أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله، ألا وهو أذية قريش لرسول - ﷺ -
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله ألا وهو أذية قريش لرسول الله - ﷺ -،
عباد الله! رسولنا في مكة يدعو الناس إلى دين الله، ويقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، والناس يدخلون دين الله، واجتمع كفار مكة للتشاور في كيفية صرف الناس عن هذا الدين الجديد، وفي كيفية صرف محمَّد - ﷺ - عن دعوته الجديدة، فزينت لهم شياطين الإنس والجن أساليب منها:
- الاستهزاء والسخرية والتحقير والتضحيك بالرسول - ﷺ - وأصحابه ولكنهم فشلوا في ذلك.
- ومنها إلقاء الشبهات والشكوك والتهم على رسول الله - ﷺ -؛ ليصدوا الناس عن الإيمان به، ولكنهم فشلوا في ذلك أيضًا.
فانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد للصد عن دين الله، ألا وهو الاعتداء على رسول الله - ﷺ - بالقول والفعل والسب والقتل والتخويف، ولذلك قال - ﷺ -: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثةٌ وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما وارى
[ ٩٧ ]
إبط بلال" (١).
عباد الله! ومن أذية قريش لرسول الله - ﷺ - بالقول: ما رواه ربيعة بن عباد من بني الديل- وكان جاهليًا فأسلم- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب (٢).
وفي رواية أخرى قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم، يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول، تقد وجنتاه، وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم، قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب (٣).
مثال آخر!
عن أسماء بنت أبي بكر -﵂- قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولةٌ، وفي يدها فهر -أي حجر- وهي تقول: مذممًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي - ﷺ - جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله - ﷺ -: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا، فاعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ
_________________
(١) "صحيح ابن ماجه" (١٢٣).
(٢) إسناده جيد. انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٤٢ - ١٤٣).
(٣) إسناده حسن. انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٤٣).
[ ٩٨ ]
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥]، فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (١)، وقال - ﷺ -: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! " قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "يشتمون مذممًا، وأنا محمَّد، ويلعنون مذممًا، وأنا محمَّد" (٢).
عباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - ﷺ - بألسنتهم فهذا يقول: إنه ساحر، وهذا يقول: إنه كاهن، وهذا يقول: إنه كذّاب، وهذا يقول إنه شاعر، والنبي - ﷺ - يضيق صدره بما يقولون، ويحزن على ما يسمع منهم، وعلى كفرهم وإعراضهم، ولكن الله -﷿- ربط على قلبه، فكان الوحي ينزل عليه يواسيه ويعزيه ويسدده ويثبته، ويؤكد له أن العاقبة له:
قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣٥٣٣).
[ ٩٩ ]
مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾ [الطور: ٢٩ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٥]، فأخبر الله -﷿- رسوله - ﷺ - أن هذا الذي تسمعه من كفار مكة؟ هو الذي تقوله الأمم المكذبة لرسلها من قبل، ولذلك يقول الله -﷿- لرسوله - ﷺ - مواسيًا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
وعن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا فجاءته امرأة فقالت: يا محمَّد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣] (١).
عباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - ﷺ - بألسنتهم، ورسول الله - ﷺ - يبلغ دين الله، ويدعو الناس إلى عبادة الله، ويقول للناس "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس يقبلون على هذا الدين، ويتبعون رسول الله - ﷺ - فاجتمعت قريش مرة أخرى للتشاور في كيفية صرف محمَّد - ﷺ - عن دعوته، فقرروا أن ينتقلوا من أسلوب الشتم والسب إلى أسلوب أشد، وهو البطش والتعذيب والفتك بالنبي - ﷺ -، ولذلك قال - ﷺ - "لقد أخفت في الله وما يخاف
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري (رقم ٤٩٥٠)، ومسلم (رقم ١٧٩٧).
[ ١٠٠ ]
أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد" (١).
عباد الله! ومن صور هذا الاعتداء:
عن ابن مسعود - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا (٢) جزور بني فلان فيأخذه فيأتي فيضعه في كتفي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - ساجدٌ ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت -وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد".
قال ابن مسعود: فلقد رأيتهم صرعى (أي قتلى يوم بدر) ثم سحبوا إلى القليب؛ قليب بدر" (٣).
_________________
(١) "صحيح ابن ماجه" (رقم ١٢٣).
(٢) هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة.
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٠)، ومسلم (رقم ١٧٩٤)، واللفظ لمسلم عدا ذكر عمارة بن الوليد.
