* نسبة الكتاب
كتابنا هذا أشهر كتب الإمام ابن القيم - ﵀ -، وقد لقي من القبول والسيرورة ما لم يلقه كتاب آخر من مؤلفاته كما سبق. وقد أجمَعَتْ على نسبته إليه كل نسخه الخطية، وكتب التراجم، والصادرون عنه في كتبهم من تلامذة المؤلف وغيرهم. وقد ذَكَر ابن القيم فيه غيرَ كتاب من مؤلفاته، مثل «تهذيب السنن» و«جلاء الأفهام» و«مفتاح دار السعادة» وغيرها، ونثرَ فيه كعادته أقوال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية واختياراته. وشواهد أخرى كثيرة من منهج المؤلف وأسلوبه وترجيحاته لا تدع مجالًا للشك في نِسْبته إليه، فالكلام على هذه القضية تطويل بلا طائل.
* عنوان الكتاب
أما عنوان الكتاب، فلم يسمِّه المؤلف في مقدمته. وقد سماه الصفدي في كتابيه «الوافي» (٢/ ٢٧١) و«أعيان العصر» (٤/ ٣٦٩) وابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥): «زاد المعاد في هدي خير العباد» (في مطبوعة الوافي: «دين العباد» تحريف).
ولما ترجم له الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢) قال وهو يذكر مؤلفاته: «وله من التصانيف: الهدي، وأعلام الموقعين، وبدائع الفوائد، وطرق السعادتين، وشرح منازل السائرين، والقضاء والقدر »، فسماه: «الهدي» من باب الاختصار. وهو ظاهر من صنيعه في تسمية معظم كتب ابن القيم، وقد يبدو معه شيء من عدم الاهتمام.
[ المقدمة / ٩ ]
وأما النسخ الخطية فإنها متفقة على العنوان المشهور إلا نسخة دار الكتب المصرية (٢٣٤ - حديث) التي رمزها (مب)، وهي نسخة قديمة غير مؤرّخة، فقد جاء في صفحة عنوانها: «زاد المعاد فيما بلغنا من هدي خير العباد»، فلعل المؤلف - ﵀ - سماه هكذا في بعض نسخ الكتاب، أو يكون تصرفًا من كاتب النسخة أو مالكها.
وجاء في آخر الجزء الأول من النسخة الكتانية بخط ناسخها ابن بَردِس البعلي الحنبلي سنة ٧٧٢: «تم السِّفر الأول من هدي النبي - ﷺ -».
وفي بداية الجزء الثاني من نسخة مانيسا المكتوبة سنة ٧٧٢ أيضًا: «الجزء الثاني من الهدي النبوي»، وفي خاتمته: «آخر المجلد الثاني من الهدي». ولم يصل إلينا الجزء الأول من هذه النسخة.
وجاء على صفحة العنوان من الجزء الثاني من نسخة بايزيد المكتوبة سنة ٧٦٧: «الجزو الثاني من زاد المعاد في هدي خير العباد - ﷺ - المسمَّى أيضًا بالهدي».
ولا يبعد أن يكون (الهدي النبوي) أو (هدي النبي - ﷺ -) هو العنوان الثابت في أوائل بعض النسخ، ولا يبعد أيضًا أن يكون المؤلف نفسه كتب ذلك في مطلع بعضها تجوُّزًا واختصارًا.
