قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «إن الله قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمةً إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا ربِّ، كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».
ومن هذا: اختياره سبحانه من الأماكن والبلاد خيرَها وأشرفَها، وهي البلد الحرام. فإنه سبحانه اختاره لبيته (^١)، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كلِّ فجٍّ عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرمًا آمنًا لا يُسفَك فيه دم، ولا يُعضَد به (^٢) شجرة، ولا يُنفَّر له صيد، ولا يُختلى خَلاه (^٣)، ولا تُلتقَط لقطته للتملُّك (^٤) بل للتعريف ليس إلا.
_________________
(١) مب، ن: «لنبيه - ﷺ -».
(٢) لم يرد «به» في ج، ك، ع فيقرأ: «ولا يُعضَد شجرُه».
(٣) ك، ع: «خلاؤه». وكذا وقع بالمد في رواية القابسي لحديث ابن عباس في «صحيح البخاري» (١٨٣٤) فيما نقله الحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٨) عن ابن التين. وقد خطّؤوا هذه الرواية. انظر: «مشارق الأنوار» (١/ ٢٣٩، ٢٤٠) و«هدى الساري» (ص ١١٤).
(٤) ع، ك، مب: «للتمليك».
[ ١ / ٢٢ ]
وجعل قصدَه مكفِّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًّا للخطايا، كما في «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أتى هذا البيت فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه».
ولم يرضَ لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي «السنن» (^٢) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد. وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة». وفي «الصحيح» (^٣) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما (^٤) بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
ولو لم يكن البلد الأمين خيرَ بلاده، وأحبَّها إليه، ومختارَه من البلاد= لما جعل عرصاتها مناسك لعباده، وفرَضَ عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه في موضعين منه فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كلِّ قادر السعيُ (^٥) إليها والطوافُ بالبيت الذي
_________________
(١) البخاري (١٨٢٠) ومسلم (١٣٥٠).
(٢) للترمذي (٨١٠) والنسائي (٢٦٣١)، وأخرجه أحمد (٣٦٦٩). صححه الترمذي وابن خزيمة (٢٥١٢) وابن حبان (٣٦٩٣).
(٣) في النسخ المطبوعة: «الصحيحين». والحديث أخرجه البخاري (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩).
(٤) ع، ك: «ما».
(٥) ص، ج: «السفر».
[ ١ / ٢٣ ]
فيها غيرها. وليس على وجه الأرض موضع يُشرَع تقبيلُه واستلامه (^١)، ويَحُطُّ الخطايا والأوزارَ غير الحجر الأسود والركن اليماني.
وثبت عن النبي - ﷺ - أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. ففي النسائي و«المسند» (^٢)
بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة». ورواه ابن حبان في «صحيحه». وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شدُّ الرحال إليه فرضًا، وإلى غيره (^٣) إنما يُستحَبّ ولا يجب.
وفي الترمذي والنسائي و«المسند» (^٤) عن عبد الله بن عدي بن الحمراء
_________________
(١) ع، ك: «أو استلامه».
(٢) أحمد (١٦١١٧)، وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٣٠) والبيهقي (٥/ ٢٤٦). صححه ابن حبان (١٦٢٠) واختاره الضياء المقدسي (٩/ ٣٣١). وأما النسائي فلم أجده عنده من حديث عبد الله بن الزبير، بل أخرجه بنحوه من حديث أبي هريرة (٢٨٩٩) وابن عمر (٢٨٩٧) وأم المؤمنين ميمونة (٢٨٩٨). وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا مالك (٥٢٧) والبخاري (١١٩٠) ومسلم (١٣٩٤). وحديثا ابن عمر وأم المؤمنين ميمونة أخرجهما مسلم (١٣٩٥، ١٣٩٦).
(٣) ق، مب، ن: «ولغيره».
