عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الصحابة - ﵃ - إلى المدينة.
عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن بيعة العقبة الأولى والثانية، وفي بيعة العقبة الثانية بايع الأنصار رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة والنصرة والحرب، فعندما قال لهم رسول الله - ﷺ -: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" (١) قالوا له: "نعم والذي بعثك بالحق، لنمعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر" (٢).
وعندما قالوا له: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
_________________
(١) مضى تخريجه.
(٢) مضى تخريجه.
[ ٢١١ ]
عباد الله! لما تمت بيعة العقبة الثانية، وعاد القوم إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إليهم بتلهف كبير؛ أمر رسول الله - ﷺ - المسلمين بالهجرة إلى المدينة واللحوق بالأنصار، فخرجوا أرسالًا -أي جماعات-
عباد الله! وكانت الهجرة إلى المدينة بوحي من الله تعالى، قال رسول الله - ﷺ -:"رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" (١).
وقالت عائشة - ﵂-: قال النبي - ﷺ - للمسلمين: "وإني أريت دار هجرتكم، سبخة، ذات نخل بين لابتين- وهما الحرَّتان-".
فهاجر من هاجر قِبلَ المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسول الله - ﷺ -: "على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجوا أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: أترجوا ذلك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - ﷺ -، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السَّمر أربعة أشهر" (٢). وذلك استعدادًا لهجرة النبي من مكة إلى المدينة.
عباد الله! عندما أذن النبي - ﷺ - للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، طاروا إليها زرافات ووحدانا، يحثهم الشوق إلى أرض أمن وأمان، يعبدون فيها ربهم، ويجهرون بصلاتهم، ويأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، فلما رأت قريش
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (رقم ٧٠٣٥)، ومسلم (رقم ٢٢٧٢).
(٢) رواه البخاري (رقم ٢٢٩٧).
[ ٢١٢ ]
الديار في مكة خلت، والمسلمين هاجروا إلى المدينة، سعت بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة، وإثارة المشاكل أمام المهاجرين، مرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم، ولكنه يهاجر فالدين عنده أغلى من كل شيء، ومرةً بحجز أموالهم ومنعهم من حملها، ومرةً بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة، لكن شيئًا من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة، فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة.
عباد الله! وهذه أمثلة أضعها بين أيديكم لتعلموا الصعوبات التي كانت أمام المسلمين عندما هاجروا من مكة، ومع ذلك هاجروا فرارًا بدينهم وطاعة لربهم، فالدين عندهم أغلى شيء،
فهذا أبو سلمة - ﵁ - أخذوا منه زوجته وابنه ليمنعوه من الهجرة فلم يمنعه ذلك من الهجرة إلى المدينة فرارًا بدينه الذي هو أغلى من كل شيء.
فتعالوا بنا عباد الله! لنستمع إلى أم سلمة - ﵂- وهي تخبرنا الخبر، تقول أم سلمة -﵂-: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رَحَلَ لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة (وهم أصهاره) قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة. قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: فَفُرِقَ بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس
[ ٢١٣ ]
بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي، سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي -أحد بني المغيرة- فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؛ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟
قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت قالت: وردّ بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابني قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. وما معي أحد من خلق الله قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان ابن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار.
فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة.
قال: أو ما معك أحد؟
قالت فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه.
كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها.
فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
[ ٢١٤ ]
فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة" (١).
الشاهد يا عباد الله! أن ننظر إلى الصعوبات التي تغلب عليها المسلمون، وهاجروا من مكة إلى الدينة فرارًا بدينهم.
عباد الله! وهذا صهيب الرومي - ﵁ - لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني قد جعلت لكم ما لي. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -
فقال: ربح صهيب، ربح صهيب" (٢).
فانظروا عباد الله!، ضحى صهيب بماله كله ليفر بدينه الذي هو أغلى من كل شيء قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].
عباد الله! وهذا مثال ثالث يبين الأساليب التي اتخذتها قريش لمنع المسلمين من الهجرة إلى المدينة.
