قريش تعود إلى أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب مما جعل كثيرًا من المسلمين يهاجرون إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم إن -شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله، ألا وهو أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب والمطاردة، مما جعل كثيرًا من المسلمين في مكة يهاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة.
عباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، ليلًا ونهارًا إلى عبادة الله -﷿-، وإلى عقيدة التوحيد، ويحذرهم من الشرك ومن عبادة الأوثان.
وكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن دين الله، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! بعد ما فشلت قريش في جميع الأساليب، لجأت مرةً أخرى إلى أسلوب الخنق والتضييق والاضطهاد والتعذيب للمسلمين، مما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتن.
تقول أم سلمة -﵂-: "لما ضاقت (مكة)، وأوذي أصحاب رسول الله - ﷺ - وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله - ﷺ - لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله - ﷺ - في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه؛ فقال لهم
[ ١٣٨ ]
رسول الله - ﷺ -: "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه" (١).
عباد الله! بدأ الرحيل إلى الحبشة تسللًا في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، فتسلل بضعة عشر رجلًا وامرأة كان على رأسهم عثمان بن عفان - ﵁ - وزوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ -، فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى انتهى إلى مسامعهم أن الاضطهاد والتعذيب والتضييق على المسلمين في مكة قد خفت وطأته، وترك الكفار المسلمين أحرارًا، فعاد المسلمون من الحبشة إلى ديارهم وأرضهم وأهليهم، فبينما هم على مشارف مكة إذ تأكدوا أن الأخبار التي وصلتهم غير صحيحة، وكانت قريش قد أغاظها خروج هؤلاء النفر من بينهم دون علمهم، فلما سمعوا بعودتهم أخذوهم وساموهم سوء العذاب، إلا نفرًا قليلًا منهم قد دخلوا في جوار بعض سادات قريش.
عباد الله! لما اشتد الاضطهاد والتعذيب والإيذاء بالمسلمين في مكة بعد عودة المهاجرين أشار النبي - ﷺ - على أصحابه بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة.
عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جارٍ، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه.
فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما
_________________
(١) انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٧٠).
[ ١٣٩ ]
يأتيه منها إليه الأدَم (أي الجلود)، فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -قبل أن يسلما- وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جارٍ فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم.
وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لتردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم.
ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم.
فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردَّاهم إلى بلادهم وقومهم.
[ ١٤٠ ]
قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هيم الله (أي لا والله) إذًا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟
قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا - ﷺ - كائن في ذلك ما هو كائن.
فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم. فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:
أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام- فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا،
[ ١٤١ ]
فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
فقال له جعفر: نعم.
فقال له النجاشي: فاقرأ عليّ.
فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾.
قالت: فبكى، والله، النجاشي حتى أخضل (أي بلَّ) لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنه غدًا عيبهم عنده، ثم أستاصل به خضراءهم
قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا.
قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟
[ ١٤٢ ]
قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا (١) عيسى ابن مريم ما قلت؛ هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم -الآمنون- من سبكم غُرِّم، ثم من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرًا ذهبًا -أي جبلًا ذهبًا- وإني آذيت رجلًا منكم، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار" (٢).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:
أولًا: يجب على العبد المسلم أن يهاجر من البلد التي لم يتمكن فيها من عبادة ربه، إلى بلد آخر يتمكن فيها من عبادة ربه، فقد هاجر أصحاب رسول الله - ﷺ - من مكة عندما ضُيق عليهم إلى الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، وقد هاجر رسول الله (ﷺ) - وهو أفضل خلق الله- من مكة -وهي أفضل بلاد الله- ليتمكن هو وأصحابه من عبادة الله -﷿-.
_________________
(١) ما تجاوز.
(٢) إسناده حسن، انظر "مسند الإِمام أحمد" رقم (١٧٤٠ - ط المؤسسة) و"صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٧٠).
[ ١٤٣ ]
ثانيًا: أن المؤمنين إذا اتقوا ربهم جعل لهم مخرجًا ودافع عنهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
عباد الله! فقد جعل الله للمهاجرين إلى الحبشة مخرجًا، ودافع عنهم، ونصرهم على أعدائهم.
ثالثًا: أن الكفار في كل زمان ومكان ينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فالله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقد تبين لكم يا عباد الله! من حديث أم سلمة -﵂-، كيف أنفق كفار مكة أموالهم في إرسال الهدايا إلى النجاشي، وإلى بطارقته ثم كانت النتيجة حسرة عليهم.
رابعًا: أن من صدق نجا، فعندما صدق جعفر بن أبي طالب - ﵁ - ومن معه مع النجاشي ولم يكتموا شيئًا من عقيدتهم، فكانت العاقبة أحسن العواقب وأحمدها، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال - ﷺ -: "عليكم بالصدق فإن الصدق، يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة .. ".
خامسًا: فضل النجاشي الملك العادل الذي لم يظلم المسلمين في أرضه ودافع عنهم وحافظ عليهم، فقد قال فيه الرسول - ﷺ - حين مات: "مات
[ ١٤٤ ]
اليوم رجل صالح، فقدموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) " (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات" (٢).
قالت عائشة -﵂-: "لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور" (٣).
عباد الله! ما هو أعجب ما رأى المهاجرون إلى الحبشة في أرض الحبشة؟
هذا الذي نعرفه -إن شاء الله -تعالى في الجمعة القادمة.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٨٧٧).
(٢) "أحكام الجنائز" (ص ٤٥) الألباني.
(٣) قال الألباني: إسناده حسن انظر "صحيح السيرة النبوية" (ص ١٨١).
[ ١٤٥ ]