(٤) ق: «وفي المسند والترمذي والنسائي». والحديث أخرجه الترمذي (٣٩٢٥) والنسائي في «الكبرى» (٤٢٣٨، ٤٢٣٩) وأحمد (١٨٧١٥، ١٨٧١٦) والدارمي (٢٥٥٢) وابن ماجه (٣١٠٨)، كلهم من طريق أبي سلمة عنه. وقد روي من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو وهْم، فقد رجَّح الترمذي أنه من حديث عبد الله بن عدي بن حمراء، وكذلك رجَّحه أبو حاتم في «العلل» (٨٣٠) والدارقطني في «العلل» (١٧٤٣) وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٣/ ٤٩٦). والحديث صححه الترمذي وابن حبان (٣٧٠٨) والحاكم (٣/ ٧، ٤٣١) والحافظ في «الفتح» (٣/ ٦٧).
[ ١ / ٢٤ ]
أنه سمع رسول الله - ﷺ - وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرة (^١) من مكة يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ». قال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٢).
ومن خصائصها: كونها قبلةً لأهل الأرض كلهم، فليس لله على وجه الأرض قبلة غيرها.
ومن خواصِّها أيضًا: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر بقاع الأرض. وأصحُّ المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع (^٣). وليس مع المفرِّق ما يقاومها البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضع استيفاء الحِجاج من الطرفين.
ومن خواصِّها أيضًا: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض،
_________________
(١) موضع بمكة، وكان سوقها، وقد دخل في المسجد لما زيد فيه. انظر: «معجم البلدان» (٢/ ٢٥٥).
(٢) في نسخة الكروخي (ق ٢٦٥) و«تحفة الأشراف» (٥/ ٣١٦) كما ذكره المؤلف. وفي نشرتي أحمد شاكر وبشار عواد من «الجامع»: «حسن صحيح غريب».
(٣) لم أجده في مؤلفاته الموجودة. ولكن سيأتي ذكر بعض الأدلة في المجلد الثاني من هذا الكتاب (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٩)، وانظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨) ط دار ابن خزيمة، و«تهذيب السنن» (١/ ٨ - ١٢).
[ ١ / ٢٥ ]
كما في «الصحيحين» (^١) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عامًا». وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسَّسه هو يعقوب بن إسحاق - ﷺ - بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.
ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى. فالقرى كلها تبع لها وفرع عليها، وهي أصل القرى، فيجب أن لا يكون لها في القرى عديل. وهذا كما أخبر النبي - ﷺ - عن (الفاتحة) أنها أم القرآن (^٢)، ولذلك لم يكن في الكتب الإلهية لها عديل.
ومن خصائصها: أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، وهذه خاصِّيَّة (^٣) لا يشاركها فيها شيء من البلاد. وهذه المسألة تلقَّاها الناس عن ابن عباس، وقد روي بإسناد لا يحتج به عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام، من أهلها أو من غير أهلها». ذكره أبو أحمد بن عدي (^٤)، ولكن الحجاج بن أرطاة بالطريق، وآخر قبله من الضعفاء.
_________________
(١) البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٥٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٠٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) ع، ك: «خاصّة».
(٤) في «الكامل» (٩/ ٣٨٨ - ط. الرشد) في ترجمة محمد بن خالد الواسطي وهو الذي أشار إليه المؤلف؛ وهو والحجاج بن أرطاة كلاهما ضعيف. وقال ابن عدي: «لا أعرفه مسندًا إلا من هذا الطريق». لكن ثبت موقوفًا عن ابن عباس من غير وجه، أصحها ما أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٣٢٩) والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٧٧)، وجوَّد الحافظ إسناده في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥٧٠).
[ ١ / ٢٦ ]
وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والفرق بين من هو داخل المواقيت ومن هو قبلها. فمن قبلها (^١) لا يجاوزها إلا بإحرام (^٢)، ومن هو داخلها حكمُه حكمُ أهل مكة، وهذا قول أبي حنيفة (^٣). والقولان الأولان للشافعي وأحمد (^٤).
ومن خواصِّه: أنه يعاقب فيه (^٥) على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وتأمَّلْ كيف عدَّى (^٦) فعل الإرادة هاهنا بالباء ــ ولا يقال: أردت بكذا (^٧) ــ لما ضمَّنه (^٨) معنى فعل (يَهُمُّ) فإنه يقال: هممت بكذا. فتوعَّد من هَمَّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم.
