كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث، الرِّجْس النَّجِس الشيطان الرجيم» (^٣). وكان إذا خرج يقول:
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق فيما نقله عنه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٥٨٠)، وأخرجه أحمد (١٩٣٨١) من حديث عدي بن حاتم الطويل في قصة إسلامه. في إسناده عباد بن حبيش، لم يوثِّقه أحد غير أن ابن حبان ذكره في «الثقات». وانظر: تعليق محققي «المسند».
(٢) ص: «حاجته».
(٣) أخرجه البخاري (١٤٢، ٦٣٢٢) ومسلم (٣٧٥) وغيرهما من حديث أنس، من طريق عبد العزيز بن صهيب عنه، دون زيادة: «الرجس النجس الشيطان الرجيم»، وهي زيادة وردت في بعض الأحاديث الضعيفة؛ منها ما رواه الطبراني في «الدعاء» (٣٦٥) و«الأوسط» (٨٨٢٥) وابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» (١/ ١٩)، وفي إسناده ضعف، وضعفه أبو زرعة كما في «علل ابن أبي حاتم» (١٣). ومنها ما رواه أحمد (١٩٢٨٦) وأبو داود (٦) وابن ماجه (٢٩٦) والطبراني (٥/ ٢٠٤) من حديث زيد بن أرقم، لكن اختلف فيه على قتادة، وبه أعله الترمذي عقب الحديث (٥) والبخاري كما في «العلل الكبير» (ص ٢٣)، ورجح أبو زرعة حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس (الذي رواه الشيخان) على رواية زيد بن أرقم. وانظر: «الضعيفة» (٤١٨٩) والتعليق على «المسند» (١٩٢٨٦). وسيأتي مرة أخرى عند المؤلف في فصل هديه - ﷺ - في الذِّكر عند دخول الخلاء (٢/ ٤٥٤).
[ ١ / ١٧٨ ]
«غفرانك» (^١).
وكان يستنجي بالماء تارةً، ويستجمر بالأحجار تارةً، ويجمع بينهما تارةً. وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه، وربما كان يبعد نحو الميلين. وكان يستتر للحاجة بالهدف (^٢) تارةً، وبحائش النخل (^٣) تارةً، وبشجر البوادي (^٤) تارةً.
وكان إذا أراد أن يبول في عَزَازٍ من الأرض ــ وهو الموضع الصُّلب ــ أخذ عودًا من الأرض، فنكَت به حتى يَثْرَى، ثم يبول. وكان يرتاد لبوله الموضع الدَّمِث وهو الليِّن الرِّخْو من الأرض.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٢٢٠) والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٩٣) وأبو داود (٣٠) والترمذي (٧) والنسائي في «الكبرى» (٩٨٢٤) وابن ماجه (٣٠٠) من حديث عائشة. عده أبو حاتم أصح شيء في الباب كما في «العلل» لابنه (٩٣)، والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة (٩٠) وابن حبان (١٤٤٤) والحاكم (١/ ١٥٨). وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١/ ٥٩ وما بعده).
(٢) الهدَف: ما ارتفع من الأرض.
(٣) هو ما التفَّ منه واجتمع.
(٤) في النسخ المطبوعة: «الوادي».
[ ١ / ١٧٩ ]
وأكثر ما كان يبول وهو قاعد، حتَّى قالت عائشة: من حدَّثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا (^١). وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٢) من حديث حذيفة أنه - ﷺ - بال قائمًا. فقيل: هذا بيان للجواز، وقيل: إنما فعله من وجع كان بمَأْبِضه، وقيل: فعله استشفاءً. قال الشافعي: والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائمًا (^٣). والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزُّهًا وبعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سُبَاطة قوم ــ وهي مُلقى الكُناسة ــ وتسمَّى المزبلة، وهي تكون مرتفعةً، فلو بال فيها الرجل قاعدًا لارتدَّ عليه بولُه. وهو - ﷺ - استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بدٌّ من بوله قائمًا. والله أعلم.
وقد ذكر الترمذي (^٤) عن عمر بن الخطاب قال: رآني النبيُّ - ﷺ - وأنا أبول
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٠٤٠) والترمذي (١٢) والنسائي في «المجتبى» (٢٩) وفي «الكبرى» (٢٥) وابن ماجه (٣٠٧) وابن حبان (١٤٣٠) والحاكم (١/ ١٨١، ١٨٥) وصححه، وقال الترمذي: «حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح». وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠١).
(٢) برقم (٢٧٣). وأخرجه أيضًا البخاري (٢٢٤).
(٣) نقله البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ١٠١) وقال: «وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى بمعناه». وانظر: «معرفة السنن» (١/ ٣٤١). ونسبه في «الفتح» (١/ ٣٣٠) إلى أحمد أيضًا.
