المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي، وفاة أبي طالب وخديجة ﵂، رحلة رسول الله - ﷺ - إلى الطائف
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأحداث التالية:
أولًا: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي
ثاتيأ: وفاة أبي طالب وخديجة -﵂-.
ثالثًا: رحلة رسول الله - ﷺ - إلى الطائف.
عباد الله! لما فشلت قريش في استعادة المسلمين من الحبشة، ورأت أن الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله - ﷺ - وعلى رأس هؤلاء حمزة ابن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب -﵄-، الذي ازداد المسلمون بإسلامهما فرحًا وعزة ومنعة، عزمت قريش على قتل رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! وحدد النبي - ﷺ - المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر -يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم حتى يسلموا لهم رسول الله - ﷺ - ليقتلوه- فذكر أنه خيف بني كنانة.
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبيﷺ - من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر".
يعني بذلك المُحَصَّبَ، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب؛ أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم
[ ١٦٧ ]
النبي - ﷺ -" (١).
عباد الله! لما رأى أبو طالب إصرار قريش على قتل النبي - ﷺ -، جمع بني عبد المطلب ودعاهم إلى الدخول بالنبي - ﷺ - في شعب أبي طالب، ودعاهم أيضًا إلى أن يمنعوا النبي - ﷺ - من كل من أراد قتله، فاجتمع على ذلك مؤمنهم وكافرهم، منهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيمانًا ويقينًا.
فلما رأت قريش أن بني هاشم وبني عبد المطلب دخلوا بالنبي - ﷺ - الشِّعب ليمنعوه ممن أراد قتله، اتفقوا فيما بينهم على مقاطعة عامة لبني هاشم وبني عبد المطلب، وأجمعوا أمرهم أن لا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا ينكحوهم ولا ينكحوا منهم، حتى يسلموا إليهم النبي - ﷺ - ليقتلوه، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة، ومضى على ذلك ثلاث سنين، فجُهد النبي - ﷺ - ومن معه جهدًا شاقًا، وأنهكهم الجوع، وهم في ذلك صابرون محتسبون، واثقون من أن الله -تعالى- جاعل لهم من هذا الضيق فرجًا ومخرجًا.
عباد الله! فلم تمض الثلاث سنين على هذا الحصار وهذه المقاطعة حتى فرق الله كلمة المشركين، وفرق جمعهم، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن سر هذه المقاطعة، وسبب هذا الحصار الذي فرضوه على بني هاشم وبني عبد المطلب، ونفعه وضرره، وماذا جنوا منه وماذا استفادوا، فاجتمع رجال من قريش على نقض هذه الصحيفة الظالمة.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٥٩٠)، ومسلم (رقم ١٣١٤).
[ ١٦٨ ]
عباد الله! خرج النبي - ﷺ - ومن معه من الشعب، وقد أنهكهم الجوع، وأصابهم الضيق والشدة والبلاء، كل ذلك ببغي قريش وظلمها والله -﷿- يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
فرأى النبي - ﷺ - أن يدعو الله على قريش أن يصيبهم بمثل ما أصابهم فقال - ﷺ -: "اللهم سبعٌ كسبع يوسف".
أي سبع سنين جدبًا، وفي رواية "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (١).
فأخذتهم سنة، محت كل شيء، حتى أكلوا أوراق الشجر والميتة والجيفة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى الدخان من شدة الجوع، فلم يجدوا بدًا من أن يأتوا رسول - ﷺ - ويسألونه أن يدعو الله ليفرج كربهم، فدعا لهم رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث ورفع الله ما نزل بهم.
عباد الله! إنها أخلاق النبوة
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: لما رأى رسول الله - ﷺ - الناس إدبارًا قال: "اللهم! سبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاء أبوسفيان، وناس من أهل (مكة)، فقالوا: يا محمَّد! إنك تزعم أنك بُعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع الله لهم، فدعا رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث" (٢).
عباد الله! وما أن خرج النبي - ﷺ - من الشعب حتى فاجأ المرض أبا طالب
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠٠٧)، ومسلم (رقم ٢٧٩٨).