_________________
(١) «فمن قبلها» ساقط من ع، ك لانتقال النظر فيما يبدو. وفي ج: «فمن هو قبلها».
(٢) مب: «بالإحرام».
(٣) انظر: «الهداية» (١/ ١٣٤).
(٤) انظر: «المجموع» (٧/ ١٢) و«المغني» (٥/ ٧١).
(٥) ق: «على الهم فيه». و«فيه» ساقط من مب.
(٦) هذه قراءة ص، ن، وفي ع ضبط بالبناء للمجهول.
(٧) بعده فيما عدا ص، ج، ق، مب: «إلا».
(٨) كذا في جميع الأصول والطبعات القديمة. وفي طبعة الفقي: «ضمن». وانظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٤٢٤) و«حادي الأرواح» (١/ ٣٩١).
[ ١ / ٢٧ ]
ومن هذا تضاعُفُ مقادير السيئات فيه لا كمِّيَّاتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئةٌ كبيرةٌ جزاؤها مثلها، وصغيرُها جزاؤها مثلها (^١). فالسيئة في حرم الله وبلده على (^٢) بساطه أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض. ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه. فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات فيه، والله أعلم.
وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبُه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو أولى بقول القائل:
محاسنُه هَيُولى كلِّ حُسْنٍ ومِغْناطيسُ أفئدةِ الرجال (^٣)
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضُون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له اشتياقًا.
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقَا (^٤)
_________________
(١) الجملة «وصغيرها جزاؤها مثلها» ساقطة من ع، ك.
(٢) ق، ن: «وعلى».
(٣) أنشده ابن سنان في «سرِّ الفصاحة» (٢٤٩ - نشرة شعلان) للظاهر الجزري (ت ٤٠١ هـ) وهو بالظاء المعجمة فيما نصَّ عليه ابن ماكولا في «الإكمال» (٥/ ٢٤٠). وقد يرد في المصادر بالطاء المهملة. والبيت أورده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ١٠٦) أيضًا دون عزو.
(٤) ع، ك: «حين ينظرها». والبيت لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه ضمن «الطرائف الأدبية» (ص ١٤٧). ويروى لأبي نواس. انظر: «ديوانه» (٤/ ٩٢ - ط النشرات الإسلامية). وقد أنشده المؤلف في كتب أخرى له أيضًا. انظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (٢/ ٧٢٦).
[ ١ / ٢٨ ]
فللّه كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبِّها من الأموال والأرواح، ورضي المحِبُّ بمفارقة فِلَذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاقّ، وهو يستلذُّ ذلك كلَّه ويستطيبه، ويراه ــ لو ظهر سلطان المحبة في قلبه ــ أطيبَ من نعيم المتخلِّفين (^١) وترفُّههم (^٢) ولذَّاتهم.
وليس محبًّا من يعُدُّ شقاءَه عذابًا إذا ما كان يُرضِي حبيبَه (^٣)
وهذا كلُّه سرُّ إضافته إليه سبحانه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته (^٤)، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من المحبة والجلالة (^٥) والوقار ما كستهم. فكلُّ ما أضافه الربُّ تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر وتخصيصًا وجلالةً زائدًا على ما له قبل الإضافة.
ولم يوفَّق لفهم هذا المعنى من سوَّى بين الأعيان والأفعال والأزمان
_________________
(١) ق: «المتخلية»، وفي النسخ المطبوعة: «نعم المتحلية».
(٢) ص، ج: «ترفهم».
(٣) كذا ضُبط البيت في ج، ق، ك؛ ولم أقف عليه.
(٤) وانظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢) و«روضة المحبين» (ص ٣٧٩).
(٥) ع، ك: «المحبة والإجلال». وفي مب: «المحبة والجلال». وفي ق: «الجلالة والمحبة».
[ ١ / ٢٩ ]
والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء، وإنما هو مجرَّد الترجيح بلا مرجِّح. وهذا القول باطل من أكثر (^١) من أربعين وجهًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع (^٢).
ويكفي تصوُّرُ هذا المذهب الباطل في فساده، فإنَّ مذهبًا يقتضي أن تكون ذواتُ الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها؛ وكذلك نفسُ البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو بما يقع فيها من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنًى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سمَّيتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها (^٣).
