عن النبي - ﷺ - قال: «أيُّما امرئٍ أعتَقَ امرأً مسلمًا كان وِقاءً له (^١) من النار، يُجزئ كلُّ عضو منه عضوًا منه. وأيُّما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فَكاكه من النار، يجزئ كلُّ عضوٍ (^٢) منهما عضوًا منه». قال: هذا حديث حسن صحيح (^٣). وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق العبد يعدل عتق أَمَتين، فكان أكثر عتقائه - ﷺ - من العبيد.
وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر. والثاني: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل (^٤). والرابع: الميراث. والخامس: الدية (^٥).
فصل
وباع رسول الله - ﷺ -، واشترى. وكان اشتراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه. وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفَظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة، أكثرها لغيره، كبيعه القدَحَ والحِلْسَ فيمن يزيد (^٦)، وبيعه
_________________
(١) كذا مجوَّدًا في الأصول، وفي مب، ن وحاشية ع: «فكاكه»، وهو لفظ الترمذي.
(٢) ن: «عضوين»، وكذا في ع من تغيير بعضهم.
(٣) لفظ «حديث» ساقط من ص، ج. ولفظ «حسن» ساقط من ن، وفوقه في ع علامة: (هـ). وفي المطبوع من «الجامع»: «حسن صحيح غريب من هذا الوجه».
(٤) ص، ج: «شهادةُ رجل»، وفي ك، ع: «المرأتين».
(٥) وانظر: «تحفة المودود» (ص ٩٦) و«تهذيب السنن» (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٦) أخرجه أحمد (١٢١٣٤) وأبو داود (١٦٤١) والترمذي (٢١٤٦) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم من حديث أنس. ومداره على أبي بكر عبد الله الحنفي، مجهول الحال، قال البخاري: لا يصح حديثه. «تهذيب التهذيب» (٦/ ٨٨).
[ ١ / ١٦٣ ]
يعقوبَ المدبَّر غلامَ أبي مذكور (^١)، وبيعه عبدًا أسود بعبدين (^٢).
وأما شراؤه، فكثير. وآجر واستأجر، واستئجاره كان أكثر من إيجاره. وإنما يُحفَظ عنه أنه آجر نفسَه قبل النبوة في رِعْية (^٣) الغنم (^٤). وآجر نفسَه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام.
وإن كان (^٥) العقد مضاربةً، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك. فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرَّف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح.
وقد أخرج الحاكم في «صحيحه» (^٦) من حديث الربيع بن بدر، عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٤١) ومسلم (٩٩٧) عن جابر. وسُمِّي في حديث أحمد (١٤١٣٣) وأبي داود (٣٩٥٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٠٢) من حديث جابر.
(٣) ك، ع، مب، ن: «رعاية».
(٤) هنا حاشية في ج ونصُّها: «هذا فيه نظر. ولم يرع النبي - ﷺ - بأجرة، وإنما قراريط اسم مكان، وكان ﵇ يرعى غنم أهله، وسنُّه إذ ذاك خمس وعشرون. وقد أخطأ سويد بن سعيد في تفسير القراريط. وقد ذكرت غلطه وردَّ الناس عليه في غير هذا الموضع، والله أعلم». والقول بأن قراريط اسم مكان مروي عن إبراهيم الحربي. قال ابن الجوزي في «كشف المشكل» (٣/ ٥٤٦): «وهو أصح، لأن سويدًا لا يعتمد على قوله». وذكر ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٤٤١) أن ابن الجوزي تبع ابن ناصر، ثم رجَّح أن المراد جمع قيراط، ولا يعرف أهل مكة مكانًا يسمَّى قراريط.
(٥) ك، ع: «وكان» بإسقاط «إن»، وقد استدركت في حاشية ع.
(٦) (٣/ ١٨٢) وأخرجه البيهقي (٦/ ١١٨)، وابن عدي في «الكامل» في ترجمة الربيع بن بدر (٤/ ٥١٨) وعدَّه مما أُنكِر عليه، وسيأتي تضعيف المؤلف له.
[ ١ / ١٦٤ ]
أبي الزبير، عن جابر قال: آجر رسول الله - ﷺ - نفسَه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش، كلُّ سفرة بقلوص. وقال: صحيح الإسناد.
قال في «النهاية» (^١): جُرَش بضم الجيم وفتح الراء من مخاليف اليمن، وهو بفتحهما بلد بالشام.
قلت: إن صحَّ الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام. ولا يصح، فإن الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلةُ، ضعَّفه أئمة الحديث. قال النسائي والدارقطني والأزدي (^٢): متروك (^٣). وكأنّ الحاكم ظنَّه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله (^٤).
وشارك - ﷺ -، ولما قدم عليه شريكه قال: أما تعرفني؟ قال: «كنتَ شريكي فنِعْم الشريكُ كنتَ، لا تدارئ ولا تماري» (^٥).
