الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ -
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄-.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - وكانت الدار من طابقين فنزل - ﷺ - في الطابق الأرضي، فلما طَلبَ منه أبو أيوب أن يصعد إلى الطابق العلوي قال له رسول الله - ﷺ -: "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، وبدأت الوفود تتوافد على رسول الله - ﷺ - في دار أبي أيوب، وكان ممن جاء إلى رسول الله - ﷺ - يبحث عن الحق، عبد الله بن سلام وكان رجلًا يهوديًا فسأل رسول الله - ﷺ - عن أشياء فلما أجابه الرسول - ﷺ - قال "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله" ثم قال ابن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت .. الخ.
عباد الله! وتكلمنا في الجمعة الماضية أيضًا عن سلمان الفارسي - ﵁ - وكيف انتقل من بلد إلى بلد، ومن رجل إلى رجل يبحث عن الحق فعندما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة وعلم به سلمان الفارسي ذهب إليه، فلما وجد منه الصفات التي أخبروه عنها؛ وهي أن النبي - ﷺ - لا يأكل الصدقة، ويأكل
[ ٢٤١ ]
الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، أسلم ودخل في دين الله، وكان سلمان الفارسي - ﵁ - عبدًا عند يهودي فأعانه النبي - ﷺ - والصحابة حتى تحرر من الرق وحضر مع رسول الله - ﷺ - غزوة الخندق وما بعدها من الغزوات.
أمة الإِسلام! وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄- دروس وعظات وعبر منها:
أولًا: تواضعه - ﷺ - ورأفته ورحمته بأصحابه وبضيوفه، وهذا يظهر من نزوله في الطابق السفلي من دار أبي أيوب الأنصاري، ومن قوله - ﷺ -: "يا أبا أيوب! إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
عباد الله! من اللحظة الأولى وضع رسول الله - ﷺ - نفسه في مكان يسهل على جميع الناس أن يصلوا إليه، ولم يجعل على بيته بوابين يمنعون الناس من الدخول عليه - ﷺ -، فهذا عبد الله بن سلام من اليهود، ومع ذلك دخل على رسول الله - ﷺ - وسأله وتكلم معه ثم أسلم، والشاهد على أن النبي - ﷺ - ليس على بابه بوابين:
مرّ النبي - ﷺ - على امرأة تبكي عند قبر فقال لها: "اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ - فأتت باب النبي - ﷺ -، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك.
فقال - ﷺ -: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (١).
الشاهد يا عباد الله! أنها لم تجد على بابه بوابين يمنعونها من الدخول على رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٨٣)، ومسلم (رقم ٩٢٦).
[ ٢٤٢ ]
ومن تواضعه - ﷺ -.
يقول أنس - ﵁ -: إن كانت الأمة -أي العبدة المملوكة- من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي - ﷺ - فتنطلق به حيث شاءت" (١) وذلك ليقضي لها حاجتها، إنها أخلاق النبوة.
- وسئلت عائشة - ﵂ - ما كان النبي - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة (٢). وكان - ﷺ - إذا مرَّ على الصبيان سلم عليهم (٣).
ومن تواضعه - ﷺ - أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (٤).
وقال - ﷺ -: "إن الله أوحى إلى؛ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (٥).
والله -﷿- يثني عليه في كتابه فيقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
عباد الله! وبهذا التواضع، وبهذه الرحمة، وبهذا الرفق من رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "رياض الصالحين" (رقم ٦١٠) تحقيق الألباني.
(٢) رواه البخاري (رقم ٦٧٦).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٢٤٧)، ومسلم (رقم ٢١٦٨).
(٤) رواه البخاري (رقم ٣٤٤٥).
(٥) رواه مسلم (رقم ٢٨٦٥ بعد ٦٤).
[ ٢٤٣ ]
بأصحابه، وبالناس أقبل الناس عليه، والتفوا حوله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ثانيًا: اليهود قوم بهت -أي أهل إفك وكذب يقولون في الإنسان ما ليس فيه-
وهذا يؤخذ من قول أحد علمائهم وهو عبد الله بن سلام بعد أن شرح الله صدره للإسلام فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت.
والبهتان يا عباد الله! هو: أن ترمي الرجل بما ليس فيه
قال رسول الله - ﷺ -: "أتدرون ما الغيبة"
قالوا: الله ورسوله أعلم
قال - ﷺ -: "ذكرك أخاك بما يكره"
قيل: يا رسول الله أفرأيت إن كان في أخي ما أقول
قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (١).
فهذا تاريخ اليهود الأسود يشهد لهم بذلك؛ يقلبون الحقائق فنراهم في واقعنا المعاصر يقتلون المسلمين في أرض فلسطين ثم بعد ذلك باستخدامهم لوسائل الإعلام يقلبون الحقائق ويظهرون للناس أنهم هم الذين يُقْتَلونَ.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٨٩).