(٢) صحيح، انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٢٢٧).
[ ١٦٩ ]
عم رسول الله - ﷺ -.
وكان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" (١)، "وينصره" (٢)، وكانت
قريش تحترمه.
عباد الله! أبو طالب أشرف على الموت، فأتاه النبي - ﷺ - يدعوه للإسلام لعله يموت عليه، ولكن الهدى هدى الله.
عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ - ﷺ -، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي - ﷺ -: "يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أي أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله - ﷺ -: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤].
وأنزل الله -﷿- قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٣).
عباد الله! وهكذا مات أبو طالب على الكفر، وخرج من الدنيا على غير لا إله إلا الله، إلا أن الله تفضل عليه بما قدم لرسول الله - ﷺ -، فشفَّع فيه رسول الله - ﷺ - فأخرجه من أسفل النار إلى أعلاها.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٦٢٥٨).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٠٩).
(٣) أخرجه البخاري (رقم ١٣٦٠)، ومسلم (رقم ٢٤).
[ ١٧٠ ]
عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال - ﷺ -: "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح من النار" (١).
وعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٣).
ولكن لم يشفع له النبي - ﷺ - أن يخرج من النار؛ لأنه لا يخرج من النار من مات كافرًا أبدًا، وحرم الله الجنة على من مات كافرًا أو مشركًا.
عباد الله! مات أبو طالب، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ماتت الزوجة الوفية الأمينة خديجة بنت خويلد -﵂- فحزن عليها رسول الله - ﷺ - حزنًا شديدًا، وظل يذكرها بعد موتها بكل خير، ويثني عليها أحسن الثناء، حتى أن عائشة -﵂- غارت منها بعد موتها ولم ترها، من كثرة ذكر الرسول - ﷺ - لها.
عن عائشة -﵂- قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي - ﷺ - ما غرت خديجة، وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم ٢٠٩).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢١٢).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٨٥)، ومسلم (رقم ٢١٠).
[ ١٧١ ]
في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد" (١).
وقال رسول الله - ﷺ -: "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران" (٢).
جبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها، ويبشرها بقصر في الجنة قال أبو هريرة - ﵁ -: "أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" (٣).
عباد الله! مات أبو طالب على الكفر، وماتت خديجة على الإيمان، لتعلموا يا عباد الله! أن الموت حق على الجميع على المؤمن والكافر وعلى الكبير والصغير وعلى الغني والفقير وعلى القوي والضعيف فما من أحدٍ منَّا إلا وسيأتيه الموت ويخرج من هذه الدنيا، لكن هنيئًا لمن خرج على الإيمان والعمل الصالح، وخاب وخسر من جاءته المنية وهو على الكفر ومعصية الله.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨١٨)، ومسلم (رقم ٢٤٣٣).
(٢) صحيح رواه أحمد (٢٦٦٨).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٢٠)، ومسلم (رقم ٢٤٣٢).
[ ١٧٢ ]
وقال جبريل ﵇ لرسولنا - ﷺ -: "يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت .. ".
ابن آدم!
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يومًا خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها تردوا
أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفدُ
حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من وروده يومًا كما وردوا
عباد الله!
نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقًا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل
عباد الله! لما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله - ﷺ - من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فرأى رسول الله - ﷺ - أن يغير البيئة، وأن يخرج بالدعوة من مكة إلى غيرها، لعله يجدُ من القبائل والعشائر من يقبل الدعوة، ويحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فخرج إلى الطائف ماشيًا يلتمس النصرة من ثقيف، رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله -﷿-، ولكنها لم تستجب له، وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة حتى أدموه، فقابل ذلك بالصبر والرضا وخرج عائدًا إلى مكة، مهمومًا حزينًا فبعث الله له ملك الجبال لينتقم منهم، فقابل الإساءة بالإحسان والعفو
[ ١٧٣ ]
والصبر، ولم يوافق ملك الجبال على هلاكهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
عن عائشة -﵂- قالت: قلت يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (يعني عقبة الطائف)، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ - جبلان بمكة-، فقال له رسول الله - ﷺ -: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا" (١).