_________________
(١) في غريب الحديث (١/ ٢٦١).
(٢) انظر: «الكامل» لابن عدي (٤/ ٥٠٧، ٥٠٨) و«موسوعة أقوال الدارقطني» (١/ ٢٥٥) و«تهذيب الكمال» (٩/ ٦٥).
(٣) ك، ع: «متروك الحديث».
(٤) العبارة «وقد أخرج الحاكم » إلى هنا لم ترد في ج، وألحقت في حاشية ص، فهي أيضًا مما أضافه المصنف فيما بعد.
(٥) أخرجه أحمد (١٥٥٠٠) وأبو داود (٤٨٣٦) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٦٩٢) من حديث السائب بن أبي السائب المخزومي. وقد اضطُرِب في صاحب الحديث اضطرابًا شديدًا، قد ذكره أبو حاتم في «العلل» لابنه (٣٥٠) ولخصه بقوله: «من قال: عن عبد الله بن السائب، فهو: ابن السائب بن أبي السائب، ومن قال: قيس بن السائب، فكأنه يعني: أخا عبد الله بن السائب، ومن قال: السائب بن أبي السائب، فكأنه أراد: والد عبد الله بن السائب، وهؤلاء الثلاثة موالي مجاهد من فوق»، وقال: «عبد الله بن السائب ليس بالقديم، وكان على عهد النبي - ﷺ - حدَثٌ، والشركة بأبيه أشبه، والله أعلم». وفي إسناد حديث السائب إبراهيم بن مهاجر، فيه لين، ولم يتابع عليه. وانظر: التعليق على «المسند».
[ ١ / ١٦٥ ]
«تدارئ» بالهمز من المدارأة، وهي مدافعة الحق. فإن تُرِك همزُها، صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن (^١).
ووكَّل وتوكَّل، وكان توكيله أكثر من توكُّله.
وأهدى، وقبِل الهدية، وأثاب عليها. ووهب، واتَّهب، فقال لسلمة بن الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية: «هَبْها لي»، فوهبها له، ففادى بها من أهل مكة أسارى من المسلمين (^٢).
واستدان برَهْن، وبغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِّ والمؤجَّل.
وضمن ضمانًا خاصًّا على ربِّه على أعمالٍ مَن عمِلها كان مضمونًا له، وضمانًا عامًّا لديون من توفِّي من المسلمين ولم يدَعْ وفاءً: أنها عليه وهو يوفِّيها. وقد قيل: إن هذا الحكم عامٌّ للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يخلِّفوا وفاءً، فإنها عليه يوفِّيها من بيت المال. قالوا: كما يرثه إذا مات ولم يدَعْ وارثًا، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يدع وفاءً، وكذلك ينفق عليه في حياته إذا لم يكن له ما يُنفَق عليه.
_________________
(١) يفهم من سياق كلام المصنف أن الكلمة وردت بالهمز في الحديث ولذلك وضعت فوقها علامة الهمزة في ص، ج، ع في الموضعين، ولكن الصواب أن أصلها بالهمز، ورويت في الحديث بالتخفيف لمزاوجة «يماري». انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١١٠، ١١٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٥٥) وفيه: «هب لي المرأة». ولفظ المصنف أشبه بلفظ ابن أبي شيبة (٣٣٩٢١) وابن ماجه (٢٨٤٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
ووقف - ﷺ - أرضًا كانت له، جعَلها صدقةً في سبيل الله.
وشفَع (^١)، وشُفِع إليه (^٢). وردَّت بَريرةُ شفاعته في مراجعة مغيثٍ، فلم يغضب عليها، ولا عتَب. وهو الأسوة والقدوة - ﷺ -.
وحلف في أكثر من ثمانين موضعًا (^٣). وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يسمِّيه بالفقيه؛ فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجَّهت اليمين على أبي بكر، فتهيَّأ للحَلِف، فقال له القاضي إسماعيل (^٤): ومثلُك يحلِف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحَلِف، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالحلِف في ثلاث مواضع (^٥) من كتابه؟ قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.
_________________
(١) «وشفَع» لم يرد في ج، ك، ع، وقد استدرك في حاشية ع من نسخة أخرى.
(٢) في ص: «وشفع شفيع إليه»، تحريف.
(٣) زاد في «أعلام الموقعين» (٥/ ١٨): «وهي موجودة في الصحاح والمساند». وسيأتي مرة أخرى في كتابنا هذا في فصل ما في قصة الحديبية من الفوائد.
(٤) في ك، ع بعده زيادة: «بن إسحاق: أتحلف؟».
(٥) كذا في معظم الأصول، وكأنه ذهب إلى الآيات، فذكَّر العدد. وفي مب، ن: «ثلاثة مواضع».
[ ١ / ١٦٧ ]