لما رجع - ﷺ - من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض، وأرسل إليهم رسله. فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر؛ وختم به الكتب إلى الملوك (^٢). وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرَّم سنة سبع.
فأولهم عمرو بن أمية الضَّمْري، بعثه إلى النجاشي، واسمه أصحَمة بن أبجَر، وتفسير «أصحمة» بالعربية: عطية. فعظَّم كتابَ النبي - ﷺ -، ثم أسلم (^٣) وشهِد شهادة الحق، وكان من أعلم الناس بالإنجيل. وصلَّى عليه النبيُّ - ﷺ - يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة. هكذا قال جماعة، منهم الواقدي وغيره، وليس كما قال هؤلاء، فإن أصحمة النجاشي الذي صلَّى عليه رسولُ الله - ﷺ - ليس هو بالذي كتَب إليه. وهذا الثاني لا يُعرَف إسلامه، بخلاف الأول فإنه مات مسلمًا (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٧٠) والدارقطني (١٩٨٦) والحاكم (١/ ٣٩٣، ٣٩٤) والبيهقي (٤/ ٩٠، ٩١) من حديث عبد الله بن عمر، من طريق عبد الله بن المبارك عن الزهري عن سالم عنه، والحديث صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٠٦) من حديث أنس، وبنحوه أخرجه مسلم (٢٠٩٢).
(٣) «ثم أسلم» ساقط من ص.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٤٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ١١١ ]
وقد روى مسلم في «صحيحه» (^١) من حديث قتادة، عن أنس قال: «كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي»، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه رسول الله - ﷺ -.
وقال أبو محمد بن حزم (^٢): إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله - ﷺ - عمرو بن أمية لم يُسلِم. والأول اختيار ابن سعد وغيره (^٣)، والظاهر قول ابن حزم.
وبعث دِحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، واسمه هِرَقل، فهمَّ بالإسلام وكاد، ولم يفعل. وقيل: بل أسلم، وليس بشيء.
وقد روى (^٤) أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه» (^٥) عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله - ﷺ -] (^٦): «من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر [وله الجنة] (^٧)؟»، فقال رجل من القوم: وإن لم أُقْتَل (^٨)؟ قال (^٩): «وإن لم تُقْتَلْ». فوافق قيصرَ وهو
_________________
(١) برقم (١٧٧٤).
(٢) في «جوامع السيرة» (ص ٣٠).
(٣) انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ١٧٦، ٢٢٢) و«عيون الأثر» (٢/ ٣٣٠) و«مختصر ابن جماعة» (ص ١١٤) وفيه: «الأول هو المشهور».
(٤) ص، ج: «رواه».
(٥) برقم (٤٥٠٤)، واختاره الضياء (٦/ ٩٨).
(٦) زيادة من ابن حبان، وكذا في حاشية ع، ن.
(٧) زيادة من «الصحيح» يقتضيها السياق وقد وردت في هامش مب.
(٨) ما عدا ك، مب: «أُقبَل» وكذا «تُقبل» فيما يأتي، وهو تصحيف.
(٩) «قال» ساقط من ص.
[ ١ / ١١٢ ]
يأتي بيتَ المقدس فرمَى بالكتاب البساطَ، وتنحَّى. فنادى قيصرُ: مَن صاحبُ الكتاب؟ فهو آمن. قال: أنا. قال: فإذا قَدِمتُ فأتِني، فلما قدِم أتاه، فأمَر قيصرُ بأبواب قصره، فغُلِّقَتْ، ثم أمر مناديَه، فنادى: ألا، إن قيصر اتَّبعَ محمدًا، وترك النصرانية. فأقبل جندُه، وقد تسلَّحوا. فقال لرسول رسول الله - ﷺ -: قد ترى أني خائفٌ على مملكتي. ثم أمرَ مناديه فنادى: ألا، إن قيصر قد رضي عنكم. وكتب إلى رسول الله - ﷺ -: إني مسلم؛ وبعَث إليه بدنانير. فقال رسول الله - ﷺ -: «كذب عدوُّ الله، ليس بمسلم، وهو على النصرانية»، وقسَم الدنانيرَ.
