وضعَّفه الترمذي وأعلَّه بأنه روي مرسلًا من نفس الطريق. ومداره على كامل بن العلاء أبي العلاء، فيه لين، ومن جرحه أكثر وأجل ممن وثقه أو حسن أمره.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٣٧٥، ٢٣٣٩٩) وأبو داود (٨٧٤) والترمذي في «الشمائل» (٢٧٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٦٩، ١١٤٥، ١٦٦٥) و«الكبرى» (٦٦٠، ٧٣٥، ١٣٨٢، ١٣٨٣) والبيهقي (٢/ ١٠٩). وأخرجه مختصرًا الدارمي (١٣٦٣) وابن ماجه (٨٩٧) والبيهقي (٢/ ١٢١). صححه ابن خزيمة (٦٨٤) والحاكم (١/ ٣٢١) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢٧ - ٣٠). وأصل الحديث عند مسلم (٧٧٢) دون محل الشاهد، كما سبق (ص ٢٤٥).
(٣) أخرجه مسلم (٤٧٣)، وقد سبق.
(٤) ق: «وكان»، والمثبت من غيرها موافق لما ورد في «صحيح مسلم».
(٥) أخرجه البخاري (٨٢١) ومسلم (٤٧٢).
[ ١ / ٢٧٤ ]