إن الله جميل يُحِبُّ الجمال، الكِبْرُ بطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس» (^١).
فصل
وكذلك كان هديه وسيرته - ﷺ - في الطعام: لا يرُدُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا. فما قُرِّب إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه فيتركه من غير تحريم. وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، كما ترك أكل الضَّبِّ لما لم يعتَدْه. ولم يحرِّمه على الأمة، بل أُكِل على مائدته وهو ينظر.
وأكَلَ الحلوى والعسل وكان يحبُّهما. وأكل لحم الجَزور والضَّأن والدَّجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حمار الوحش والأرنب (^٢)، وطعام البحر. وأكل الشِّواء (^٣)، وأكل الرُّطَب والتمر.
وشرب اللبن خالصًا ومَشُوبًا، والسَّويق، والعسل بالماء. وشرب نقيعَ التمر.
وأكل الخَزيرة، وهي حِساء يُتَّخَذ من اللبن والدقيق. وأكل القِثَّاء بالرُّطَب. وأكل الأَقِط. وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز والخلَّ (^٤). وأكل الثريد، وهو الخبز باللحم. وأكل الخبز بالإهالة، وهي الودك، وهو الشحم المُذاب. وأكل من الكبد المشويَّة، وأكل القَدِيد. وأكل الدُّبَّاء المطبوخة
_________________
(١) ص: «غمض الناس»، وصوابه بالصاد المهملة كما جاء في بعض المصادر.
(٢) ما عدا ق، مب، ن: «وحمار الوحش ولحم الأرنب»، وكأن كلمة «لحم» وردت في حاشية الأصل، فاختلفت النسخ في موضعها في المتن.
(٣) رسمت في ص، ج بالألف المقصورة.
(٤) غُيِّر في ن إلى: «بالخل».
[ ١ / ١٤٨ ]
وكان يحبُّها، وأكل المسلوقة. وأكل الثَّريد بالسَّمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطِّيخ بالرُّطَب. وأكل التمر بالزُّبْد، وكان يحبه.
فلم يكن يرُدُّ طيِّبًا، ولا يتكلَّفه؛ بل كان هديُه أكلَ ما تيسَّر، فإن أعوَزه صبَر حتى إنه ليربِط على بطنه الحجرَ من الجوع، ويُرَى الهلالُ والهلالُ والهلالُ، فلا يوقد في بيته - ﷺ - نار!
وكان مطعمُه (^١) يوضع على الأرض في السُّفَر، وهي كانت مائدته. وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأَكْلة؛ فإن المتكبِّر يأكل بأصبع واحدة، والجَشِع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة.
وكان لا يأكل متكئًا. والاتكاء ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على الجنب، والثاني: التربُّع (^٢)، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، والثلاثة مذمومة.
وكان يسمِّي الله على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، غيرَ مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه، ربَّنا (^٣)» (^٤).
وربما قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم. منَّ علينا، فهدانا،
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «معظم مطعمه» بزيادة لفظ «معظم».
(٢) ك، ع: «التربيع».
(٣) «ربنا» من ق، مب، ن.
(٤) أخرجه البخاري (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ -.
[ ١ / ١٤٩ ]
وأطعمنا، وسقانا، وكلَّ بلاءٍ حسنٍ أبلانا. الحمد لله الذي أطعَم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُرْي، وهدَى من الضلالة، وبصَّر من العمَى، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا. الحمد لله رب العالمين» (^١).
وربما قال: «الحمد لله الذي أطعَم وسقَى وسوَّغه» (^٢).
وكان إذا فرغ من طعامه لعِق أصابعه. ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم، ولم تكن عادتهم غسل أيديهم كلَّما أكلوا (^٣).
وكان أكثر شربه قاعدًا، بل زجَر عن الشرب قائمًا. وشرب مرةً قائمًا، فقيل: هذا نسخٌ لنهيه، وقيل: منسوخ به (^٤)، وقيل: بل فعله بيانًا لجواز الأمرين. والذي يظهر فيه ــ والله أعلم ــ أنها واقعةُ عينٍ شرب فيها قائمًا لعذر. وسياق القصة (^٥) يدل عليه، فإنه أتى زمزمَ، وهم يسقُون منها (^٦)، فأخذ
_________________
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٠٦٠) والطبراني في «الدعاء» (٨٩٦) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٤٨٥) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن حبان (٥٢١٩) والحاكم (١/ ٥٤٦)، وحسن إسناده الألباني في «التعليقات الحسان» (٥١٩٦).
(٢) تمامه: «وجعل له مخرجًا». أخرجه أبو داود (٣٨٥١) والنسائي في «الكبرى» (٦٨٦٧، ١٠٠٤٤) والطبراني في «الدعاء» (٨٩٧) و«المعجم الكبير» (٤/ ١٨٢) وابن السني (٤٧٠)، صححه ابن حبان (٥٢٢٠) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٦١).
(٣) في ق: «له مناديل يمسح بها يديه، ولم تكن عادته غسل يديه كلما أكل»، وكأن بعضهم تصرَّف في النسخة.
(٤) «وقيل منسوخ به» ساقط من الطبعة الميمنية وما بعدها.
(٥) أخرجها مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله في وصف حج النبي - ﷺ -، وستأتي في فصول الحج (٢/ ٣٣٨).
(٦) ص، ج: «يستقون بها».
[ ١ / ١٥٠ ]
الدلوَ، وشرب قائمًا. فالصحيح في هذه المسألة: النهيُ عن الشرب قائمًا، وجوازُه لعذرٍ يمنع من القعود. وبهذا تجتمع أحاديث الباب، والله أعلم (^١).
وكان إذا شرب ناول مَن على يمينه، وإن كان مَن على يساره أكبر منه (^٢).
فصل