وبعث عبدَ الله بن حُذافة السَّهمي إلى كِسْرى، واسمه أَبْرَوِيز بن هُرْمُز بن أنُوشَروان، فمزَّق كتاب النبي - ﷺ -. فقال النبيُّ - ﷺ -: «اللهم مزِّق ملكَه». فمزَّق الله ملكَه (^١) وملكَ قومه (^٢).
وبعث حاطبَ بن أبي بَلْتَعة إلى المُقَوقِس (^٣)، واسمه جُرَيج بن مِيناء ملك إسكندرية (^٤) عظيم القبط. فقال خيرًا، وقاربَ الأمرَ، ولم يُسلِم. وأهدى للنبي - ﷺ - مارية وأختيها سِيرين وقيسَر (^٥)، فتسرَّى بمارية، ووهب سِيرين لحسان بن ثابت (^٦). وأهدى له جاريةً أخرى، وألف مثقال ذهبًا،
_________________
(١) «فمزَّق الله ملكه» ساقط من ك لانتقال النظر.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٤).
(٣) انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٢٤) في ترجمة حاطب بن أبي بلتعة، ومواضع أخر (١/ ١١١، ٣/ ١٠٦، ١٠/ ٢٠١) و«الإصابة» (١٠/ ٥٦٧ وبعده).
(٤) ق، مب، ن: «الإسكندرية».
(٥) ك، ع، ص: «قيس»، وكذا كان في ج فأصلحه بعضهم. وفي الطبعة الهندية وغيرها: «قيسرى».
(٦) «بن ثابت» لم يرد في ص، ج.
[ ١ / ١١٣ ]
وعشرين ثوبًا من قَباطيِّ مصر، وبغلةً شهباء وهي دُلدُل، وحمارًا أشهب، وهو عُفَير، وغلامًا خصيًّا يقال له مأبور، قيل: هو ابن عمِّ مارية، وفرسًا وهو اللِّزَاز، وقدَحًا من زجاج، وعسلًا (^١). فقال النبيُّ - ﷺ -: «ضنَّ الخبيثُ بمُلكه، ولا بقاء لمُلكه» (^٢).
وبعث شجاعَ بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شِمْر الغسَّاني ملِك البلقاء، قاله ابن إسحاق (^٣) والواقدي (^٤). وقيل (^٥): إنما توجَّه لجَبَلة بن الأيهم. وقيل (^٦): توجَّه لهما معًا. وقيل (^٧): توجَّه لهرقل مع دِحْية بن خليفة. فالله أعلم.
وبعث سَليط بن عمرو إلى هَوذة بن علي الحنفي باليمامة، فأكرمه. وقيل (^٨): بعثه إلى هَوذة، وإلى ثُمامة بن أُثال الحنفي، فلم يُسلِم هَوذة، وأسلم ثُمامة بعد ذلك.
فهؤلاء الستة قيل: هم الذين بعثهم رسول الله - ﷺ - في يوم واحد.
_________________
(١) انظر: «مختصر ابن جماعة» (ص ١١٦).
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢٢٤) من حديث ابن عباس وغيره.
(٣) فيما نقل عنه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٦٠٧).
(٤) كما نقل عنه ابن سعد (٣/ ٨٨).
(٥) القائل به: ابن هشام في «سيرته» (٢/ ٦٠٧). والمؤلف صادر عن «مختصر ابن جماعة» (ص ١١٦) وقد ذكر فيه أصحاب الأقوال المذكورة في هذه الفقرة.
(٦) القائل: ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢/ ٧٠٧).
(٧) نقله ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧٣/ ١٤٢).
(٨) القائل: ابن حزم في «جوامع السيرة» (ص ٢٩).
[ ١ / ١١٤ ]
وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جَيفَر وعبدٍ ابني الجُلَنْدَى (^١) الأزديَّين بعُمَان، فأسلَما وصدَّقا، وخلَّيَا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم. فلم يزل بينهم حتى بلغته (^٢) وفاة النبي - ﷺ -.
