خطب (^٦) - ﷺ - على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة.
_________________
(١) ص: «ولخشيته». وفي ج: «وللخشية».
(٢) ك، ع: «يجلب». وفي ج، مب: «يستجلب».
(٣) في طبعة الرسالة: «وإن لم أجد تباكيت لبكائكما» دون تنبيه على هذا التصرُّف في المتن.
(٤) جزء حديث طويل في شأن بدر وأسارها، أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٥) أخرجه وكيع في «الزهد» (٢٩) ــ ومن طريقه ابن أبي شيبة (٣٥٥٧٨، ٣٦٦٧٨) وأبو داود في «الزهد» (٣٦) ــ من قول أبي بكر الصديق. فيه عرفجة السلمي، فيه لين، ولم يلق أبا بكر. وبمثله أخرج ابن أبي شيبة (٣٦٦٨٣) من قول عبد الله بن عمرو، وفي إسناده ضعف. وقد روي مرفوعًا أيضًا من عدة طرق، لكن كلها ضعيفة؛ منها ما روى ابن المبارك في «الزهد» (٢/ ٨٥) من حديث أنس.
(٦) ص: «خطب النبي».
[ ١ / ٢٠١ ]
وكان إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم، مسَّاكم. ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدَثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة» (^١).
وكان لا يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم به سنَّة عن النبي - ﷺ - البتة. والسنَّةُ تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله (^٢)، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله روحه (^٣).
وكان يخطب قائمًا. وفي مراسيل عطاء (^٤) وغيره أنه - ﷺ - كان إذا صعِد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: «السلام عليكم». قال الشعبي (^٥): وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك.
وكان يختم خطبه بالاستغفار. وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن. وفي «صحيح مسلم» (^٦) عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٦٧).
(٢) لم يرد «لله» في ص، ج.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤). وسيأتي ذكر المسألة واختيار شيخ الإسلام مرة أخرى.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٥٢٨١).
(٥) المصدر السابق (٥٢٨٢).
(٦) برقم (٨٧٣)، واللفظ لأحمد (٢٧٤٥٦).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله (^١) - ﷺ - يقرؤها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
وذكر أبو داود (^٢) عن ابن مسعود (^٣) أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهَّد قال: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسَله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشَد، ومن يعصهما فإنه لا يضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضرُّ الله شيئًا».
وقال أبو داود (^٤) عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة فذكر نحو هذا، إلا أنه قال: «ومن يعصِهما فقد غوى».
قال ابن شهاب (^٥): وبلغنا أن رسول الله - ﷺ - كان يقول إذا خطب: «كلُّ ما هو آتٍ قريبٌ، لا بُعْدَ لما هو آتٍ. ولا يعجَل الله لعجلة أحد، ولا يخِفُّ لأمر الناس. ما شاء الله، لا ما شاء الناس. يريد الناس أمرًا، ويريد الله (^٦)، وما
_________________
(١) ك، ع: «لسان النبي».
(٢) برقم (١٠٩٧)، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢١١) و«الأوسط» (٢٥٣٠) و«الدعاء» (٩٣٤) والبيهقي (٣/ ٢١٥، ٧/ ١٤٦)، وفي إسناده أبو عياض المدني وعبد ربه بن أبي يزيد، كلاهما مجهول.
(٣) في النسخ ما عدا مب، ن: «أبي مسعود»، تصحيف.
(٤) في «السنن» (١٠٩٨)، وانظر: «المراسيل» (٥٦).
(٥) انظر: «المراسيل» لأبي داود (٥٨).
(٦) يعني: ويريد الله أمرًا، كما في «المراسيل» وغيره. وفي النسخ المطبوعة: «يريد الله شيئًا ويريد الناس شيئًا».
[ ١ / ٢٠٣ ]
شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعِّد لما قرَّب الله، ولا مقرِّب لما بعَّد (^١) الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله».
وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه= فعلى هذا كان مدار خطبه.
وكان يقول في خطبه أيضًا: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا ــ أو: لن تفعلوا ــ كلَّ ما (^٢) أُمِرتم به، ولكن سدِّدوا وأبشِروا» (^٣).
وكان يخطب في كلِّ وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم.
ولم يكن يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله، وتشَهَّد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلَم. وثبت عنه أنه قال: «كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجَذْماء» (^٤).
_________________
(١) ص: «أبعد». و«لا مقرِّب» ساقط من مب.
(٢) ك، ع: «لن تطيقوا أن تفعلوا كما»، وأصلحه بعضهم في ع. ولفظ «كل» ساقط من ص.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٨٥٦) وأبو يعلى (٦٨٢٦) وابن خزيمة (١٤٥٢) ــ مختصرًا ــ والطبراني (٣١٦٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٠٦) ــ وهذا لفظه ــ من حديث الحكم بن حزن الكلفي - ﵁ -، إسناده حسن، فيه شهاب بن خراش وشعيب بن زريق، كلاهما صدوق مع لين فيهما. وانظر: التعليق على «المسند».
(٤) أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (٢٦٥) وأحمد (٨٠١٨) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٢٩) وأبو داود (٤٨٤١) والترمذي (١١٠٦) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن حبان (٢٧٩٦) والألباني في «الصحيحة» (١٦٩).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ولم يكن له شاويشٌ (^١)
يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته. ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم، لا طَرْحةً ولا زِيقًا (^٢) واسعًا.
وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناسَ أخذ المؤِّذنُ في الأذان فقط، ولم يقل شيئًا قبله، ولم يقل شيئًا بعده. فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة لا مؤذِّن ولا غيره.
وكان إذا قام يخطب أخذ عصًا، فتوكَّأ عليها، وهو على المنبر. كذا ذكر أبو داود (^٣) عن ابن شهاب. وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك. وكان أحيانًا يتوكَّأ على قوس.
ولم يُحفَظ عنه أنه توكأ على سيف. وكثير من الجهلة يظنُّ أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارةً إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين:
_________________
(١) ويقال: «جاويش». وأصله: چـاؤُش بالجيم الفارسية، كلمة تركية معناها في الأصل: الحاجب. وكانت وظيفة الشاويشية (جمع الشاويش) أن يسيروا بين يدي السلطان ويعلنوا بنزوله وركوبه بصوت عالٍ. قال المصنف في نونيته (٣/ ٧٦٣): والله لو جئتم بقال الله أو قال الرسول كفعل ذي الإيمانِ كنّا لكم شاويشَ تعظيمٍ وإجْـ ـلالٍ كشاويشٍ لذي السلطانِ وقد تنوعت وتطورت وظائفهم مع الزمن. انظر: «حدائق الياسمين» لابن كنان (ص ٦٦) و«معجم الألفاظ التاريخية» للأستاذ محمد أحمد دهمان (ص ٥١).
(٢) الطَّرحة: الطيلَسان، وهو كساء يلقى على الكتف. وزِيق القميص: ما أحاط بالعنق منه.
(٣) في «المراسيل» (٥٥).
[ ١ / ٢٠٥ ]
أحدهما: أن المحفوظ أنه توكَّأ على العصا وعلى القوس.
الثاني: أن الدِّين إنما قام بالوحي. وأمَّا السيف فلِمَحْقِ أهل الفساد (^١) والشرك. ومدينة رسول الله - ﷺ - التي كانت خطبته فيها إنما فتُحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف.
وكان إذا عرض له في خطبته عارضٌ اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته. وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين، فقطَع كلامَه، ونزل، فحملهما. ثم عاد إلى المنبر ثم قال: «صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيتُ هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعتُ كلامي، فحملتُهما» (^٢).
وجاء سُلَيك الغطَفاني وهو يخطب، فجلس، فقال له: «يا سُلَيك، قُمْ، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما». ثم قال وهو على المنبر: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين (^٣)، ويتجوَّزْ فيهما» (^٤).
_________________
(١) مب: «العناد»، وكذا كتب بعضهم فوقها في ع. وفي النسخ المطبوعة: «الضلال».
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٢٩٩٥) و«فضائل الصحابة» (١٣٥٨) وأبو داود (١١٠٩) والترمذي (٣٧٧٤) والنسائي في «المجتبى» (١٤١٣) و«الكبرى» (١٧٤٣) وابن ماجه (٣٦٠٠) من حديث بريدة الأسلمي. حسّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة (١٨٠١، ١٨٠٢) وابن حبان (٦٠٣٨، ٦٠٣٩)، وصححه على شرط مسلم: الحاكم (٤/ ١٨٩، ١/ ٢٨٧) وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٢/ ٥٦٩) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٤/ ٢٧٢).
(٣) العبارة «وتجوَّز فيهما ركعتين» ساقطة من ك لانتقال النظر.
(٤) أخرجه البخاري (٩٣٠) ومسلم (٨٧٥) ــ واللفظ أشبه بلفظه ــ من حديث جابر، والبخاري أبهم المخاطَب.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وكان يقصِّر خطبه أحيانًا، ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس. وكانت خطبه العارضة أطول من خطبه الراتبة. وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد، ويحضُّهن على الصدقة (^١).
_________________
(١) من هنا كراسة كاملة (١٠ ورقات) في ع بخط مختلف.
[ ١ / ٢٠٧ ]