أما الناقلون من كتابنا فهم يسمونه أحيانًا باسمه الكامل، وأحيانًا يختصرونه، فالقسطلاني مثلًا في «إرشاد الساري» سمَّاه أحيانًا «زاد المعاد» (٢/ ١٩٥. ٨/ ٣٦٤، ٣٦٩، ٣٧٥. ٩/ ٢٠٠)، ومرة واحدة: «الهدي النبوي» (٨/ ٣٤٥)، ومرتين: «الهدي» فقط (٨/ ٤٣، ٣٧١). وسمَّاه الحافظ ابن حجر في موضع واحد من «الفتح» (١١/ ١٣٣): «الهدي النبوي»
_________________
(١) ومثله في
[ المقدمة / ١٠ ]
«كشّاف القناع» للبهوتي
_________________
(١) وفي سائر المواضع: «الهدي». وهكذا إذا نقل منه ابنا مفلح في «الفروع» و«المبدع» والمرداويُّ وغيرهم قالوا: «اختار صاحب الهدي» و«ذكر صاحب الهدي» ونحوه. ولو اختصروه إلى «الزاد» لم يُبعِدوا، ولكن آثروا لفظ «الهدي» أو «الهدي النبوي» لدلالته على مضمون الكتاب. وقد ذكر الحافظ ابن رجب من تصانيف المؤلف كتابًا يشبه «زاد المعاد» في عنوانه وموضوعه، وهو «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء». ولولا أنه صرح بعده بأنه في مجلد، وأن «زاد المعاد» في أربع مجلدات لأوهم أنهما اسمان لكتاب واحد. وسيأتي بعض الكلام على «زاد المسافرين» في مبحث بناء الكتاب. * تاريخ تأليفه لم نجد فيما وصل إلينا من مؤلفات ابن القيم إحالة على زاد المعاد، غير أنه أحال فيه على عدة كتب له، منها «تهذيب سنن أبي داود» (١/ ١٥٦)، و«مفتاح دار السعادة» (٤/ ٢٢٠)، و«جلاء الأفهام» (١/ ٧٢)، وأشار أيضًا إلى «مدارج السالكين» (٤/ ٢٥٣). وأشار في موضع آخر (٣/ ١٧٥) إلى نيته لإفراد كتاب في الحكم بالأمارات والقرائن، والظاهر أنه كتاب «الطرق الحكمية» الذي ألفه فيما بعد. والكتاب الوحيد الذي نعرف زمن تأليفه من الكتب المذكورة بالتحديد هو «تهذيب السنن»، فقد ألفه سنة ٧٣٢ بمكة المكرمة كما ذكر في آخره. إذن يكون ألَّف «زاد المعاد» بعد سنة ٧٣٢. ولكننا وجدنا في الكتاب إشارة إلى حَدَث يعين على تحديد أقرب، وذلك أن المؤلف ذكر أن أهل الذمة إذا نقض بعضُهم العهدَ ورضي به
[ المقدمة / ١١ ]
الباقون فحُكمهم كحكم أهل الصلح: يُغزَون جميعًا، ثم قال: «وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمر لما أحرق النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودُورَهم، وراموا حَرْقَ جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارتَه، وكاد
_________________
(١) لولا دفاع الله أن يحترقَ كلُّه، وعلم بذلك من علم من النصارى وواطؤوا عليه وأقرُّوه ورضُوا به ولم يُعْلِموا به ولي الأمر. فاستفتى فيهم وليُّ الأمر من حضره من الفقهاء، وأفتيناه بانتقاض عهد مَن فعل ذلك أو أعان عليه بوجهٍ من الوجوه أو رضي به وأقرَّ عليه، وأن حدَّه القتلُ حتمًا، ولا يُخيَّر الإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدًّا» (٣/ ١٦٢)، وذكر مثله في أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٣٤). فإذا رجعنا إلى كتب التاريخ لمعرفة زمن هذا الحدث الذي أشار إليه المؤلف علمنا أنه وقع سنة ٧٤٠. انظر «ذيل العبر» للذهبي (ص ٢١٣)، وقد فصَّل القول فيه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤). وقد ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه ألفه أي أخذ في تأليفه حالَ السفر، ولم يشر إلى جهته، ولعله إحدى رحلاته للحج أو لغيره بعد سنة ٧٤٠، وقد حج مرات كثيرة كما ذكر تلميذه الحافظ ابن رجب في ترجمته. فهل تعطي هذه الحادثة دلالة أن الكتاب ألّف بعد سنة ٧٤٠؟ يحتمل ذلك، ويحتمل أنه مما أضافه المؤلف لاحقًا. ويظهر من بناء الكتاب كما سيأتي أن المؤلف أكمله في فتراتٍ مختلفة بعد أن ألقى عصا السفر وتوفَّرت له الكتب والمصادر. * * * *
[ المقدمة / ١٢ ]