صحَّ عنه من حديث أنس أنه - ﷺ - قال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعِلت قرَّةُ عيني في الصلاة» (^٣). هذا لفظ الحديث، ومن رواه «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث» فقد وهم (^٤). ولم يقل - ﷺ -: «ثلاث»، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليهم.
_________________
(١) وسيأتي الكلام على المسألة مرة أخرى في المجلد الرابع (ص ٣٢٩).
(٢) انظر حديث سهل بن سعد في «صحيح البخاري» (٥٦٢٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٢٢٩٤) والنسائي في «المجتبى» (٣٩٣٩، ٣٩٤٠) و«الكبرى» (٨٨٣٦، ٨٨٣٧) والحاكم (٢/ ١٦٠) من طريقين عن ثابت عن أنس، وقد صححه الحاكم، واختاره الضياء (٤/ ٤٢٧، ٥/ ١١٢ - ١١٣). ذكر العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٥٨٧) أنه روي من غير وجه فيها لين. وروي عن ثابت مرسلًا، رجحه الدارقطني في «العلل» (٢٣٨٥).
(٤) قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (٥/ ٢١٥٥): «وقد اشتهر على الألسنة بزيادة: «ثلاث»، ولم نجد لفظ «ثلاث» في شيء من طرقه المسندة»، وزاد في «تخريج الكشاف»: «وزيادته تفسد المعنى». وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣٨٠): «فلم أقف عليها إلا في موضعين من «الإحياء» وفي تفسير آل عمران من «الكشاف»، وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش ».
[ ١ / ١٥١ ]
وكان (^١) النساء والطيب أحبَّ شيء إليه. وكان - ﷺ - يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يبحه لأحد من أمته.
وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول: «اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما لا أملك» (^٢). قيل: هو الحبُّ والجماع (^٣)، ولا تجب التسوية في ذلك لأنه مما لا يُملَك. وهل كان القَسْم واجبًا عليه أو كان له معاشرتهن بغير قَسْم؟ على قولين للفقهاء. فهو - ﷺ - أكثر الأمة نساءً، قال ابن عباس: تزوَّجوا، فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً (^٤).
وطلَّق - ﷺ - وراجع، وآلى إيلاءً موقَّتًا بشهر. ولم يُظاهِر أبدًا، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأً عظيمًا. وإنما ذُكِر هذا (^٥) تنبيهًا على قبح خطئه ونسبته إليه ما برَّأه الله منه.
_________________
(١) ص، ج: «فكان».
(٢) أخرجه أحمد (٢٥١١١) والدارمي (٢٢٥٣) وأبو داود (٢١٣٤) ــ واللفظ أشبه بلفظه ــ والترمذي (١١٤٠) والنسائي في «المجتبى» (٣٩٤٣) و«الكبرى» (٨٨٤٠) وابن ماجه (١٩٧١) وابن حبان (٤٢٠٥) والحاكم (٢/ ١٨٧) من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة. رجاله ثقات إلا أن حماد بن سلمة خالفه غير واحد من الحفاظ فرووه عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا. وهو الذي رجحه البخاري والترمذي والرازيان والدارقطني. انظر: «العلل الكبير» (٢٨٦) و«علل ابن أبي حاتم» (١٢٧٩) و«علل الدارقطني» (٣١٧٦).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٩/ ٢٨٥ - ٢٨٧).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٦٩).
(٥) ق، مب، ن: «هنا»، وكذا في حاشية ص.
[ ١ / ١٥٢ ]
وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. وكان يسرِّب إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هوِيَتْ شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه. وكانت إذا شربت من الإناء أخَذَه، فوضع فمه على موضع فمها، وشرب (^١). وإذا تعرَّقت عَرْقًا ــ وهو العظم الذي عليه اللحم ــ أخذه، فوضع فمه على موضع فمها. وكان يتكئ في حَجْرها، ويقرأ القرآن ورأسُه في حَجْرها وربما كانت حائضًا. وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِر، ثم يباشرها. وكان يقبِّلها وهو صائم.
وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، ويُريها الحبشةَ وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبه تنظر. وسابَقَها في السفر على الأقدام مرَّتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرةً.
وكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمُها خرج بها معه، ولم يقض للبواقي شيئًا. وإلى هذا ذهب الجمهور (^٢).
وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (^٣).
وكان ربما مدَّ يده إلى بعض نسائه بحضرة باقيهن (^٤).
وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرى أحوالهن.
_________________
(١) ك، ع: «ويشرب».
(٢) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٥/ ١٤٨) و«معالم السنن» (٣/ ٢١٩).
