الأمر؛ كما أن المغرب وتر للنهار، وصلاة السنة شفعًا بعدها لا تُخرجها عن كونها وتر النهار. كذلك الوتر لما كان عبادةً مستقلَّةً، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريةً (^١) مجرى سنة المغرب من المغرب.
ولما كانت المغرب فرضًا كانت محافظة النبي (^٢) - ﷺ - على سنتها آكد من محافظته على سنة الوتر. وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدًّا. وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله، وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنَّف. وبالله التوفيق.
فصل
وكان - ﷺ - إذا جلس في التشهد الأخير جلس متورِّكًا، فكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة.
فهذا (^٣) أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه - ﷺ - في التورُّك. ذكرها أبو داود (^٤) في حديث أبي حُمَيد من طريق عبد الله بن لهيعة. وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» هذه الصفة في حديث أبي حُمَيد من غير طريق ابن لهيعة، وقد تقدَّم حديثه.
_________________
(١) ومثله في طبعة الرسالة. وهنا انتهى الخرم الذي وقع في ع، واستدرك بخط مغاير لخط ناسخها.
(٢) ق: «محافظته».
(٣) ص، ج، ع: «فهذه»، يعني الصفة.
(٤) برقم (٧٣١) برواية قتيبة بن سعيد عنه. وكذلك روى عنه عبد الله بن وهب في «جامعه» (ص ٢٣٨ - ط. دار الوفاء) ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٢٨). وأخرجه أيضًا البيهقي (٢/ ١٠٢) عن ابن لهيعة مقرونًا بالليث بن سعد. فالحديث حسن إن شاء الله. وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٣/ ٣٢١، ٣٢٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
الوجه الثاني: ذكره البخاري في «صحيحه» (^١) من (^٢) حديث أبي حُمَيد أيضًا قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (^٣) قدَّم رجله اليسرى ونصَب اليمنى، وقعد على مقعدته». فهذا موافق للأول في الجلوس على الورك، وفيه زيادة وصف في هيئة القدمين لم تتعرَّض الرواية الأولى لها.
الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في «صحيحه» (^٤) من حديث عبد الله بن الزبير: أنه - ﷺ - كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرُش قدمه اليمنى. وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخِرَقي في «مختصره» (^٥). وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه، وفي نصب اليمنى، فلعله (^٦) كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وهذا أظهر. ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة.
ولم يذكر عنه - ﷺ - هذا التورُّك إلا في التشهد الذي يلي السلام. ثم قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهُّدان. وهذا التورُّك فيها جُعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يُسَنُّ (^٧) تخفيفه،
_________________
(١) برقم (٨٢٨).
(٢) ص، ج: «في».
(٣) ق: «الآخرة».
(٤) برقم (٥٧٩)، وقد تقدم.
(٥) (ص ٢٣) ونصُّه: « تورَّك، فنصب رجله اليمنى. ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض». وانظر: «المغني» (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٦) ق: «ولعله».
(٧) ص: «سُنَّ».
[ ١ / ٢٩٢ ]
ويكون الجالس (^١) فيه متهيِّئًا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مطمئنًّا. وأيضًا فتكون هيئة الجلوسين فارقةً بين التشهُّدين مذكِّرةً للمصلِّي حالَه فيهما. وأيضًا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه - ﷺ - في الجلسة في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه كان يجلس مفترشًا ثم قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (^٢)»، وفي لفظ (^٣): «فإذا (^٤) جلس في الركعة الرابعة».
وأما قوله في بعض ألفاظه (^٥): «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه (^٦)، وجلس على شقِّه متورِّكًا»، فهذا قد احتجَّ (^٧) به من يرى التورُّك يُشرَع في كلِّ تشهُّد يليه السلام، فيتورَّك في الثنائيَّة (^٨)، وهذا قول الشافعي. وليس بصريح في الدلالة، بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي يلي السَّلامَ من الرباعية والثلاثية؛ فإنه ذكر صفة جلوسه في
_________________
(١) ك، ع: «الذي يكون الجالس» بإسقاط «يسن تخفيفه».
(٢) ق: «الآخرة»، وهو لفظ البخاري (٨٢٨).
(٣) بنحوه أخرجه أبو داود (٩٦٥) وغيره من طريق ابن لهيعة، وقد تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) ك، ع: «وإذا».
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٥٩٩) والدارمي (١٣٩٦) وأبو داود (٩٦٣) والترمذي (٣٠٤) والنسائي في «المجتبى» (١٢٦٢) وفي «الكبرى» (١١٨٦) وابن ماجه (١٠٦١) وابن خزيمة (٥٨٧، ٧٠٠) وابن حبان (١٨٦٧) والبيهقي (٢/ ٧٢، ١٢٩) بنحوه.
(٦) في طبعة الرسالة: «رجله اليسرى» تبعًا لنشرة الفقي الذي غيَّر النص خلافًا للنسخ والطبعات السابقة و«صحيح ابن حبان».
(٧) ق: «يحتج».
(٨) ما عدا ص، ج: «الثانية».
[ ١ / ٢٩٣ ]