قال أبو عمر بن عبد البر (^٢): روى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) هذا الفصل لم يرد في ج، وقد أضيف في حواشي ص، فهو من زيادات المصنف في بعض نسخ الكتاب.
(٢) في «التمهيد» (٢١/ ٦٣)، والمؤلف صادر عنه بالتلخيص والتهذيب والزيادات.
[ ١ / ١٩١ ]
كان يقُصُّ شاربه، ويَذْكر أن إبراهيم كان يقُصُّ شاربه (^١). ووقفه طائفة عن (^٢) ابن عباس (^٣).
وروى الترمذي (^٤) من حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يأخذ (^٥) من شاربه فليس منَّا»، وقال: حديث صحيح (^٦).
وفي «صحيح مسلم» (^٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى: خالفوا المجوس».
وفي «الصحيحين» (^٨) عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: «خالِفوا المشركين: وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب».
وفي «صحيح مسلم» (^٩) عن أنس قال: وُقِّت لنا في قصِّ الشوارب وتقليم الأظفار أن لا نترك (^١٠) أكثر من أربعين ليلةً.
واختلف السلف في قصِّ الشارب وحلقه أيهما أفضل؟ فقال مالك في «موطَّئه» (^١١): يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار. ولا يجُزُّه، فيمثِّلُ بنفسه.
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويُحفي الشوارب ويُعفي اللِّحى. وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدَّب من حلَق شاربه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٠١٥) وأحمد (٢٧٣٨) والترمذي (٢٧٦٠)، ومداره على سماك عن عكرمة، وروايته عنه خاصة مضطربة. ويشهد له ما سيذكره المؤلف من أمر النبي - ﷺ - من أحاديث «الصحيحين» وغيرهما.
(٢) في المطبوع: «على»، والوارد في الأصول يعني أنهم رووه عن ابن عباس موقوفًا.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٠١٤)، قال أبو حاتم في «العلل» لابنه (٢٣١٤): «وهو أصح ممن يرفعه».
(٤) برقم (٢٧٦١). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٠٠٤) وأحمد (١٩٢٦٣) وعبد بن حميد (٢٦٤) والنسائي في «المجتبى» (١٣، ٥٠٤٧) و«الكبرى» (١٤، ٩٢٤٨). وصححه الترمذي وابن حبان (٥٤٧٧).
(٥) ك، ع: «يقص».
(٦) في مطبوعة «الجامع»: «حديث حسن صحيح».
(٧) برقم (٢٦٠).
(٨) البخاري (٥٨٩٢) واللفظ له، ومسلم (٢٥٩).
(٩) برقم (٢٥٨)، وذكر فيه نتف الإبط وحلق العانة أيضًا.
(١٠) ص: «يترك».
(١١) برقم (٢٦٦٩)، هذا وما بعده إلى قول عمر بن عبد العزيز منقول من «التمهيد» (٢١/ ٦٣ - ٦٤)، وقد أسندها ابن عبد البر.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال ابن القاسم عنه (^١): إحفاء الشارب عندي مثلة. قال مالك: وتفسير حديث النبي - ﷺ - في إحفاء الشارب إنما هو الإطار. وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه.
وقال أشهَبُ عنه في (^٢) حلق الشارب: إنه بدعة، وأرى أن يُوجَع ضربًا مَن فَعَله.
قال مالك: وكان عمر بن الخطاب إذا كرَبه أمرٌ نفَخ، فجعل رجلٌ يُرادُّه (^٣)، وهو يفتِل شاربه (^٤).
وقال عمر بن عبد العزيز (^٥): السنة في الشارب: الإطار.
وقال الطحاوي: ولم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي، قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان
_________________
(١) «عنه» ساقط من ك، ع، مب.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وقال: أشهد في»، تحريف وسقط.
(٣) أي يراجعه. وفي النسخ المطبوعة غير الطبعة الهندية: «رجله بردائه»، تحريف طريف.
(٤) أخرجه أبو عبيد «الأموال» (٧٤٩) ــ ومن طريقه ابن زنجويه (١١١٠) ــ عن إسحاق بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه أتى أعرابيٌّ عمرَ، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام، علام تحميها؟ قال: فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ الحديث. إسناده صحيح إلى عامر، وهو لم يدرك عمر.
(٥) أسنده ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ٦٤) و«الاستذكار» (٢٦/ ٢٤١). وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٠١١).
[ ١ / ١٩٣ ]
مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خُواز مَنداد (^١) عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة. هذا قول أبي عمر (^٢).
وأما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا. وسمعته يُسأَل عن السنَّة في (^٣) إحفاء الشارب، فقال: يُحفي كما قال النبي - ﷺ -: «أحفُوا الشوارب» (^٤).
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس (^٥).
وقال أبو محمد في «المغني» (^٦): وهو مخيَّر بين أن يُحفيه، وبين أن يقُصَّه من غير إحفاء.
_________________
(١) هكذا في الأصول وفي «التمهيد»، غير أن فيه: «بنداد» بالباء، ويحتمل أن يكون كذا في ع. ويقال: «خُوَيز منداد» على الإمالة.
(٢) في «التمهيد» (٢١/ ٦٣ - ٦٤) كما سبق. وقول الأثرم عن الإمام أحمد في النص الآتي أيضًا في «التمهيد» متصلًا بهذا النقل.
(٣) «السنة في» ساقط من ك، ع.
(٤) رواية الأثرم حكاها الخلال في «الترجُّل» (ص ١٠٧ - ١٠٨).
(٥) «الترجُّل» (ص ١٠٨).
(٦) لم أجده في المطبوع.
[ ١ / ١٩٤ ]
قال الطحاوي (^١): وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - أخذ من شاربه على سواك (^٢)، وهذا لا يكون معه إحفاء.
واحتجَّ من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين: «عشر من الفطرة » (^٣)، فذكر منها قصَّ الشارب. وفي حديث أبي هريرة (^٤) المتفق عليه (^٥): «الفطرة خمس » فذكر (^٦) منها قصَّ الشارب.
واحتج المُحْفُون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يجُزُّ شاربه (^٧).
قال الطحاوي: وهذا (^٨) الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: «جُزُّوا الشوارب، وأرخُوا اللِّحى» (^٩). قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضًا. وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أُسَيد، ورافع بن خَديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة، أنهم كانوا يُحْفُون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفه (^١٠).
_________________
(١) في «شرح المعاني» (٤/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٢١٢) وأبو داود (١٨٨) والترمذي في «الشمائل» (١٦٦) وابن عبد البر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة في «التمهيد» (٢١/ ٦٧)، وإسناده حسن لأجل المغيرة بن عبد الله الراوي عن المغيرة بن شعبة.
(٣) كذا في «التمهيد» (٢١/ ٦٥). أما حديث عائشة، فقد أخرجه مسلم (٢٦١). وأما حديث أبي هريرة فلم أهتد إليه.
(٤) «أبي هريرة» ساقط من ك، ع.
(٥) البخاري (٥٨٨٩) ومسلم (٢٥٧).
(٦) ك، ع: «ذكر»، وفي المطبوع: «وذكر».
(٧) تقدم في أول الفصل.
(٨) ك، ع: «وهو»، وغيِّر في ع إلى ما أثبت من ص، مب، وهو الوارد في «التمهيد».
(٩) هو حديث مسلم المتقدم ذكره.
(١٠) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ٢٣١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٠٢٨)، وفي إسناده انقطاع. وذكر ابن عبد البر هذا الأثر والأثر الآتي في «التمهيد» (٢١/ ٦٦).
[ ١ / ١٩٥ ]
وقال بعضهم: حتى يُرى بياضُ الجلد (^١).
قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسًا على الرأس. وقد دعا النبيُّ - ﷺ - للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين واحدةً، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب (^٢). والله أعلم وأحكم.
فصل