العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.
العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله.
العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك وتفسد الأخوة في الله.
العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.
المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، طاعة ومحبة لله ولرسوله - ﷺ - ونصرة لدين الله كما وصفهم ربهم في كتابه.
[ ٢٦٢ ]
فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
نعم والله صادقون في إيمانهم، صادقون في هجرتهم، صادقون في محبتهم لله ولرسوله - ﷺ -.
أما الأنصار هم أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم المهاجرين وضربوا مثلًا أعلى في الإيثار، كما وصفهم ربهم -﵎- في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
ومن الأمثلة على الإيثار عند الأنصار
يقول أبوهريرة - ﵁ -: أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أصابني الجهْد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول اللهﷺ -: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله!؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله - ﷺ - لا تدخري به شيئًا.
قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية!
قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت.
ثم غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عجب الله -﷿- أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
[ ٢٦٣ ]
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
ولذلك أثنى رسول الله - ﷺ - على الأنصار وتمنى أن يكون منهم فقال - ﷺ -: "لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار".
فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه (٢).
وجعل النبي - ﷺ - حبهم علامة الإيمان، وبغضهم أمارة النفاق، فقال - ﷺ -: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٣).
فالويل الويل للروافض الشيعة الذين يبغضون صحابة رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يقول: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٤).
وقال - ﷺ -: "استوصوا بالأنصار خيرًا" (٥).
عباد الله! ها هم أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، من سلك سبيلهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن ترك سبيلهم شقي في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٨٨٩)، ومسلم (رقم ٢٠٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣٧٧٩).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٣)، ومسلم (رقم ٧٥).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٤)، ومسلم (رقم ٧٤).
(٥) "ترتيب صحيح الجامع" (٢/ ١٥٨).
[ ٢٦٤ ]
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١).
عباد الله! وها هم صحابة رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].