الهجرة إلى الحبشة وأعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون أيضًا عن هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، وعن أعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن المسلمين هاجروا من مكة إلى الحبشة فرارًا بدينهم، ولأن النبي - ﷺ - قال لهم: "إن بالحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه".
تقول أم سلمة -﵂-: "فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا".
تقول: "فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارًا وأمنًا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا، ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم".
فبعد أن ذكرت -﵂- المحاولة الفاشلة التي قام بها كفار مكة قالت: "ثم قال النجاشي: فوالله؛ ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي".
تقول -﵂-: "فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به".
[ ١٤٦ ]
تقول - ﵂-: "فأقمنا مع خير جار في خير دار" (١).
عباد الله! لما فشلت قريش في محاولتها الغادرة وهي إرجاع المهاجرين من أرض الحبشة إلى مكة، أخذوا يصبوا العذاب صبًا على المسلمين في مكة ويضيقون عليهم.
"فهذا أبو بكر الصديق - ﵁ - حين ضاقت عليه (مكة) وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - ﷺ - وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول الله - ﷺ - في الهجرة، فأذن له" (٢).
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى عائشة -﵂- وهي تخبرنا الخبر، تقول -﵂-: "لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم، إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ بَرْك الغماد -وهو موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن- لقيه ابن الدُّغنة -وهو سيد القارة (٣) - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدَّغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدَّغنة فطاف ابن الدَّغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا
_________________
(١) انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص. ١٧ - ١٧٧).
(٢) انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٢١٢).
(٣) القارة: قبيلة مشهورة، يضرب بهم المثل في قوة الرمي.
[ ١٤٧ ]
يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغنة، وقالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء؛ ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدَّغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر؛ فابتني مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من الشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتني مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك -أي ننقض عهدك- ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرتُ في رجل عقدتُ له.
فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله -﷿-" (١).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩٠٥).
[ ١٤٨ ]
عباد الله! وهذا أبو موسى الأشعري - ﵁ - يخبرنا عن هجرته هو وأصحابه إلى الحبشة.
عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: "بلغنا مخرج النبيﷺ - ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، فقال النبي - ﷺ -: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان" (١).
عباد الله! قال النبي - ﷺ - ذلك عندما قال عمر بن الخطاب - ﵁ - لأصحاب السفينة: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله - ﷺ - منكم"، فلما بلغ الخبر إلى النبي - ﷺ - قال: "لا ما هو بأحق بي منكم وله (أي: لعمر وأصحابه) هجرةٌ واحدة ولكم يا أهل السفينة هجرتان" (٢).
ولما عاد مهاجروا الحبشة إلى رسول الله - ﷺ - جعل يسألهم ويخبرونه بما رأوا في أرض الحبشة من أعاجيب:
فعن جابر - ﵁ - قال: لما رجع مهاجروا البحر إلى رسول الله - ﷺ - قال لهم رسول الله - ﷺ -: "ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟! " قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فقام إليها فتىً من فتيانهم فوضع إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها. فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غُدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٣٠، ٤٢٣١).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٣٠، ٤٢٣١)، ومسلم (رقم ٢٥٠٢، ٢٥٠٣).
[ ١٤٩ ]
فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا.
فقال رسول الله - ﷺ -: "صدقت. صدقت. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ " (١).
عباد الله! وفي هذا الحديث فوائدٌ عظيمة منها: