كان إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا (^٤)، وكان أسرع الناس مِشْيةً وأحسنَها وأسكنَها. قال أبو هريرة: «ما رأيتُ شيئًا أحسنَ من رسول الله - ﷺ -، كأن
_________________
(١) جمع مَطُول. وضبط في ع: «لَمُطَّل» يعني جمع ماطل كراكع ورُكَّع.
(٢) ص، ج: «بقت» على لغة طيئ.
(٣) جزء من الحديث السابق.
(٤) كذا في النسخ و«أخلاق النبي - ﷺ -» لأبي الشيخ (٢/ ٢٧). قال ابن الأثير في «النهاية» (٤/ ١٨٣): «هكذا روي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزًا»، فأصله «تكفَّأ تكفُّؤًا» كما أثبته الفقي في نشرته.
[ ١ / ١٧٣ ]
الشمس تجري في وجهه. وما رأيت أحدًا أسرعَ في مشيته من رسول الله - ﷺ -، كأنما الأرض تُطْوى له. إنَّا لَنُجْهِد أنفسَنا، وإنَّه لَغيرُ مكترِث» (^١).
وقال علي بن أبي طالب: «كان رسول الله - ﷺ - إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا، كأنما ينحَطُّ من صَبَب» (^٢). وقال مرةً: «إذا مشى تقلَّعَ» (^٣).
قلت: والتقلُّع: الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحَطّ في الصَّبَب. وهي مِشية أولي العزم والهمة والشجاعة. وهي أعدَل المِشْيات وأروَحها للأعضاء وأبعَدها من مِشية الهَوَج والمهانة والتَّماوُت، فإن الماشي إما أن يتماوَت في مِشيته، ويمشي قطعةً واحدةً كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة. وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوَج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي علامة على خفَّة عقل صاحبها، ولا سيَّما إن كان يُكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا. وإما أن يمشي هَونًا، وهي مشية
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (٨٣٨) وأحمد (٨٦٠٤، ٨٩٤٣) والترمذي (٣٦٤٨) وابن حبان (٦٣٠٩) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» (٤/ ٦٢) والبيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٢٠٨)، فيه ابن لهيعة، ولكن الراوي عنه قتيبة، وهو ملحق بالعبادلة في صحة روايته عن ابن لهيعة، ومع ذلك قال الترمذي: غريب، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٩/ ٢٢٦). وللشطر الأول شاهد عند مسلم (٢٣٤٤/ ١٠٩) من حديث جابر بن سمرة. وانظر تعليق محققي «المسند» (٨٦٠٤).
(٢) أخرجه أحمد (٧٤٦) والترمذي (٣٦٣٧)، وصححه الترمذي والحاكم (٢/ ٦٠٥)، واختاره الضياء (٢/ ٣٦٨، ٣٦٩). وله شاهد من حديث أنس عند مسلم (٢٣٣٠/ ٨٢).
(٣) وهو عند أحمد (١٢٩٩) والترمذي (٣٦٣٨) ــ واللفظ له ــ وقال: «هذا حديث ليس إسناده بمتصل».
[ ١ / ١٧٤ ]
عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال غير واحد من السلف: سكينةً ووقارًا من غير كبر ولا تماوُت (^١). وهي مشية رسول الله - ﷺ -، فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحَطُّ من صَبَب (^٢)، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يُجهِد نفسَه ورسولُ الله - ﷺ - غير مكترث. وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن (^٣) بتماوت ولا بمهانة، بل أعدل المشيات.
والمِشْيات عشرة أنواع، هذه ثلاثة منها. والرابع: السعي، والخامس: الرَّمَل، وهو أسرع المشي مع تقارُب الخطى ويسمَّى: الخبَب. وفي «الصحيح» (^٤) من حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - خبَّ في طوافه ثلاثًا ومشى أربعًا.
والسادس: النَّسَلان، وهو العَدْو الخفيف الذي لا يُزعج الماشي ولا يُكْرِثه (^٥). وفي بعض «المساند (^٦)» (^٧) أن المشاة شكوا إلى رسول الله - ﷺ - من المشي في حَجَّة الوداع، فقال: «استعينوا بالنَّسَلان».
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ٤٨٩ - ٤٩١) ولم أقف على النص بعينه.
(٢) ما عدا ص: «في صبب».
(٣) في المطبوع بعد «تكن» وبعد «بل» فيما يأتي زيادة: «مشية».
(٤) البخاري (١٦٠٣، ١٦١٧، ١٦٤٤، ١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧، ١٢٦١).
(٥) كرَثه الأمر وأكرثَه: اشتدَّ عليه.
(٦) ك، ع: «المسانيد».
(٧) لم أجده في المسانيد المطبوعة. وأخرجه ابن خزيمة (٢٥٣٦، ٢٥٣٧) والحاكم (١/ ٤٤٣، ٢/ ١٠١) والبيهقي (٥/ ٢٥٦) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: «عليكم بالنسلان»، إلا في الموضع الأول عند ابن خزيمة، ففيه: «استعينوا النَّسْل». صححه ابن خزيمة والحاكم والألباني في «الصحيحة» (٤٦٥).
[ ١ / ١٧٥ ]
والسابع: الخَوزلى، وهي مشية التمايل (^١)، يقال: إنَّ فيها تكسُّرًا وتخنُّثًا.
والثامن: القهقرى، وهي المشي إلى وراء.
والتاسع: الجَمَزى، وهي مشية يثِبُ فيها الماشي وثبًا.
والعاشر (^٢): مشية التبختُر، وهي مشية أولي العُجْب والتكبُّر. وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لمّا نظَر في عِطفَيه، وأعجبته نفسُه، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة (^٣).
وأعدَل هذه المشيات مشية الهَون والتكفِّي (^٤).
وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: «دَعُوا ظهري للملائكة» (^٥). ولهذا في الحديث: وكان يسوق أصحابه (^٦).
_________________
(١) بعده في مب، ن زيادة: «وهي مشية».
(٢) في ص، ج: «والعاشر: مشية المتمايل كمشية النِّسوان، وبه فُسِّر قول النبي - ﷺ - في النساء: «كاسيات عاريات مميلات»، وإذا مشى بها الرجل كان متبخترًا». والمثبت من ك، ع وكذا في المطبوع، ولعل المؤلف استبدله بما ورد في ص، ج لكون العاشر تكرارًا للسابع، إذ كلاهما مشية التمايل.
(٣) كما ورد في حديث أبي هريرة في «صحيح البخاري» (٥٧٨٩) ومسلم (٢٠٨٨).
(٤) كذا في النسخ، وقد مرّ آنفًا.
(٥) أخرجه أحمد (١٥٢٨١) والدارمي (٤٦) من حديث جابر بن عبد الله، إسناده صحيح، وصححه الحاكم (٢/ ٤١١، ٤/ ٢٨١). وله شاهد من حديث جابر أيضًا من فعل الصحابة، أخرجه أحمد (١٤٢٣٦) وابن ماجه (٢٤٦)، وصححه ابن حبان (٦٣١٢).
(٦) كما في حديث جابر وسيأتي تخريجه.
[ ١ / ١٧٦ ]
وكان يمشي حافيًا ومنتعلًا. وكان يماشي أصحابه فرادى وجماعةً. ومشى في بعض غزواته مرةً، فانقطعت (^١) إصبَعُه (^٢)، وسال منها الدم، فقال (^٣):
«هل أنتِ إلا إصبَعٌ دَمِيتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ»
وكان في السفر ساقةَ أصحابه، يُزجي الضعيف ويُردِف، ويدعو لهم. ذكره أبو داود (^٤).
فصل