[ ٢٤٤ ]
فاليهود قوم بهت:
١ - ومن بهتانهم: أنهم كذبوا على الله فوصفوه بما لا يليق وقد فضحهم الله في كتابه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
٢ - ومن بهتانهم: أنهم اتهموا مريم بالزنا، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦].
٣ - ومن بهتانهم: أنهم زعموا أن جبريل ﵇ عدوٌّ لهم وهذا يظهر من قول ابن سلام قبل أن يسلم عندما قال النبي - ﷺ - "أخبرني بهن جبريل آنفا" فقال ابن سلام: جبريل، قال - ﷺ -: "نعم"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فالله -﷿- كذبهم ورد عليهم فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].
عباد الله! اليهود أهل حقد وحسد على المسلمين، وقد فضحهم الله في
[ ٢٤٥ ]
كتابه؛ فقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
اليهود لا يحبون الخير للمسلمين أبدًا، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢].
عباد الله! اليهود يعملون بالليل والنهار، وينفقون أموالهم ليصرفوا المسلمين عن دينهم، وذلك لأن اليهود تقوى على حساب تفرق المسلمين وضعفهم وبعدهم عن دينهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
عباد الله! اليهود هم أكلة الربا في العالم كله قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
اليهود ينقضون العهود والمواثيق وهم قتلة الأنبياء قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ
[ ٢٤٦ ]
قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]
اليهود هم أفسد الناس في الأرض على الإطلاق، وهم الذين يشعلون الحروب بين الناس لأنهم لا يعيشون إلا على حساب خراب بيوت الآخرين قاتلهم الله. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].
اليهود يسارعون إلى الإثم والعدوان وأكل الحرام ليلًا ونهارًا قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢].
اليهود من أشر الناس ومن أضل الناس، ولذلك غضب الله عليهم ولعنهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
اليهود من أجبن الناس على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر: ١٣ - ١٤].
ثالثًا: على الإنسان أن يبحث عن الحق ليلًا ونهارًا، فإن وجده اتبعه بلا تردد، وهذا يؤخذ من فعل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄-.
[ ٢٤٧ ]
فهذا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى وجه النبي - ﷺ - ووجده ليس بوجه كذاب، وعندما سأله عن المسائل الثلاث وأجابه النبي - ﷺ -، عرف ابن سلام أن النبي - ﷺ - حق، وأنه جاء بالحق من عند الله تعالى، فعندها بلا تردد قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أنك رسول الله، وقال ابن سلام لليهود: يا معشر اليهود! اتقوا الله؟ فوالله الذي لا إله غيره إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.
وهذا سلمان الفارسي - ﵁ -، ترك أهله، وترك الغنى عند أبيه، وانتقل من بلد إلى بلد، ومن شخص إلى شخص، وباعوه عبدًا لرجل من اليهود، ومع ذلك يبحث عن الحق فعندما التقى برسول الله - ﷺ - وقدم له الصدقة فلم يأكل النبي - ﷺ - منها، وقدم له الهدية فأكل - ﷺ - منها، ورأى سلمان خاتم النبوة بين كتفي النبي - ﷺ - انكب على رسول الله - ﷺ - يقبله ويبكي، ودخل في دين الله، فعلى الإنسان أن يبحث دائمًا عن الحق في كل شيء، فإذا وجده اتبعه بلا تردد؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ولأن الحق أحق أن يتبع، فكم من إنسان منعه الكبر من اتباع الحق؟! وكم من إنسان منعه الجهل من اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الدنيا وحب الدينار عن اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الحزبية البغيضة عن اتباع الحق؟!
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
رابعًا: ضرورة التعاون على البر والتقوى، وضرورة مساعدة المحتاج، وضرورة التعاون على قضاء الدين عن المدين.
وهذا يؤخذ من فعل النبي - ﷺ - والصحابة - ﵃ - مع سلمان الفارسي - ﵁ - عندما ساعدوه ليتحرر من الرق فالله -﷿- يقول:
[ ٢٤٨ ]
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وقال - ﷺ -: "أعينوا أخاكم" أي: سلمان (١).
وقال - ﷺ -: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .. " (٢).
فإذا ابتلي رجل من المؤمنين الصالحين بِدَين، من غير إسراف ولا تبذير، ولا محاربة لله ورسوله بالمعاصي، فإنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا مع هذا الرجل على قضاء هذا الدين عنه، كما فعل النبي - ﷺ - والصحابة مع سلمان الفارسي - ﵁ -.
قال - ﷺ -: "ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون" (٣) أي: أعانه الله.
وقال - ﷺ -: "ما من أحد يدان دينًا يعلم الله منه أنه يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا" (٤)
اللهم أعز الإِسلام والمسلمين.
_________________
(١) مضى تخريجه.
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٤٢)، ومسلم (رقم ٢٥٨٠) واللفظ له.
(٣) "صحيح الجامع" (٥٦١٠).
(٤) "صحيح الجامع" (٥٥٥٣).
[ ٢٤٩ ]