[ ١٠١ ]
ثم قال - ﷺ -: "واتبع أصحاب القليب لعنة" (١)، وقام عليهم يناديهم: "يا فلان! يا فلان! لقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا". قال أصحابه: يا رسول الله أتخاطب أقوامًا قد جُيِّفوا. فقال - ﷺ -: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إلا أنهم لا يملكون جوابًا".
أسمعهم الله -﷿- توبيخ رسول الله - ﷺ - (٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يُعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ -أي يسجد ويلصق وجهه بالتراب- فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب.
فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته فما فجئهم -أي بغتهم- فيه إلا وهو ينكص على عقبيه -أي: رجع يمشي إلى ورائه- ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟
فقال: إن بيني وبينه خندقًا من نار وهولًا وأجنحة.
فقال رسول الله - ﷺ -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا".
فأنزل الله -﷿-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٢٤٠).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٨٧٣).
[ ١٠٢ ]
وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ٦ - ١٩] (١).
وعن ابن عباس -﵄- قال: مر أبو جهل بالنبي - ﷺ - وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمَّد! فانتهره النبي - ﷺ -، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمَّد! فوالله لقد علمت ما بها أحدٌ أكثر ناديًا مني. فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]. فقال ابن عباس: والله؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (٢).
عباد الله! إيذاء واعتداء من كفار مكة على رسول الله - ﷺ -، ويا ليت الأمر توقف عند ذلك ولكنهم قرروا أن يقتلوا رسول الله - ﷺ -.
عن عروة بن الزبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - ﷺ - قال: بينا رسول الله - ﷺ - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - ﷺ -، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا. فأقبل أبو بكر - ﵁ - فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله - ﷺ - وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (٣).
عباد الله! وحزن النبيﷺ - حزنًا شديدًا؛ لما يفعله كفار مكة من الاعتداءات عليه وعلى أصحابه، فما كان الله ليتركه حزينًا بل أراه من الآيات وخوارق العادات ما ربط على قلبه وثبته.
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي - ﷺ - ذات يوم وهو جالس حزينًا، قد خضب بالدماء؛ ضربه بعض أهل مكة، فقال له:
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٧٩٧).
(٢) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٤٤).
(٣) رواه البخاري (رقم ٤٨١٥).
[ ١٠٣ ]
مالك؟ فقال له: "فعل بي هؤلاء وفعلوا". فقال جبريل ﵇ "أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم" قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع. فأمرها فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله - ﷺ -: "حسبي" (١).
ومضى رسول الله - ﷺ - يبلغ رسالة ربه، ويدعو الناس إلى دين الله صابرًا محتسبًا، واقفًا عند أمر ربه ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩].
عباد الله! رسولنا - ﷺ - على خلق عظيم كما شهد له ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، فقد كان كفار مكة يعتدون عليه بالسب والشتم والضرب، ومع ذلك كان لا ينتقم لنفسه أبدًا، بل جاءه ملك الجبال وقال له: يا محمَّد لقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين) فقال رسول الله - ﷺ -: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا" (٢).
رسول كريم، إنها أخلاق النبوة، ويجب على الدعاة أن يتأسوا برسول الله - ﷺ - في الصبر على أذى الكفار، وأن يمضوا في الدعوة إلى هذا الدين العظيم.
عباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى هذا الخلق العظيم من رسول الله - ﷺ - وكفار مكة يجمعون عليه الإيذاء بالقول والفعل، ومع ذلك فهو يعفو ويصفح.
عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاصي: ما أكثر ما رأيت
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٣٨).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٣١)، ومسلم (رقم ١٧٩٥).
[ ١٠٤ ]
قريشًا أصابت من رسول الله - ﷺ - فيما كانت تظهره من عداوته؟
فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.
قال: فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ -، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله - ﷺ -، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى إن أشدهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم! راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا. فانصرف رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان في الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ -، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول: كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله - ﷺ -: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".
ولقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي دونه ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]؟! ثم انصرفوا عنه (١). وعن عائشة -﵂- قالت: قلت: يا رسول الله! هل أتى
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٤٨).
[ ١٠٥ ]
عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
فقال - ﷺ -: "لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فيها فإذا جبربل ﵇ فناداني فقال: يا محمَّد إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين)!
فقال - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا" (١).
الله أكبر، إنها أخلاق النبوة، إنه العفو والصفح، فهكذا يا دعاة الإِسلام تعلموا الصبر، وأقبلوا على الله -﷿-، وادعوا الناس إلى هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦٠].
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) متفق عليه تقدم قريبًا.
[ ١٠٦ ]