والله سبحانه قد ردَّ هذا القول الباطل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتِهِ (^٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤] أي: ليس كل أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمل رسالاتِه (^٥)، بل لها محالُّ مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا (^٦) لها،
_________________
(١) ما عدا ص، ج، مب: «بأكثر»، والمثبت هو أسلوب المؤلف.
(٢) لم أقف عليه، ولكن انظر: «أعلام الموقعين» (١/ ١١٥) و«شفاء العليل» (ص ٢٠٣).
(٣) السياق: «فإنَّ مذهبًا يقتضي » فطال وصف اسم إن، وحذف خبرها لدلالة السياق عليه.
(٤) في ق وحدها أثبتت الكلمة «رسالته» مع فتح التاء على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم. وفي غيرها كما أثبتنا على قراءة أبي عمرو السائدة في زمن المؤلف.
(٥) ق: «رسالته».
(٦) «إلا» ساقطة من ق، ك.
[ ١ / ٣٠ ]
والله أعلم بهذه المحالِّ منكم. فلو (^١) كانت الذوات متساويةً كما قال هؤلاء لم يكن في ذلك ردٌّ (^٢) عليهم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أي هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته، فيخُصُّه بفضله ويمُنُّ عليه، ممن لا يشكره. فليس كلُّ محلٍّ يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته.
فذواتُ ما اصطفاه الله واختاره (^٣) من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملةٌ على صفات وأمور قائمة بها ليست في غيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي خصَّها (^٤) بتلك الصفات؛ فهو الذي أعطاها الصفات (^٥)، وخصَّها بالاختيار. فهذا خلقه، وهذا اختياره. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وما أبيَنَ بطلانَ رأي يقضي بأنَّ مكانَ البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذاتَ الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذاتَ رسول الله - ﷺ - مساوية لذات غيره؛ وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات
_________________
(١) ق، مب، ن: «ولو».
(٢) ما عدا ق: «ردًّا»، وهو لحن لا يزال شائعًا، أعني: نصب اسم «كان» إذا كان خبرها شبه جملة.
(٣) ما عدا ص، ج: «اختاره الله واصطفاه»، ورجَّحت ما أثبت لتقديم المؤلف الاصطفاء على الاختيار قبل قليل وفيما يأتي.
(٤) ق، مب، ن: «فضَّلها»، وقد ذكرت هذه النسخة في حاشية ع.
(٥) «فهو الصفات» ساقط من النسخ المطبوعة.
[ ١ / ٣١ ]
والصفات القائمة بها. وهذه الأقاويل (^١) وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها إليها وهي بريئة منها. وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمرٍ عامٍّ، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمرٍ عامٍّ مع اختلافها في صفاتها النفسية.
وما سوَّى الله بين ذات المسك وذات البول أبدًا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدًا. والتفاوتُ الذي بين الأماكن الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظمُ من هذا التفاوت بكثير. فبين ذات موسى وفرعون (^٢) من التفاوت أعظم مما بين ذات المسك والرجيع. وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت الشيطان (^٣) أعظم من هذا التفاوت (^٤) بكثير. فكيف تُجعَل البقعتان (^٥) سواءً في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات؟!
ولم نقصد استيفاء الردِّ على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا. والله سبحانه لا يخصِّص شيئًا ولا يفضِّله ويرجِّحه إلا لمعنًى يقتضي
_________________
(١) ما عدا ق، ن: «الأمور». وفي ص وضعت علامة اللحق بعده وكتب في الحاشية: «والأقاويل صح» يعني أن في الأصل الذي قوبلت النسخة عليه: «الأمور والأقاويل». وفي حاشية ع أيضًا ذكرت نسخة «الأقاويل».
(٢) كذا في جميع الأصول، يعني: «وذات فرعون».
(٣) في النسخ المطبوعة: «السلطان»، تحريف.
(٤) بعده فيما عدا ص، ج: «أيضًا».
(٥) ن: «البقعات». وفي ك، ع: «النقيضان»، ولعله تحريف.
[ ١ / ٣٢ ]