لما كثر المسلمون وخاف منهم الكفار اشتدَّ أذاهم لهم وفتنتهم إياهم، فأذِن لهم رسولُ الله - ﷺ - في الهجرة إلى الحبشة، وقال: «إنَّ بها مَلِكًا لا يُظلَم الناسُ عنده» (^٣). فهاجر من المسلمين اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج، ومعه زوجته رقية؛ فأقاموا بالحبشة في
_________________
(١) مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) ك، ع، مب، ن: «الهجرتين»، وأثبت ما في غيرها لموافقته لأسلوب المؤلف كقوله في «أعلام الموقعين» (٤/ ٥): «فمثال القسم الأول والثاني»، وفيه (٢/ ٣٧٤): «بالمرة الأولى والثانية»، وفيه (٤/ ٤٢٧): «فالصورة الأولى والثانية». وفي «التبيان» (ص ٣٥١): «الشرط الأول والثاني». وفي «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٦٤): «للنبي الأول والثاني». وفي «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١١٨١): «القدر الأول والثاني».
(٣) رواه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ١٩٤ - ط. محمد حميد الله) من حديث أم سلمة. وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٢١).
[ ١ / ٨٥ ]
أحسن جوار، فبلغهم أن قريشًا أسلمت، وكان هذا الخبر كذبًا، فرجعوا إلى مكة. فلما بلغهم أن الأمر أشدُّ مما كان رجع منهم من رجع. ودخل جماعة، فلقوا من قريش أذًى شديدًا، وكان ممن دخل عبد الله بن مسعود.
ثم أذن لهم في الهجرة ثانيًا إلى الحبشة. فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون (^١) رجلًا، إن كان فيهم عمار، فإنه يُشَكُّ فيه، ومن النساء ثمان عشرة امرأةً، وأقاموا عند النجاشي على أحسن حال. وبلغ ذلك قريشًا، فأرسلوا عمرو بن العاص (^٢) في جماعة، ليكيدوهم عند النجاشي، فردَّ الله كيدهم في نحورهم.
فاشتدَّ أذاهم لرسول الله - ﷺ -، فحصروه وأهلَ بيته في الشِّعب شِعب أبي طالب ثلاث سنين، وقيل: سنتين. وخرج من الحصر وله تسع وأربعون سنةً، وقيل ثمان وأربعون سنةً.
وبعد ذلك بأشهر مات عمُّه أبو طالب، وله سبع وثمانون سنةً.
وفي الشِّعب وُلِد عبد الله بن عباس (^٣).
_________________
(١) ك، ع: «وثلاثون»، سبق قلم.
(٢) في الطبعات القديمة بعده: «وعبد الله بن الزبير المخزومي» وقد صحِّح في طبعة الرسالة إلى «عبد الله بن أبي ربيعة» مع حذف «المخزومي»، ولكن هذه الزيادة لم ترد في الأصول.
(٣) بعده في ص، ج: «ثم مات بعد ذلك عمُّه أبو طالب، وله سبع وثمانون سنة»، وهو مكرر. ولعل سبب التكرار اختلال السياق بالجملة المعترضة في ذكر ولادة عبد الله بن عباس، فإن قوله «فنالت» مرتَّب على موت أبي طالب. ولم ترد الجملة المذكورة في مب.
[ ١ / ٨٦ ]
فنالت منه الكفارُ (^١) أذًى شديدًا. ثم ماتت خديجة بعد ذلك بيسير، فاشتدَّ أذى الكفار له. فخرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الله، وأقام به أيامًا، فلم يجيبوه، وآذوه، وأخرجوه، وقاموا له سِماطَين، فرجموه بالحجارة حتى أدْمَوا كعبيه؛ فانصرف عنهم رسول الله - ﷺ - راجعًا إلى مكة.
وفي طريقه لقي عدَّاسًا النصراني، فآمن به، وصدَّقه. وفي طريقه أيضًا بنخلةَ صُرِف إليه نفرٌ من الجن سبعةٌ من أهل نَصيبِين، فاستمعوا القرآن وأسلموا.
وفي طريقه تلك أرسل الله إليه ملَكَ الجبال يأمره بطاعته وأن يُطبِقَ على قومه أخشَبَي مكة ــ وهما جبلاها ــ إن أراد، فقال: «بل أستأني بهم، لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا» (^٢).
وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي (^٣) » (^٤) الحديث. ثم دخل مكة في جوار المطعِم بن عدي.
_________________
(١) مب: «فنال الكفار منه».
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) وغيرهما من حديث عائشة - ﵂ - بلفظ: «بل أرجو أن يخرج الله من »، وأما اللفظ: «بل أستأني بهم» هو في قصة أخرى من حديث عبد الله بن عباس في سؤال أهل مكة تحويل الصفا ذهبًا وتنحية الجبال عنهم ليزدرعوا، أخرجه أحمد (٢٣٣٣) والبزار (٢٢٢٥ - كشف الأستار) والنسائي في «الكبرى» (١١٢٦٦)، صححه الحاكم (٢/ ٣٦٢) واختاره الضياء (١٠/ ٧٩، ٨٠).
(٣) في ك، ع، مب، ن زيادة: «وقلة حيلتي».
(٤) رواه ابن إسحاق (١/ ٤٢٠ - سيرة ابن هشام) عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي مرسلًا. ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» في ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار (٩/ ٤٦) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٣/ ٧٣ و١٤/ ١٣٩، ١٤٠) وفي «الدعاء» (١٠٣٦) والضياء المقدسي (٩/ ١٨١) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. رجال إسناده ثقات إلا أن محمد بن إسحاق قد عنعنه. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٩٣٣). وسيأتي مرة أخرى بطوله (٣/ ٣٩).
[ ١ / ٨٧ ]