قد سبق الخلاف هل ولد رسول الله - ﷺ - مختونًا، أو ختنته الملائكة يوم شقِّ صدره الأول، أو ختنه جدُّه عبد المطلب؟
وكان يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله، وطهوره، وأخذه وعطائه. وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى.
وكان هديه في حلق الرأس تركَه كلِّه أو أخذَه كلِّه. ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. ولم يُحفَظ عنه حلقُه إلا في نسك.
وكان يحبُّ السِّواك. وكان يستاك مفطرًا وصائمًا. ويستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل. وكان يستاك بعود الأراك.
وكان يكثر التطيُّب، ويحبُّ الطِّيب.
وذُكِر عنه أنه كان يطَّلي بالنُّورة (^١).
وكان أولًا يَسْدُل شَعره، ثم فَرَقه. والفرق: أن يجعل شَعره فِرقتين وكلُّ فرقة ذؤابة، والسَّدْل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين.
ولم يدخل حمَّامًا قطُّ، ولعله ما رآه بعينه. ولم يصحَّ في الحمام حديث (^٢).
_________________
(١) سيأتي تخريجه في المجلد الرابع (ص ٥٩٤).
(٢) أي مرفوع، انظر: «الاعتبار» للحازمي (ص ٢٤١) و«المغني» للموصلي الحنفي (٢/ ٢٤٧ - جنة المرتاب). ومن العلماء من صحح حديث جابر مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر» وهو عند النسائي وغيره، فقد صححه ابن خزيمة (٢٤٩) والحاكم (٤/ ٢٨٨) وشيخ الإسلام في «شرح العمدة» (١/ ٤٤٨)، والأشبه أنه معلول، انظر: «تحقيق جزء من علل ابن أبي حاتم» لعلي الصياح (٢/ ٤١٧ - ٤٢١). وانظر ذكر الحمام في المجلد الرابع.
[ ١ / ١٨٥ ]
وكان له مُكحُلة يكتحل منها كلَّ ليلة ثلاثًا في كلِّ عين (^١).
واختلف الصحابة في خضابه (^٢)، فقال أنس: لم يخضِب (^٣). وقال أبو هريرة: خضَب (^٤).
وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: «رأيت شعر رسول الله - ﷺ - مخضوبًا»، قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٣١٨، ٣٣٢٠) والترمذي في «الجامع» (١٧٥٧) وفي «الشمائل» (٤٩) وابن ماجه (٣٤٩٩) وغيرهم من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس. قال البخاري في «العلل الكبير» للترمذي (ص ٣٠٩، ٣١٠): «هو حديث محفوظ، وعباد بن منصور صدوق». ولكن عباد هذا لم يرضه يحيى بن سعيد، وقد تكلم فيه أحمد وأبو حاتم وأبو داود والنسائي، وهو مدلس وقد عنعن، قال أبو حاتم في «العلل» لابنه (٢٤٦٣): «عباد ليس بقوي الحديث، ويروي عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة، فأنا أخشى أن يكون ما لم يسم: إبراهيم، فإنما هي عنه مدلسة»، وإبراهيم بن أبي يحيى، هو ابن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، متروك. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٧٦). والله أعلم بالصواب. وانظر: «تهذيب التهذيب» ترجمة عباد بن منصور (٥/ ١٠٥).
(٢) وانظر ما يأتي في المجلد الرابع.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٤١/ ١٠٠ - ١٠٥).
(٤) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٤٦)، وفيه شريك القاضي فيه لين. وأعله الترمذي بأنه خولف، فقد رواه أبو عوانة وضاح اليشكري من حديث أم سلمة.
[ ١ / ١٨٦ ]
«رأيت شعر رسول الله - ﷺ - عند أنس بن مالك مخضوبًا» (^١).
وقالت طائفة: كان رسول الله - ﷺ - مما يُكثر الطِّيب قد احمرَّ شعره، فكان يُظَنُّ مخضوبًا ولم يُخضَب. قال أبو رمثة: أتيت النبي - ﷺ - مع ابن لي فقال: «ابنك (^٢)؟». فقلت: نعم، أشهد به. قال: «لا تجني عليه ولا يجني عليك»، قال: ورأيت الشَّيب أحمر. قال الترمذي (^٣): هذا أحسنُ شيء روي في هذا الباب وأفسَرُه، لأن الروايات الصحيحة أن النبي - ﷺ - لم يبلغ الشيب.
