عباد الله! إذا كنتم قد نسيتم المسجد الأقصى فها نحن نذكركم به؛ المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ لعبادة الله وتوحيده.
سئل - ﷺ -: أي بيت وضع في الأرض أول؟
فقال - ﷺ -: "المسجد الحرام" قيل: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قيل: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (١).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، مسلم (رقم ٥٢٠).
[ ١٨٩ ]
المسجد الأقصى رفع بناءه وجدده سليمان بن داود ﵉: عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - ﷺ - أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس -أي المسجد الأقصى- (وفي رواية: لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس)، سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة .. " الحديث (١).
الشاهد منه يا عباد الله! أن الذي رفع بناء المسجد الأقصى وجدده؛ هو سليمان بن داود ﵉.
المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى.
عن البراء - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - ﷺ - قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت .. " الحديث (٢).
فكان - ﷺ - يقلب وجهه في السماء، يرغب، ويسأل ربه أن يحول قبلته إلى المسجد الحرام، فاستجاب الله له، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
أمة الإسلام! المسجد الأقصى مسجد مبارك، بارك الله فيه وحوله من بركات الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ
_________________
(١) "صحيح سنن النسائي"، (رقم ٦٦٩)، "صحيح ابن ماجه" (رقم ١٤٠٨).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠)، ومسلم (رقم ٥٢٥).
[ ١٩٠ ]
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾ [سبأ: ١٨].
المراد بها المسجد الأقصى.
فهذه البلاد المباركة المقصود منها، هي، بيت المقدس، نسأل الله -﵎- أن يردها للمسلمين من أيدي إخوة القردة والخنازير.
أمة الإسلام! الصلاة في المسجد الأقصى فضلها عظيم.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ -، أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة: سأل الله -﷿- حُكمًا يُصادفُ حكمه فأُوتيه، وسأل الله -﷿- ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأُوتيه، وسأل الله -﷿- حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزهُ -أي يدفعه- إلا الصلاةُ فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمة (وفي رواية: فقال النبي - ﷺ -: "أمَّا اثنتان فقد أعطيهما وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة" (١).
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله - ﷺ - أيهما أفضل، مسجد رسول الله - ﷺ - أم بيت المقدس؟.
_________________
(١) مضى قريبًا.
[ ١٩١ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو .. " الحديث (١).
فتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة.
أمة الإسلام! أنسيتم المسجد الأقصى! هو مسرى رسول الله - ﷺ -، ومنه عرج به إلى السماء.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.
وقال - ﷺ -: " ثم ربط البراق في الحلقة التي تربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن فاخترت اللبن، فقال جبربل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء .. " الحديث
أي عرج من المسجد الأقصى إلى السماء، وفي هذه إشارة أنه كما أن النبوة انتقلت من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل إلى رسولنا - ﷺ -، فهذه بشرى للنبي - ﷺ - وأصحابه والمسلمين إلى يوم القيامة بأن قيادة البشرية ستنتقل من أيدي بني إسرائيل؛ لأنهم عصوا الله وملأوا الأرض غدرًا وخيانة، ستنتقل إلى الأمة الإِسلامية، بقيادة رسولها - ﷺ - وقد فتحت الأمة الإِسلامية الدنيا من مشرقها إلى مغربها، لما كانوا متمسكين بدينهم، وبسنة رسولهم لكن لما انشغلوا بالدنيا وحطامها فقد ضيعوا الدنيا والبلاد من مشرقها إلى مغربها، ولذلك، نقول إذا أردتم يا أمة الإِسلام أن يعود الأقصى إليكم وتحرروا أرضكم من الكفار
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (٢٩٠٢).
[ ١٩٢ ]
فعليكم أن تعودوا إلى دينكم وأن تتمسكوا بدينكم وسنة نبيكم، إن فعلتم ذلك نصرتم الله في أنفسكم وإن نصرتم الله في أنفسكم نصركم الله على عدوكم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.
أمة الإِسلام! المسجد الأقصى من المساجد التي تشد لها الرحال.
قال - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي" (١).
وشد الرحال تكون للصلاة في هذه المساجد أو الاعتكاف فيها، أما شد الرحال إلى الأضرحة والقبور والأولياء، فهذا حرام ولا يجوز في شريعة الإِسلام.
عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج.