عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية.
أمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله - ﷺ - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا - ﷺ - إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله -﵎- على رسولنا - ﷺ - وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي (ﷺ) -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى - ﷺ - في رحلته قومًا لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي - ﷺ - في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! "
وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج:
أولًا: منزلة الأقصى في الإِسلام.
ثانيًا: منزلة الصلاة في الإِسلام.
ثالثًا: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.
[ ٢٠٢ ]
رابعًا: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون.
عباد الله! رجع رسول الله - ﷺ - من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازمًا على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقًا من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
عباد الله! لم يدع رسول الله - ﷺ - فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله - ﷺ - الناس في الموقف: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -﷿-؟! " (١).
عباد الله! "لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله - ﷺ - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، قال لهم رسول الله - ﷺ -: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى.
فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.
_________________
(١) "صحيح سنن أبي داود" (٣٩٦٠).
[ ٢٠٣ ]
وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا" (١).
عباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله - ﷺ - ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله - ﷺ - فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلًا من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي - ﷺ - في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله - ﷺ - فلقيهم رسول الله - ﷺ - بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى).
عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك" (٢).
عباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير - ﵁ - وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.
_________________
(١) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن انظر "فقه السيرة" (ص ١٤٥).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٨)، ومسلم (رقم ١٧٠٩).
[ ٢٠٤ ]
فقام مصعب - ﵁ - بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعًا بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله - ﷺ -، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه - ﵁ -.
وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير - ﵁ - إلى مكة، ليبشر رسول الله - ﷺ - بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام.
وكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين.
إخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله - ﷺ - في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر - ﵁ - قال: "مكث رسول الله - ﷺ - بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - ﷺ - يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلًا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،
[ ٢٠٥ ]
فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويدًاَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله - ﷺ -، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسلبها أبدًا. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (١).
وتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله - ﷺ - على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت - ﵁ -: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري - ﵁ - وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة.
عن كعب بن مالك - ﵁ - قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ..، وواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - ﷺ -، حتى
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٢٦٣)، إسناده جيد، وقال الألباني في "الصحيحة" (٦٣)، إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٢٠٦ ]
جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب -وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له- فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج! إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ..
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله - ﷺ - فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإِسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر".
فقاطعه أبوالهيثم بن التيهان متسائلًا: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"
ثم قال: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم
فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس .. وقد طلب الرسول - ﷺ - منهم الانصراف إلى رحالهم فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غدًا بأسيافنا؟
[ ٢٠٧ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم" فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي - ﷺ -، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم" (١).
وهكذا مرت البيعة بسلام، وعاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - ﷺ - إليهم بتلهف كبير.
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من بيعة العقبة الأولى والثانية:
أولًا: النصر مع الصبر، كما أخبر النبي - ﷺ - فقال: "واعلم أن النصر مع الصبر"، فإن صبرنا نصرنا الله، فرسولنا - ﷺ - والمسلمون معه في مكة صبروا على إيذاء قريش، وصبروا على ما لاقوا من أعداء الدين ابتغاء مرضات الله فجعل الله لهم مخرجًا، ونصرهم الله بالأنصار، فبعد أن أغلق أهل مكة قلوبهم عن الدين فتح الله قلوب أهل المدينة لهذا الدين، وبعد أن أبى أهل مكة أن يبقوا رسول الله - ﷺ - ليدع لهذا الدين فقد فتح الله -﵎- المدينة على مصراعيها لرسول الله - ﷺ -، الذي يحمل هذا الدين.
فمهما ضيق الكفار على المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو فإن الله ﵎ سيجعل للمؤمنين مخرجًا، إن هم عادوا إلى الله وصدقوا مع
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" (٣/ ٤٦٠ - ٤٦٣). وقال الألباني في تحقيقه "فقه السيرة": "وهذا سند صحيح".
[ ٢٠٨ ]
الله، وعادوا إلى دينهم، وطلبوا العزة بالإِسلام فإن طلبنا العزة بالإسلام أعزنا الله، وإن طلبنا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.
كما قال الفاروق عمر - ﵁ - "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله"
فاصبروا على البلاء، وعودوا إلى الله، واعلموا أن الله ﵎ ينصر مع الصبر، وإياكم ودعاة الاستعجال الذين يورطون الأمة في بركة من الدماء، فإن الله نهى عن الاستعجال فقال: لرسول الله - ﷺ - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾، والنبي - ﷺ - يقول لخباب: "ولكنكم تستعجلون".
ثانيًا: أن المستقبل لهذا الدين: فقد أخبر الله -﵎- في كتابه، وأخبر النبي - ﷺ - في سنته، أن المستقبل لهذا الدين، وأنه ما من مكان في هذه الدنيا تطلع عليه الشمس إلا وسيدخله الإِسلام، وما من بيت شجر ولا مدر إلا وسيدخله الإِسلام ولو كره الكافرون، ولو تزمجر المنافقون فالمستقبل للإسلام.
ثالثًا: أن السر في النجاح في الدعوة إلى الله هو الإخلاص.
الإخلاص هو سر النجاح، فإن أرادت الأمة أن تنجح في دعوتها لهذا الدين فعليها بالإخلاص لله ﵎، فها هو مصعب بن عمير - ﵁ - كان مخلصًا ضرب لنا مثلًا أعلى في ذلك، فاستجاب لأمر رسول الله - ﷺ - وذهب إلى المدينة يدعو لهذا الدين بالليل والنهار، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإِسلام بفضل الله -﵎-، ثم بالجهود العالية العظيمة التي بذلها
[ ٢٠٩ ]
مصعب، فكان يجلس في المكان يدعو لهذا الدين يأتيه الرجل من المدينة يحمل حربته يريد أن يقتله فما أن يجلس ويسمع الكلام منه ودعوته بالحلم واللين إلا وهو يقوم وقد شهد "أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، إنها الحكمة والحلم في الدعوة والصبر على الناس، وكيف لا وقد تعلم مصعب من رسول الله - ﷺ -.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.
[ ٢١٠ ]