قال حماد بن سلمة (^٤)، عن سماك بن حرب: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله - ﷺ - شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شَيب، إلا شعراتٍ في مفرِق رأسه، إذا ادَّهَن واراهنَّ الدُّهنُ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٤٨)، وفيه عمرو بن عاصم، ضعيف. وأخرج الحاكم (٢/ ٦٠٧) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز واليها، فبعث إليه عمر وقال للرسول: سَلْه هل خضب رسول الله - ﷺ -؟ فإني رأيت شعرًا من شعره قد لُوِّن، فقال أنس: «إن رسول الله - ﷺ - كان قد مُتِّع بالسواد، ولو عددتُ ما أقبل عليَّ من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لوِّن من الطيب الذي كان يطيِّب شعر رسول الله - ﷺ -»، إسناده حسن، وصححه الحاكم.
(٢) زاد بعض مَن قابل ع على نسخة أخرى من الكتاب «هذا» بعد «ابنك» كما في «الشمائل».
(٣) في «الشمائل» (٤٥)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٧١١١، ٧١١٣)، وانتقاه ابن الجارود (٧٧٠). وعند أبي داود (٤٢٠٦، ٤٢٠٨) والنسائي في «الكبرى» (٩٣٠٣): «قد لطخ لحيته بالحناء». وانظر: «المسند» (٧١٠٤، ٧١١٤، ٧١١٥، ٧١١٦)، والحديث صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٤٤)، وبنحوه أخرج مسلم (٢٣٤٤).
[ ١ / ١٨٧ ]
قال أنس: وكان رسول الله - ﷺ - يُكثِر دهنَ رأسه ولحيته، ويُكثِر القناع كأنَّ ثوبه ثوب زيات (^١).
وكان يُغِبُّ (^٢) الترجُّل. وكان يرجِّل نفسَه تارةً، وترجِّله عائشة تارةً. وكان شَعْره فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة، وكانت جُمَّته تضرب شحمة أذنيه، وإذا طال جعله غدائر أربعًا. قالت أم هانئ: قدِم علينا رسولُ الله - ﷺ - مكة قَدْمةً، وله أربع غدائر. والغدائر: الضفائر. وهذا حديث صحيح (^٣).
وكان - ﷺ - لا يرُدُّ الطِّيب. وثبت عنه في «صحيح مسلم» (^٤) أنه قال: «مَن عُرِض عليه ريحان فلا يرُدَّه، فإنه طيِّب الرِّيح (^٥) خفيف المحمِل». هذا لفظ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٣٣، ١٢٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٠٤٥). وفيه الربيع بن صبيح ويزيد بن أبان الرقاشي، كلاهما ضعيف. والحديث ضعفه الألباني في «مختصر الشمائل» (٢٦). وله شاهد ضعيف من حديث سهل بن سعد عند البيهقي في «الشعب» (٦٠٤٦)، وفيه محمد بن هارون الأزدي، فيه لين، وبشر بن مبشر، مجهول. انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٢٣٥٦).
(٢) ن: «يحب»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٨، ٣١) و«الجامع» (١٧٨١) وأحمد (٢٦٨٩٠، ٢٧٣٨٩، ٢٧٣٩٠) وأبو داود (٤١٩١) وابن ماجه (٣٦٣١). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، قال محمد [أي البخاري]: لا أعرف لمجاهد سماعًا من أم هانئ». ثم ذكر له طريقًا آخر عن مجاهد عن أم هانئ، وحسنّه! وذكر الذهبي في «السير» (٢٨/ ٣٦١ - السيرة النبوية) أن سماعه عنها محتمل، وجزم به في «تذكرة الحفاظ» (١/ ٩٢). والحافظ حسن إسناده في «الفتح» (١٠/ ٣٦٠). وصححه المؤلف والألباني في «مختصر الشمائل» (٢٣).
(٤) برقم (٢٢٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) في الطبعة الهندية: «الرائحة» مع الإشارة إلى نسخة «الريح» في الحاشية، فتابعتها جميع الطبعات. ولفظ «الريح» هو الوارد في أصولنا وفي «صحيح مسلم».
[ ١ / ١٨٨ ]
الحديث. والعامَّة يروونه (^١): «من عُرِض عليه طيبٌ (^٢) فلا يَرُدَّه» (^٣)، وليس بمعناه (^٤)، فإن الرَّيحان لا تلحق المنَّةُ بأخذه، وقد جرت العادة بالتسامح في بذله، بخلاف المسك والعنبر والغالية ونحوها. ولكن الذي ثبت عنه في حديث عَزْرة (^٥) بن ثابت، عن ثُمامة قال: كان أنس لا يرُدُّ الطِّيب، و(^٦) قال أنس: «كان رسول الله - ﷺ - لا يردُّ الطِّيب» (^٧).
