عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإسراء والمعراج.
عباد الله! الإسراء والمعراج كان مكافأة ربانية، ومواساة للرسول - ﷺ - بعد الحصار الظالم الذي استمر ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وبعد وفاة الناصر الحميم أبي طالب، والزوجة الوفية الأمينة خدبجة -﵂-، وبعد رحلة الطائف الأليمة.
فكانت هذه الرحلة الربانية، التي أكرم الله -﵎- فيها رسوله - ﷺ -؛ ليُذهب عن صدره الآلام والأحزان.
عباد الله! الإسراء: هو ذهاب الله -﵎- بنبيه محمَّد - ﷺ -، راكبًا على البراق، من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى في القدس، في جزء من الليل ثم رجوعه من ليلته.
والمعراج: هو صعود الرسول - ﷺ -، من المسجد الأقصى في تلك الليلة، بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في تلك الليلة.
عباد الله! حادث الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة. ففي كتاب ربنا، ذكر الله تعالى الإسراء وحكمته بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
[ ١٧٨ ]
- ويستفاد من هذه الآية ما يلي-:
أولًا: بدأ الله الآية بـ (سبحان) لأن من قدر على هذا فهو مستحق للتنزيه والتقديس.
ثانيًا: في ذكر العبد في هذا المقام تشريفٌ، ولذلك وصف الله رسوله بالعبودية في أشرت المقامات:
ففي مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وفي مقام الدعوة قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].
وفي مقام التحدي قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١].
وفي ذكر العبد في هذا المقام أيضًا تحذير أن يتخذ الإسراء ولسيلة لرفع الرسول - ﷺ - من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، وكان النبي - ﷺ - ينهى عن الإطراء والغلو حتى لا يقع الناس في الشرك، فعن ابن عباس -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" (١).
ثالثًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بمكة،
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٤٤٥).
[ ١٧٩ ]
وسمى حرامًا لحرمته وهو أول بيت وضع في الأرض، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بفلسطين: وسمى بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وهو ثاني بيت بني لله في الأرض، سئل - ﷺ -: "أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قيل: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة" (١).
رابعًا: وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالمسجد الأقصى مبارك، والأرض التي حوله مباركة، وهي بركات دينية ودنيوية.
خامسًا: وفي قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ تلك هي حكمة الإسراء، لقد رأى النبي - ﷺ - في رحلته؛ ما أذهب عن صدره الآلام والأحزان والروع والخوف، وليربط على قلبه وليثبت فؤاده، وليكون من المؤمنين أن الله معه ولن يتخلى عنه، وأن الله ناصره.
عباد الله! وفي كتاب ربنا ذكر الله قصة المعراج وثمرته في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ يعني جبريل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨].
فالإسراء والمعراج ثابت في كتاب ربنا.
وكان بالروح والجسد وفي اليقظة لقوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد لا يكون إلا بالروح والجسد، ولقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ والبصر
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، ومسلم (رقم ٥٢٠).
[ ١٨٠ ]
يكون في الجسد.
وفي قوله - ﷺ -: "لما كذبتني قريش قمت في الحجر فَجَلَّى الله ليَ بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته" (١).
فلو أنه - ﷺ - أخبرهم بأنها رؤيا رآها لما اختبروه بالسؤال عن آياته وعلاماته.
عباد الله! والإسراء والمعراج ثابت في سنة نبينا - ﷺ -، فتعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا خبر الإسراء والمعراج.
قال رسول الله - ﷺ -: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري ثم غسله بماء زمم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه" (٢).
عباد الله! بعد أن فرغ جبريل ﵇ من عملية شق الصدر وغسله ولأمه لرسول الله - ﷺ - بدأ الإسراء من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى على البراق.
قال رسول الله - ﷺ -: "أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة" (٣).
عباد الله! ومن هناك من المسجد الأقصى بدأت رحلة المعراج فعُرج
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٧١٠).
(٢) رواه البخاري (رقم ٣٣٤٢).
(٣) رواه مسلم (رقم ١٦٢).
[ ١٨١ ]
بالنبي - ﷺ -، من المسجد الأقصى، إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله.
قال - ﷺ -: "ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبربل فقيل: من أنت؟ قال: جبربل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما- فرحبا بي ودَعَوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل ﵇: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇ وقد أعطى شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من هذا؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧].
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل قيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون - ﷺ - فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل:
[ ١٨٢ ]
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - ﷺ -، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى، تغيرت فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
فأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى - ﷺ -، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا.
قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي -﵎- وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمَّد! إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت
[ ١٨٣ ]
له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - ﷺ -: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" (١).
عباد الله! وهكذا كان الإسراء والمعراج- تلك الرحلة العجيبة- تم في جزءٍ من الليل، وعاد النبي - ﷺ - من رحلته والناس نيام لم يشعر أحدٌ بذلك.
عباد الله! كفار مكة وخبر الإسراء والمعراج.
الذين كذبوا أن يقع وحيٌ على الأرض أتراهم يصدِّقون به في السماء؟ تعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا عن حال قريش عندما وصلهم الخبر، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، فظعْتُ بأمري وعرفتُ أن الناس مكذِّبيَّ"، قال: فقعد معتزلًا حزينًا، فمرَّ به عدوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمُستهزئ: هل كان من شيء؟
فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم".
قال: ما هو؟ قال: "إنه أُسري بي الليلة".
قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس".
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم".
قال: فلم يُره أنه يُكذِّبه، مخافه أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٦٢).
[ ١٨٤ ]
قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟
فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم".
فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال (أي أبو جهل): حدث قومك بما حدَّثتني.
فقال رسول الله - ﷺ -: "إني أسري بي الليلة".
قالوا: إلى أين؟
قال: "إلى بيت المقدس".
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!
قال: "نعم".
قال: فمن بين مُصَفِّق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم!
قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد.
فقال رسول الله - ﷺ -: "فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النعت".
قال: "فجيء بالمسجد وأنا انظر حتى وضع دون دار عِقالٍ -أو عقيل- فنعتُّه، وأنا أنظر إليه".
فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب" (١).
_________________
(١) إسناده حسن، "مسند الإِمام أحمد" رقم (٢٨١٩ - ط المؤسسة)، و"فتح الباري" (٧/ ٢٣٩).
[ ١٨٥ ]