الباحثون عن الحق عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ -
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الباحِثَيْنِ عن الحق وهما: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي -﵄-.
عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن هجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة، وتبين لنا أن المسلمين في المدينة فرحوا بهجرة النبي - ﷺ - فرحًا شديدًا.
يقول البراء بن عازب - ﵁ -: "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - ﷺ - " (١).
ويقول أنس - ﵁ -: "لما كان اليوم الذي دخل النبي - ﷺ - فيه المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" (٢).
الشاهد يا عباد الله! أن المدينة ومن فيها فرحوا بهجرة النبي - ﷺ - فرحًا شديدًا.
عباد الله! دخل رسول الله - ﷺ - المدينة راكبًا على ناقته، والأنصار يتطلعون إلى استضافته، فكلما مر على أحدهم دعاه للنزول عنده فكان - ﷺ -
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة"، (ص ٢١٨ - ٢١٩) أكرم العمري.
(٢) "صحيح سنن الترمذي" (٢٨٦١).
[ ٢٣٠ ]
يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، في مكان المسجد النبوي الذي هو فيه الآن (١).
عباد الله! فتساءل - ﷺ -: أي بيوت أهلنا أقرب؟ - يقصد بذلك بيوت بني النجار أخواله-.
فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي فنزل - ﷺ - في داره (٢). وكانت الدار طابقين، فاختار النبي - ﷺ - أن يسكن في الطابق الأرضي، فقال أبو أيوب - ﵁ -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إني لأكره أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل.
فقال النبي - ﷺ -: "يا أبا أيوب: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
قال أبو أيوب: فكان النبي - ﷺ - في السفل وكنا فوقه في المسكن، فانكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأمُّ أيوب بقطيفة لنا -ليس لنا لحاف غيرها- ننشف بها الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله - ﷺ - فيؤذيه" (٣).
عباد الله! أخذت الوفود تتوافد على رسول الله - ﷺ - في دار أبي أيوب، وسمع عبد الله بن سلام -وكان رجلًا يهوديًا- بنزول النبي - ﷺ - في دار أبي أيوب، وقد تنادى الناس فيما بينهم: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، فجاء عبد الله بن سلام مع الناس ليرى رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (٢١٩).
(٢) "صحيح البخاري" (رقم ٣٩١١).
(٣) "سيرة ابن هشام" بإسناد صحيح، انظر "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (ص ٢٢٠).
[ ٢٣١ ]
قال عبد الله بن سلام: فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١).
فالإِسلام هو دين السلام، جاء بالسلام والرحمة إلى الناس.
عباد الله! ذهب عبد الله بن سلام إلى أهله ثم عاد ليبحث عن الحق.
قال عبد الله بن سلام: يا محمَّد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهم إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟
فقال النبي - ﷺ -: "أخبرني بهن جبريل آنفًا"
قال ابن سلام: جبريل؟
قال - ﷺ -: "نعم"
قال ابن سلام: "ذاك عدو اليهود من الملائكة".
فقال رسول الله - ﷺ -: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما نزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة؛ نزع الولد (أي: جذبه إليه فكان أشبه بأبيه)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل؛ نزع إليها.
فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ثم قال:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (رقم ٢٤٨٥)، وابن ماجه (رقم ١٣٣٤، ٣٢٥١)، والحاكم (٣/ ١٣، ٤/ ١٦٠) وانظر "صحيح الجامع" (٧٧٤٢).
[ ٢٣٢ ]
يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت (أي أهل إفك وكذب) يقولون في الرجل ما ليس فيه، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فابعث إليهم يا رسول الله، واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيَّ.
فأرسل إليهم رسول الله - ﷺ - فجاءوه، واختبأ عبد الله بن سلام، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقًا، وأني قد جئتكم بالحق من عنده".
فقالوا: ما نعلمه؟
فقال رسول الله - ﷺ -: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ "
قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
فقال - ﷺ -: "أرأيتم إن أسلم؟ "
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
قال - ﷺ -: "أرأيتم إن أسلم؟ ".
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
قال - ﷺ -: "أرأيتم إن أسلم؟ "
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
فقال رسول الله - ﷺ -: "يا ابن سلام اخرج عليهم".
فخرج ابن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم قال لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.
[ ٢٣٣ ]
فقالوا له: كذبت ثم قالوا: شرنا، وابن شرنا وتنقصوه.
فقال ابن سلام: يا رسول الله! ذاك الذي كنت أخاف على نفسي منهم فأخرجهم رسول الله - ﷺ - " (١).
وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠].
فهذه شهادة مِن رجلٍ مَنَّ الله عليه بالإِسلام من اليهود في رسول الله - ﷺ - وفي اليهود، فأخبر في شهادته أن رسول الله - ﷺ - حق، وأن اليهود قوم بهت.
عباد الله! إذا كانت اليهود تعلم أن رسول الله - ﷺ - حق بشهادة أعلمهم وهو عبد الله بن سلام، فتعالوا بنا لنرى شهادة النصارى أيضًا في رسول الله - ﷺ -، وكيف أن أحبارهم ورهبانهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦].
ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام سلمان الفارسي - ﵁ -.
عن ابن عباس -﵄- قال: حدثني سلمان عن نفسه فقال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل (أصبهان)، من أهل قرية منها يقال لها: (جيّ)، وكان أبي دهقان قريته (أي رئيسها)، وكنتُ أحبُّ خلقِ اللهِ إليه، فلم يزل به حُبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، وأجهدت في
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٣٢٩).
[ ٢٣٤ ]
المجوسية حتى كنت قاطن النار؛ الذي يوقدها؛ لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فَشُغِلَ في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شُغِلتُ في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فأطلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسممعت أصواتهم؛ دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها، فقلت لهم: أين أَصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.
قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت: كلا والله؛ إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟
قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا
[ ٢٣٥ ]
الدين، وأحببت أن أكون معك؛ أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها؛ فإذا جمعوا إليه منها أشياء؛ اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وَوَرِق، قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها؛ فإذا جئتموه بها؛ اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا.
قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه؛ أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببته حبًا لم أحبه مَن قبله، وأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان! إني كنت معك، وأحببتك حبًا لم أحبه أحدًا من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمرني؟
قال: أي بني! والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بـ (الموصل) وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به.
قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (الموصل)، فقلت له: يا فلان إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث
[ ٢٣٦ ]
أن مات، فما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلانًا أوصي بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله -﷿- ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بـ (نصيبين)، وهو فلان فالحق به.
قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (نصيبين) فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر؟ قلت له: يا فلان! إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بـ (عمورية)؛ فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغيب؛ لحقت بصاحب (عمورية)، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان بي إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيب، فمكثت بـ (عَمورية) ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي
[ ٢٣٧ ]
نفر من كلب تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من اليهود عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لىِ صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاجي، فأقمت بها.
وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان! قاتل الله بني قيلة؛ والله إنهم الآن لمجتمعون بـ (قباء) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرُواء (أي: الرِّعدة) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله - ﷺ - وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: "كلوا". وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئًا وتحول رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله - ﷺ -
[ ٢٣٨ ]
منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله - ﷺ - وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله - ﷺ - استدبرته؛ عرف أني استثبت في شيء وصف لي، قال: فألقي رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله - ﷺ -: "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي -كما حدثتك- يا ابن عباس! قال: فأعجب رسول الله - ﷺ - أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - ﷺ - بدر واحد، قال: ثم قال لي رسول الله - ﷺ -: "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله - ﷺ -: "أعينوا أخاكم".
فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية (صغار النخل)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر -يعني الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله - ﷺ -: "اذهب يا سلمان! ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله - ﷺ - معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله - ﷺ - بيده، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال، فأتي رسول الله - ﷺ - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ ". قال: فدعيت له. فقال: "خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان! ". فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها؛ فإن الله -﷿- سيؤدي بها عنك".
[ ٢٣٩ ]
قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله - ﷺ - الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد" (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄- فهي كثيرة جدًا نعيش معها في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) إسناده صحيح، "السلسلة الصحيحة" (٨٩٤). "مسند الإِمام أحمد" (٢٣٧٣٧ - ط المؤسسة).
[ ٢٤٠ ]