وأما حديث ابن عمر يرفعه: «ثلاثٌ لا تُرَدُّ: الوسائد، والدُّهن (^٨)، واللبن» فحديث معلول رواه الترمذي وذكر علَّته. ولا أحفظ الآن ما قال فيه، إلا أنه من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر (^٩).
_________________
(١) ك: «ترويه». وفي مب، ن: «وبعضهم يرويه»، وإليها الإشارة في هامش ع.
(٢) العبارة «عنه في صحيح مسلم طيب» ساقطة من ع، واستدركها بعضهم في حاشيتها.
(٣) ليست العامّة فقط، بل روي بهذا اللفظ عند أحمد (٨٢٦٣) وأبي داود (٤١٧٢) والنسائي (٥٢٥٩) وابن حبان (٥١٠٩).
(٤) ك: «معناه»، وكذا كان في ع، فغيِّر إلى ما أثبت.
(٥) ك، ع، مب: «عروة»، تصحيف.
(٦) العبارة «قال: كان أنس لا يرد الطيب، و» ساقطة من ن والنسخ المطبوعة غير الطبعة الهندية.
(٧) أخرجه البخاري (٢٥٨٢، ٥٩٢٩)، وعنده: «قال: وزعم أنس أن النبي - ﷺ - »، وهو بلفظ المؤلف عند الترمذي (٢٧٨٩).
(٨) يعني به الطيب. قاله الترمذي في «الجامع».
(٩) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢١٨) و«الجامع» (٢٧٩٠)، وقال: «حديث غريب». وأخرجه الطبراني (١٢/ ٣٣٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٧٧). ومدار الحديث على عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، فيه لين ولم يتابع عليه. وقال أبو حاتم في «العلل» لابنه (٢٤٣٦): «هذا حديث منكر».
[ ١ / ١٨٩ ]
ومن مراسيل أبي عثمان النَّهدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أعطي أحدُكم الرَّيحانَ فلا يرُدَّه، فإنه (^١) خرج من الجنة» (^٢).
وكان (^٣) لرسول الله - ﷺ - سُكَّة (^٤) يتطيَّب منها (^٥). وكان أحبَّ الطِّيب إليه المسكُ (^٦). وكان يعجبه الفاغية (^٧)، قيل: هي نَور الحِنَّاء.
_________________
(١) ك، ع: «فإن الريحان».
(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٢١) و«الجامع» (٢٧٩١) وأبو داود في «المراسيل» (٥٠١) والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٥٩١ - بغية الباحث) والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٥٢٠). قال الترمذي في «الشمائل»: «ولا نعرف لحنان [الراوي عن أبي عثمان] غير هذا الحديث»، وقال في «الجامع»: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف حنانًا إلا في هذا الحديث».
(٣) ك، ع: «وكانت».
(٤) طيب مركَّب.
(٥) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٣٤٣) وأبو داود (٤١٦٢) والترمذي في «الشمائل» (٢١٦) وأبو يعلى في «معجمه» (١٤١) والبزار (١٣/ ٤٩٢) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» (ص ٩٨) والضياء المقدسي (٧/ ٢٢٩)، كلهم من طرق عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك. قال الدارقطني في «الأفراد والغرائب» (١٢٦٠ - الأطراف): «تفرد به عبد الله بن المختار»، وابن المختار هذا لا بأس به، قاله الحافظ، وروى له مسلم في الشواهد.
(٦) يدل عليه قوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد في «صحيح مسلم» (٢٢٥٢): «والمسك أطيب الطيب».
(٧) أخرجه أحمد (١٢٥٤٦) والطبراني (١/ ٢٥٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٧٣) من طريق سليمان بن كثير (أبي داود) عن عبد الحميد (بن قدامة) عن أنس. وقد توهَّم محققو «المسند» أن عبد الحميد هو ابنُ المنذر بن الجارود العبدي ثقة. وهو خطأ يدل عليه ما قاله البخاري في «التاريخ الكبير» في ترجمة عبد الحميد بن قدامة (٦/ ٤٩): «سمع منه سليمان بن كثير»، ونقل عنه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٥٢٠) بإسناده إليه: «عبد الحميد بن قدامة عن أنس في الفاغية، لا يُتابَع عليه». وانظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٤٢) و«لسان الميزان» (٥/ ٧٣، ٧٤). ولم يذكره الحافظ في «تعجيل المنفعة» وهو على شرطه. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٧٥٧).
[ ١ / ١٩٠ ]
فصل