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "اتعدت (أي تواعدت) - لما أردنا الهجرة إلى المدينة- أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من إضاءة
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، وانظر "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤).
(٢) قال الألباني: حديث صحيح "فقه السيرة" (ص ١٥٧).
[ ٢١٥ ]
بني غفار فوق سرف (وهو مكان معروف بالقرب من مكة) وقلنا أينا لا يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه.
قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.
وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة- وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما- حتى قدما علينا المدينة- ورسول الله - ﷺ - بمكة- فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرقَّ لها.
فقلت له: يا عياش! إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ..
فقال: أبرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.
فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، ذلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما.
فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول. فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال: بلى
[ ٢١٦ ]
قال: فأناح وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عَدَوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن.
قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ أنزل الله- تعالى- فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥].
قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال: فقال هشام: فلما أتتني خرجت بها إلى ذي طوى (واد بمكة) أُصَعِّدُ فيها النظر وأُصَوِّبه لأفهمهما، حتى قلت: اللهم فهمنيها؟ قال: فألقى الله -تعالى- في قلبي، أنها إنما أُنزلت فينا، وفيما كنا نقول لأنفسنا، ويقال فينا.
قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله - ﷺ - (١).
عباد الله! حيل، عراقيل، صعوبات، وضعتها قريش أمام المهاجرين المسلمين من مكة إلى الدينة، ومع ذلك هاجروا فرارًا بدينهم، فالدين عندهم أغلى شيء.
عباد الله! هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون في مكة يفعلونه بمن يريد
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (١/ ٤٧٤) بإسناد حسن لذاته انظر "السيرة النبوية الصحيحة" (ص ٢٠٤ - ٢٠٦).
[ ٢١٧ ]
الهجرة من المسلمين، ومع ذلك خرج المسلمون من مكة أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا، ولم يبق بمكة أحد من المسلمين إلا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعلي أقاما مع رسول الله - ﷺ - بأمره وحبس قوم كرهًا؛ حبسهم قومهم، فكُتب لهم أجر المهاجرين بما كانوا عليه من حرصهم على الهجرة.
عباد الله! المسلمون من المهاجرين والأنصار في المدينة ينتظرون هجرة رسول الله - ﷺ - إليهم بتلهف كبير. والرسول - ﷺ - في مكة ينتظر متى يؤذن له بالهجرة فيهاجر إلى المدينة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمعنا بكم مع نبينا في جنات النعيم.
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة الصحابة﵃- من مكة إلى المدينة فهي كثيرة جدًا منها:
أولًا: على المسلم إذا ضُيقَ عليه في بلد ما ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى بلد آخر ليتمكن من عبادة ربه، فالدين أغلى من كل شيء، فقد هاجر الصحابة - ﵃ - من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
[ ٢١٨ ]
ثانيًا: الصحابة - ﵃ - جيل فريد اختارهم الله لنصرة نبيه ولنصرة دينه؛ الأنصار في المدينة قدموا الأرواح والأموال رخيصة في سبيل هذا الدين العظيم؛ والمهاجرون تركوا الأموال والديار والأهل من أجل هذا الدين العظيم، ولذلك قال الله تعالى في وصفهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
وقال - ﷺ -: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (١).
وقال ابن مسعود - ﵁ -: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمَّد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمَّد - ﷺ -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه" (٢).
وقال الإِمام الطحاوي في "عقيدته": "ونحب أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم. وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٤٠).
(٢) قال الشيخ الألباني في التعليق على "شرح العقيدة الطحاوية" (ص٤٧٠): "حسن موقوفًا".
(٣) "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٤٦٧).
[ ٢١٩ ]
ثالثًا: النجاة والسلامة في اتباع الصحابة - ﵃- وسلوك منهجهم
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] وقال - ﷺ -: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (١).
وقال - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة" قيل وما هي يا رسول الله؟
قال: "هي التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وقال ابن مسعود - ﵁ -: "من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمَّد - ﷺ -، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (٢).
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (رقم ٢١٥٧).
(٢) "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٣٨٣).
[ ٢٢٠ ]