إنها أخلاق النبوة، إنها الرحمة، ورجع النبي - ﷺ - إلى مكة، وكان بيده أن يتخلص من الكفار، وأن يستريح من شرهم، وأن يمسك هو الحكم ليقوم بما يريد، ولكن ليس بهذه الطريقة جاء الأنبياء إلى هذه الأرض، إنهم جاءوا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٣١)، ومسلم (رقم ١٧٩٥).
[ ١٧٤ ]
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الأحداث فهي:
أولًا: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي، ومطاردة الناس في أرزاقهم؛ من أخلاق الكفرة من قديم الزمان وإلى يومنا هذا، ففي مكة فعلت قريش ذلك برسول الله - ﷺ - وأصحابه، وحاصروهم في شعب أبي طالب، وإلى يومنا هذا الكفار يضربون الحصار الاقتصادي، والحظر على بلاد المسلمين، نقول للكفار في كل مكان: أرزاق العباد بيد الله وليست بايديكم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤] ونقول للكفار: إن الله -﷿- بفضله وكرمه ورحمته، لم يكل رزق العباد إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
عباد الله! أيرزق الله الدواب والطيور وينسى الذين يقولون: لا إله إلا الله، أيرزق الله الكفرة الفجرة الذين يحاربون الله ويحاربون دينه وعباده، ويحرم الذين يعبدونه وينصرون دينه!!
قال - ﷺ -: "إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله" (١).
وقال - ﷺ -: "لو أن ابن آدم هرب من الرزق كما يهرب من الموت،
_________________
(١) "صحيح الجامع" (١٦٢٦).
[ ١٧٥ ]
لأدركه رزقه كما يدركه الموت" (١).
ولذلك قال - ﷺ -: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله، لا ينال إلا بطاعته" (٢).
ثانيًا: الرحمة والعفو والصفح من أخلاق رسولنا - ﷺ -، فقد فعل الكفار ما فعلوا برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولما دعا عليهم الرسول - ﷺ - بسبع كسبع يوسف واستجاب الله له فيهم، وجاءوا إلى رسول الله - ﷺ - يطلبون منه أن يدعو الله أن يرفع عنهم ذلك العذاب، فدعا رسول الله - ﷺ - ربه أن يغيثهم. وعندما اعتدى أهل الطائف على رسول الله - ﷺ - ورشقوه بالحجارة حتى أدموه، وجاء ملك الجبال يطلب من رسول الله - ﷺ - أن يأمره أن يطبق على الكفار الجبلين، رفض رسول الله - ﷺ - ذلك وقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا"
إنها أخلاق النبوة .. كيف لا والله -﷿- يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ثالثًا: على الدعاة أن يصبروا على دعوتهم وعلى إيذاء الناس لهم، فلا بأس ولا قنوط من إسلام الكفرة والفجرة، ولا من توبة العصاة الفسقة،
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٥١١٦).
(٢) صحيح بشواهده، انظر "صحيح الجامع" (٢٠٨١).
[ ١٧٦ ]
فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكم من رجل خرج ليلًا ليقتل النبي - ﷺ - فما أصبح إلا وهو من أتباعه، فلا يجوز للداعي أن ييأس من الناس، ولا يجوز أن يقنط من الناس، فالله -﷿- هو الهادي، والداعي ما عليه إلا البيان، وأجره على الله.
رابعًا: جليس السوء يضر صاحبه في الحياة الدنيا، وعند الموت، ويوم القيامة، فقد تبين لكم أن جليس السوء -وهو أبو جهل- قد أضر بصاحبه عندما قال له رسول الله - ﷺ -: "يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" فقال له أبو جهل: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فخرج الرجل من الدنيا على ملة عبد المطلب -على الكفر- وهكذا الجليس السوء.
ولكن إذا جلس الجليس الصالح عند صاحبه عند الموت قال له: (قل لا إله إلا الله) فيقولها.
والرسول - ﷺ - يقول: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١).
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
_________________
(١) حسن، انظر "أحكام الجنائز" (ص ٤٨).
[ ١٧٧ ]