(٤) عقب الحديث (١٢). وأخرجه عبد الرزاق (١٥٩٢٤) ــ ومن طريقه ابن ماجه (٣٠٨) وأبو عوانة (٥٨٩٩) ــ عن ابن جريج عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر به. وأخرجه ابن حبان (١٤٢٣) من طريق آخر عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، وابن جريج لم يسمعه من نافع، بل سمعه من عبد الكريم بن أبي المخارق. قال الألباني في «الصحيحة» (١/ ٢٠٠): «وأما النهي عن البول قائمًا فلم يصح فيه حديث، مثل حديث: «لا تبل قائمًا»، وانظر: «الضعيفة» (٩٣٨).
[ ١ / ١٨٠ ]
قائمًا، فقال: «يا عمر، لا تَبُل قائمًا». قال: فما بُلتُ قائمًا بعد. قال الترمذي: وإنما رفعه (^١) عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث.
وفي «مسند البزار» (^٢) وغيره من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده». ورواه الترمذي (^٣) وقال: هو غير محفوظ. وقال البزار (^٤): «لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله»، ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتم (^٥): هو بصري ثقة مشهور.
_________________
(١) والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٣٣) بإسناد صحيح عن عمر: «ما بلتُ قائمًا منذ أسلمتُ».
(٢) (١٠/ ٣٠٥). وأخرجه أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦) والطبراني في «الأوسط» (٥٩٩٨). ولفظ البخاري: «أربع من الجفاء وأن يسمع المنادي ثم لا يتشهد مثل ما يتشهد». وقد اختلف على عبد الله بن بريدة، فرواه كَهْمَس بن الحسن عنه أنه قال: كان يقال: أربع من الجفاء ، أخرجه ابن أبي شيبة (٤٧٤٧). ورواه قتادة عن ابن بريدة عن ابن مسعود قال: أربع من الجفاء ، أخرجه البيهقي (٢/ ٢٨٥). ورجَّح الوقف ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٣٤٥). وانظر للتفصيل: «أنيس الساري» (١٠/ ٥١٦ - ٥١٧).
(٣) عقب الحديث (١٢). ونقل البيهقي (٢/ ٢٨٥) عن البخاري أنه قال: «هذا حديث منكر، يضطربون فيه».
(٤) في «البحر الزخار» (١٠/ ٣٠٥).
(٥) انظر: «الجرح والتعديل» (٤/ ٣٨ - ٣٩).
[ ١ / ١٨١ ]
وكان يخرج من الخلاء، فيقرأ القرآن. وكان يستنجي ويستجمر بشماله. ولم يكن يصنع شيئًا مما يصنعه المبتلَون بالوسواس من نَتْر الذَّكر، والنحنحة، والقفز، ومَسْك الحبل، وطلوع الدَّرَجة، وحَشْو القطن في بُخْشِ (^١) الإحليل، وصبِّ الماء فيه، وتفقُّده الفينة بعد الفينة، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس (^٢).
وقد روي عنه - ﷺ - أنه كان إذا بال نَتَر ذكَره ثلاثًا (^٣). وروي (^٤) أنه أمرَ به (^٥)
_________________
(١) في الطبعة الهندية وغيرها: «نخس»، ولما لم يكن لها معنًى هنا حذفت في طبعة الرسالة البتَّة، دون تنبيه! وهي تصحيف ما أثبت من الأصول. ومعناها الثقب كما فسَّرها الدميري في «حياة الحيوان الكبرى» (١/ ٦٥٠). وجمعها أبخاش. وقد استعملها المؤلف في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧٤٢، ٧٦٤) لثقوب المزمار والمصفاة. وقد ضبطها دوزي (١/ ٢٤٩) بفتح الباء وضمِّها، واقتصر صاحب «محيط المحيط» (ص ٢٩) على الضم، وهو أقرب إلى الأصل. وهي كلمة سريانية شاعت في عامّيّة بلاد الشام والعراق. وانظر: مجلة لغة العرب للكرملي (٥/ ٢٤٨)، و«الآثار الآرامية في لغة الموصل العامية» للموصلي (ص ١٧)، و«البراهين الحسِّيّة» لأغناطيوس يعقوب (ص ٦٥).
(٢) وانظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤) وقد عدَّد المؤلف فيه عشرة أشياء يفعلها الموسوسون بعد البول!
(٣) أخرجه البيهقي (١/ ١١٣) من حديث عيسى بن يزداد ــ أو أزداد ــ عن أبيه، وهما مجهولان. وانظر التخريج التالي.
(٤) ك، ع: «وروي عنه».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٢٠، ١٧٢٢) وأحمد (١٩٠٥٣) وأبو داود في «المراسيل» (ص ٧٣) وابن ماجه (٣٢٦)؛ من حديث زمعة بن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني عن أبيه. زمعة ضعيف، وعيسى وأبوه مجهولان [«العلل» لابن أبي حاتم (٨٩)]. وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمة عيسى بن يزداد (٨/ ٢٤٨): «لا يعرف إلا بهذا الحديث». وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٩٢): «عيسى بن يزداد عن أبيه مرسل، روى عنه زمعة، لا يصح». وانظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٨٦ - ٢٨٨) والتعليق على «المسند».
[ ١ / ١٨٢ ]
ولكن لا يصح ذلك من فعله ولا أمره. قاله أبو جعفر العقيلي (^١).
وكان إذا سلَّم عليه أحد وهو يبول، لم يرُدَّ عليه. ذكره مسلم في «صحيحه» (^٢) عن ابن عمر. وروى البزار في «مسنده» (^٣) في هذه القصة أنه ردَّ عليه، ثم قال: «إنما رددتُ عليك خشيةَ أن تقول: سلَّمتُ عليه فلم يرُدَّ عليَّ سلامًا. فإذا رأيتني هكذا فلا تسلِّم عليَّ، فإني لا أرُدُّ عليك السلام».
وقد قيل: لعل هذا كان مرتين. وقيل: حديث مسلم أصح، لأنه من حديث الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، وحديث البزار من رواية أبي بكر ــ رجل من ولد (^٤) عبد الله بن عمر ــ عن نافع عنه. وقيل: وأبو بكر
_________________
(١) أما كتاب «الضعفاء» (٤/ ٥٠٠)، فإنما نقل فيه أبو جعفر ما قاله البخاري في «التاريخ الكبير». ونقل ابن القيم في «الإغاثة» (١/ ٢٥٤) عن شيخ الإسلام قوله: لم يصح الحديث. وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٦).
(٢) برقم (٣٧٠).
(٣) «البحر الزخار» (١٢/ ٢٤٢). ورواه أيضًا ابن الجارود (٣٧)، وفي إسناده لين. وروي بنحوه من طريق آخر عند الشافعي في «الأم» (٢/ ١٠٨) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن» (١/ ٣٢٧)، وفيه شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، متروك. فهذا السياق ضعيف بطريقيه، إلا أن الحافظ حسّنه بمجموعهما، انظر: «نتائج الأفكار» (١/ ٢٠٤).
(٤) ك، ع: «بني»، والمثبت من ص، ج موافق لما في مصدر النقل. وفي المطبوع: «أولاد».
[ ١ / ١٨٣ ]
هذا: هو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر روى عنه مالك وغيره، والضحاك أوثق منه (^١).
وكان إذا استنجى بالماء ضرَب يده بعد ذلك على الأرض (^٢). وكان إذا جلس لحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (^٣).
_________________
(١) انظر لهذه الفقرة: «الأحكام الوسطى» لعبد الحق الإشبيلي (١/ ١٣١ - ١٣٢) وهو قائل الأقوال المذكورة هنا.
(٢) أخرجه أحمد (٨١٤٠، ٩٨٦١) وأبو داود (٤٥) وابن ماجه (٣٥٨) وابن حبان (١٤٠٥) والبيهقي (١/ ١٠٦) من طريق شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة، وفيه شريك بن عبد الله النخعي، فيه لين. وخالفه نظيره أبان بن عبد الله، وقد اضطرب أيضًا إذ جعله مرة من مسند جرير بن عبد الله، وابنه إبراهيم بن جرير لم يسمع منه، أخرجه النسائي في «المجتبى» (٥١) وابن ماجه (٣٥٩) وابن خزيمة (٨٩) والبيهقي (١/ ١٠٧). ومرة رواه عن مولى لأبي هريرة عن أبي هريرة، أخرجه أحمد (٨٦٩٥) والدارمي (٧٠٥) والبيهقي (١/ ١٠٦). ويغني عنه ما أخرجه البخاري (٢٥٩، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١) ومسلم (٣١٧) من حديث ميمونة أنه - ﷺ - كان يغسل فرجه في غسل الجنابة ثم يضرب أو يمسح بالتراب أو الأرض أو الحائط.
(٣) أخرجه الترمذي (١٤) وغيره من حديث الأعمش عن أنس، ثم ذكر عقبه عن الأعمش عن ابن عمر، قال: «وكلا الحديثين مرسل، لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب - ﷺ -، وقد نظر إلى أنس ». وقال في «العلل الكبير» (ص ٢٥، ٢٦): «فسألتُ محمدًا عن هذا الحديث: أيهما أصح؟ فقال: كلاهما مرسل. ولم يقل أيهما أصح». وقضى الدارقطني في «العلل» (٢٤٦٢) بأن الحديث غير ثابت عن الأعمش. وأخرجه أبو داود (١٤) عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر، ثم ذكر من طريق آخر عن الأعمش عن أنس وضعفه.
[ ١ / ١٨٤ ]
فصل