وبعث العلاءَ بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوَى (^٣) العبدي ملكِ البحرين قبل منصرَفه من الجِعْرانة، وقيل: قبل الفتح، فأسلم وصدَّق.
وبعث المهاجرَ بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كُلال الحِمْيري باليمن، فقال: سأنظر في أمري.
وبعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك، وقيل: بل سنة عشر في ربيع الأول (^٤)، داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامَّةُ أهلها طَوعًا من غير قتال.
ثم بعث بعد ذلك عليَّ بنَ أبي طالب إليهم، ووافاه بمكة في حَجَّة الوداع.
وبعث (^٥) جريرَ بن عبد الله البجلي إلى ذي الكُلاع وذي عمرو، يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما. وتوفِّي رسول الله - ﷺ - وجريرٌ عندهم.
_________________
(١) ما عدا ق: «الجلند»، ثم أصلح في ص، ج، ع بزيادة الألف.
(٢) ما عدا ق، مب، ن: «بلغه».
(٣) ما عدا ق، مب، ن: «ساور»، ثم أصلح في ج، ع فيما يظهر.
(٤) في «مختصر ابن جماعة» (ص ١١٨): «ربيع الآخر»، وكذا في «التعريف» لابن الحذاء (٢/ ٢٣٣). وفي «المواهب اللدنية»: «ربيع الأول»، والظاهر أن صاحبه صادر عن كتابنا.
(٥) في ك، ع زيادة: «بعد ذلك».
[ ١ / ١١٥ ]
وبعث عمرَو بنَ أمية الضَّمْري إلى مسيلمة الكذّاب بكتاب، وكتب إليه بكتاب آخر مع السائب بن العوَّام أخي الزبير، فلم يُسلِم.
وبعث إلى فَروة بن عمرو الجُذامي يدعوه إلى الإسلام. وقيل: لم يبعث إليه. وكان فروة عاملًا لقيصر بمُعَان (^١)، فأسلم، وكتب إلى النبي - ﷺ - بإسلامه. وبعث إليه هديةً مع مسعود بن سعد، وهي بغلة شهباء يقال لها: فِضَّة، وفرس يقال لها: الظَّرِب (^٢)، وحمار يقال له: يعفور. كذا قال جماعة، والظاهر ــ والله أعلم ــ أن عُفَيرًا ويعفورًا واحد (^٣)، وعُفَير (^٤) تصغير يعفور تصغير الترخيم (^٥). وبعث إليه أثوابًا وقَباءَ سندسٍ مخوَّصٍ (^٦) بالذهب. فقبِل هديته، ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقيةً ونشًّا (^٧).
وبعث عيَّاشَ بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث ومسروح ونُعَيم بني (^٨) عَبدِ كُلال من حمير.
_________________
(١) بعده في ك، ع: «له». و«مُعان» كذا ضبط في ج، ع بضم الميم. وفي «معجم البلدان» (٥/ ١٥٣): «بالفتح، والمحدِّثون يقولونه بالضم».
(٢) في الأصول جميعًا رسم بالضاد.
(٣) قد سبق أنَّ عفيرًا مما أهداه المقوقس. والقول بأنهما واحد عزاه الحافظ في «الفتح» (٦/ ٥٩) إلى ابن عبدوس، وبه قال محب الدين الطبري في «خلاصته» (ص ١٦٩).
(٤) ك، ع: «واحدًا وعفير»، وأخشى أن يكون صوابه: «واحدٌ أو عفير».
(٥) ذكر التصغير ابن كثير أيضًا في «البداية والنهاية» (٨/ ٣٨١).
(٦) أي منسوج به كخوص النخل.
(٧) ما عدا ق، مب: «اثني عشر ». والنَّشُّ: النصف.
(٨) ص، ك، ع: «بن»، وفي ج: «ابني». والصواب ما أثبت من ق، مب، ن.
[ ١ / ١١٦ ]