(٣) أخرجه الدارمي (٢٣٠٦) والترمذي (٣٨٩٥) من حديث عائشة، وصححه الترمذي وابن حبان (٤١٧٧) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٥).
(٤) انظر: حديث أنس في «صحيح مسلم» (١٤٦٢).
[ ١ / ١٥٣ ]
فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكْثِه عندهن في القَسْم، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التي هو في يومها (^١)، فيبيت عندها (^٢).
وكان يقسِم لثمانٍ منهن دون التاسعة. ووقع في «صحيح مسلم» (^٣) من قول عطاء أن التي لم يكن يقسِم لها هي صفية بنت حُيَيّ، وهو غلط من عطاء - ﵀ - (^٤)، وإنما هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة (^٥). وكان رسول الله - ﷺ - يقسم لعائشة يومَها ويومَ سودة.
وسبب هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أن رسول الله - ﷺ - كان قد وجد على صفية في شيء، فقالت لعائشة: هل لكِ أن ترضي رسول الله - ﷺ - عنِّي وأهبَ لكِ يومي؟ قالت: نعم. فقعدت عائشة إلى جنب النبي - ﷺ - في يوم صفية، فقال: «إليكِ عنِّي يا عائشة، فإنه ليس يومك»، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه
_________________
(١) غُيِّر في ن إلى: «نوبتها».
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٧٦٥) وأبو داود (٢١٣٥) ــ واللفظ له ــ والطبراني في «الأوسط» (٥٢٥٤) والحاكم (٢٧٦٠) والبيهقي (٧/ ٧٤، ٣٠٠). والحديث صححه الحاكم وحسنه الألباني، انظر: «الإرواء» (٧/ ٨٥) و«صحيح أبي داود- الأم» (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٣) برقم (١٤٦٥/ ٥١).
(٤) ذكر الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦/ ١٣١ - ١٣٢) أن الغلط من ابن جريج الراوي عن عطاء، فإن في رواية عمرو بن دينار عن عطاء أنها سودة.
(٥) انظر حديث عائشة في «صحيح البخاري» (٢٥٩٣، ٢٦٨٨، ٥٢١٢).
[ ١ / ١٥٤ ]
من يشاء. وأخبرته بالخبر، فرضي عنها (^١). وإنما كانت قد وهبت لها (^٢) ذلك اليومَ وتلك النوبة (^٣) الخاصَّة. ويتعيَّن ذلك، وإلا كان (^٤) يكون القَسْم لسبعٍ منهن، وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه (^٥) أن القَسْم كان لثمان. والله أعلم.
ولو (^٦) اتفق مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين، فوهبت إحداهن يومها لأخرى (^٧)، فهل للزوج أن يوالي بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية، وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها؟ أو يجب عليه أن يجعل ليلتها هي الليلة التي كانت تستحقُّها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد (^٨) وغيره.
وكان - ﷺ - يأتي أهله آخر الليل وأوله. وإذا (^٩) جامع أولَ الليل فكان ربما اغتسل ونام، وربما
_________________
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه (١٤٠٩) وأحمد (٢٤٦٤٠) والنسائي في «الكبرى» (٨٨٨٤) وابن ماجه (١٩٧٣) من حديث عائشة، بإسناد لا بأس به في الشواهد. ويشهد له ما أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩١١٧) من حديث أنس بن مالك من قصتهما بطولها، وفيه أيضًا قصة زينب مع النبي - ﷺ - في إعارة جملها لصفية، وإسناده صحيح، واختاره الضياء المقدسي (٥/ ١٠٥). وانظر: «الصحيحة» (٣٢٠٥).
(٢) مب، ن: «وهبتها».
(٣) ك، ع: «الليلة».
(٤) «كان» ساقطة من ق.
(٥) «فيه» من مب، ن، وحاشية ج، ع.
(٦) ما عدا ق، مب، ن: «فلو»، وقد غُيِّر في ع إلى «ولو».
(٧) ق، ك، ع: «للأخرى».
(٨) ك، ع: «الإمام أحمد». وانظر: «المغني» (١٠/ ٢٥١).
(٩) في ك، ع: «إذا» دون الواو، وقد زادها بعضهم في ع فيما بعد.
[ ١ / ١٥٥ ]
توضّأ ونام. وذكر أبو إسحاق السَّبيعي عن الأسود عن عائشة أنه ربما كان ينام ولا يمسُّ ماءً (^١). وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته» (^٢).
وكان يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كلِّ واحدة واحدة، فعَل هذا وهذا.
وكان إذا سافر وقدِم لم يطرُقْ أهله ليلًا، وكان ينهى عن ذلك.
فصل